ناصر زيدان
تبدو الأوضاع في محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة جنوب سوريا، مُقلقة للغاية، وما يجري يُثير الريبة، ويؤشر الى أحداث أو تغييرات قد تحصل، والعامل الإسرائيلي التخريبي يُكشِّر عن أنيابه لطي صفحة الاستقرار النسبي الذي حصل بُعَيد سقوط النظام السابق، وإسرائيل تبني دسائسها على بعض النتوءات المحلية الجارحة والتي أفرزتها الأحداث الأليمة التي وقعت في محافظة السويداء منتصف تموز/يوليو الماضي، وذهب ضحيتها مئات الأبرياء من الذين لا علاقة لهم بالمؤامرات الخبيثة التي تُحاك.
ذكرت المعلومات المُسرّبة من المباحثات التي جرت بين الجانبين السوري والإسرائيلي، أن الترتيبات التي تريد إسرائيل فرضها في كامل منطقة جنوب دمشق، إضافةً الى طلبها إعطاء امتيازات لبعض المتعاونين معها في محافظة السويداء؛ كانت السبب الرئيس في عدم الوصول الى اتفاق بينهما، لأن الجانب السوري تمسَّك بالترتيبات التي يفرضها اتفاق الهدنة بين الطرفين للعام 1974، مع بعض المرونة في قضايا أخرى لا تمسّ وحدة سوريا.
وتُبيِّن الأخبار الموثَّقة المتداولة، أن شركات كندية يملكها إسرائيليون اشترت مساحات واسعة من الأراضي في القنيطرة وفي درعا، وقيل إنها تملك جزءاً من عقارات مزارع شبعا. وتعمل إسرائيل على توسيع منسوب الشرخ بين سكان تلك المناطق الذين لا يتفقون على رأيٍ واحد، وينتمون لاتجاهات سياسية وإسلامية مختلفة، كما تؤجِّج الحساسيات بين أهالي المدن والقرى، وبين البدو من الذين يقطنون في حوران منذ القِدم، أو من المهجرين منهم إلى درعا حديثاً والذين يقطنون في المدارس ويمتنعون عن إخلائها لفتحها أمام الطلاب. والمُجتهدون في خدمة الدعاية الصهيونية على وسائل التواصل التي تتحرَّك من الخارج، لم يكُن لديهم ذات النشاط في السابق، لناحية إنتاج الخبريات التي تُثير الفتن، ويبدو واضحاً أنهم يعملون لخدمة أجندة إسرائيلية جديدة، هدفها إحداث توتر بين الشرائح المجتمعية السورية، لا سيما بين المسلمين السنَّة وبين المسلمين الموحدين الدروز، وهؤلاء يتعايشون مع بعضهم البعض منذ ما يقارب الألف سنة.
والمعطيات المتوافرة من أكثر من مصدر، تؤكد أن عصابات من “الدواعش الجُدُد” الذين يرتكبون جرائم واغتيالات وعمليات خطف في جنوب البلاد وفي حمص وحماه والساحل وإدلب (وآخرها اغتيال 4 من أبناء الطائفة الدرزية في جبل السماق)، يعملون بشكل غير مباشر لصالح آلة تخريبية خارجية، ومنهم مَن يرتبط بإسرائيل، وتتحمَّل الحكومة الجديدة في دمشق مسؤولية كشف هذه العصابات ومحاسبة رموزها، حتى ولو أدى ذلك الى توتير علاقاتها مع إسرائيل ومع دول خارجية أُخرى، أو إغاظة أجنحة غير سويَّة تتلطى تحت عباءة الإدارة الجديدة.
يقول المعارض البارز للنظام السابق كمال اللبواني، إن “ما حصل وما سيحصل مُخطط له من الخارج”. ويرى أن درعا قادمة على “مذبحة جديدة” كما ذكر حرفياً. بينما الأوضاع في السويداء ومحيطها تشهد مظاهر غريبة ومُقلقة، وهناك مَن يحاول الاستثمار بصلافة بدماء الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في الهجمات البربرية التي وقعت الصيف الماضي، وهؤلاء المستثمرون يرفضون أي تعاون مع الإدارة الجديدة في دمشق، البرغم من المبادرات الإيجابية التي اتخذتها هذه الإدارة من خلال إطلاق سراح المخطوفين وفتح الطُرق، وتنظيم حملة “السويداء منّا وفينا” والتي ساهم في التقديمات المالية لها، جمهور واسع من السوريين من مختلف المناطق. وتأخُّر مسؤولين في دمشق في اتخاذ مثل هذه الخطوات الإيجابية؛ كان لعدم ادراك حجم تأثير الأحداث التي وقعت في تموز/يوليو، أو عدم دراية منهم؛ لكن هذا التأخير لا يُبرِّر السلبية التي تتعاطى بها المجموعات المسلحة في السويداء.
وما يُثير الحَيرَة، ويبعث الخشية؛ إقدام عناصر مُنضوية في “الحرس الوطني” في السويداء، على منع مواطني المحافظة من المغادرة والانتقال الى دمشق (باستثناء بعض الحالات الخاصة)، بالرغم من أن سلطات الحكومة المركزية تكفَّلت بفتح الطريق وبحماية أبناء المحافظة أينما ذهبوا، في وقتٍ يعاني أهالي السويداء من أوضاع معيشية في غاية الصعوبة، ويفتقدون للحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.
وقد لجأت هذه المجموعات في الأيام الأخيرة الى منع فتح المدارس في المحافظة، بحجة الحفاظ على أمن التلاميذ، وطلاب الجامعات ممنوعون من الالتحاق بجامعاتهم، وقد أثارت هذه الإجراءات مخاوف كبيرة لدى الأهالي، وقد يتطور الوضع الى حصول إشكالات أو صدامات غير محسوبة، خصوصاً في ظل تنامي حملات الكراهية والدسّ التي تطلقها الماكينات المعروفة بارتباطها بالسياسة الإسرائيلية، وهي تستهدف تشويه الرسالة التوحيدية الصافية من جهة، وخدش الإسلام الحنيف من جهة ثانية. كما تطال الرموز المعروفية التي تتمسَّك بالأصالة الدرزية العربية، وترفض أي انخراط في المشروع الإسرائيلي.
كل ذلك يؤكد أن ما يُحضَّر لجنوب سوريا خطير، ويستوجب العناية والحذر.