في زمن مضى، كان الحديث عن سلام مع إسرائيل خيانة، فيما التفكير فيه ترفاً لا يليق بدولة عربية تعيش في قلب الصراع. أما اليوم، فالمفارقة أن من رفعوا لواء الحرب باسم فلسطين هم أنفسهم غارقون في أنقاض مدنهم وخراب مؤسساتهم وتصدع مجتمعاتهم. انتهى الصراع من دون أن يُعلن أحد نهايته. لم تُوقّع معاهدة، ولم تُرفع راية بيضاء، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن العرب، شعوباً ودولاً، خرجوا من الحرب من دون أن ينتصروا.
لو عاش الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” في عالمنا العربي اليوم، لكان دعا إلى الشك في كل ما ورثناه عن “الصراع العربي – الإسرائيلي”. فهو، صاحب منهج الشك المفضي إلى اليقين، كان ليقول لنا: “لا تصدقوا أن العداء قدر، ولا أن الحرب هوية، جربوا أن تفكّروا خارج الانفعال”. فالمنطق “الديكارتي” لا يبحث عن الحقيقة في الشعارات، بل في التجربة. وإذا طبقنا منهجه على واقعنا، لوجدنا أن استمرار الحرب لم يُحرر شبراً، وأن اللاسلم لم يحمِ أحداً. ما أنفقناه في الشعارات أنفقته إسرائيل في التكنولوجيا، وما خسرناه في الجبهات كسبته في الأسواق، وما حلمنا بتحريره تركناه يضيع بين الانهيار الاقتصادي والمجازر الطائفية.
الشك، هنا، ليس ترفاً فلسفياً، بل ضرورة سياسية. لأن أول يقين يجب أن نصل إليه هو أن الحرب التي لم تغيّر إسرائيل غيّرتنا نحن. غيّرت خرائطنا وحدودنا، وجعلت من غزة ولبنان وسوريا كومة خراب وساحة اختبار لموازين القوى الدولية. سوريا التي كانت ذات يوم “قلب العروبة النابض” تحوّلت إلى مختبر يعيد تعريف مفهوم السيادة والتحالف والعدو. الحرب التي دمّرتها لم تكن مع إسرائيل، بل حرب بين شعوبها. خطوط النار لم تُفتح في الجولان بل في حلب ودير الزور وحمص. وبدل أن يكون الصراع على تحرير الأرض، صار على من يملكها بعد الحرب.
في هذا المشهد، يصبح التفكير بالسلام مع إسرائيل، أو بالتفاهم الواقعي معها، ليس تنازلاً بل خطوة في طريق التعافي الوطني. فالمعادلة “الديكارتية” بسيطة: إذا كان الهدف من الحرب هو الحياة، وكانت الحرب تُنهي الحياة، فإن المنطق يفرض البحث عن بديل يعيدها. السلام، في الحالة السورية، ليس تسوية سياسية فحسب، بل مشروع عقلاني لإعادة بناء الدولة. فإلغاء “قانون قيصر” مثلاً، أو انفتاح القنوات الاقتصادية مع الجوار بما فيه إسرائيل، يمكن أن يحرر الاقتصاد السوري من الحصار المزمن، ويعيد الكهرباء إلى المدن، والماء إلى المزارع، والمستشفيات إلى الحياة. ليس لأن إسرائيل صديقة، بل لأنها بوابة محتملة في شبكة المصالح الجديدة التي ترسمها المنطقة.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى الشك في رواياتها القديمة، في شعاراتها، في خطابها عن العداء، لتبدأ من جديد بعقل بارد لا بانفعال حار. أما لبنان، الذي اعتاد أن يضع نفسه في قلب المواجهة، فقد أصبح اليوم سجين معادلاته الداخلية. “المقاومة” التي منحت نفسها شرعية السلاح خارج الدولة، استهلكت هذه الشرعية في صراعات الداخل لا في معارك الحدود. وما عاد اللبنانيون يرون في إسرائيل تهديداً أكبر من الانهيار المصرفي، أو من العتمة التي تغطي بيروت كل ليلة.
في المنهج “الديكارتي”، الشك هو بداية التفكير لا نهايته، ولبنان، كسوريا، بحاجة لأن يشكّ أولاً في الفرضية التي حكمته لعقود: أن بقاء سلاح “حزب الله” هو ضمانة السيادة. لكن الواقع والتجربة يقولان عكس ذلك: لا سيادة في ظل ازدواجية القوة وانقسام الولاءات. السلام مع إسرائيل، أو على الأقل إنهاء حالة اللاسلم، ليس استسلاماً بل استعادة لوظيفة الدولة اللبنانية الطبيعية، كي تعود مركزاً اقتصادياً شرق متوسطي لا خندقاً في معركة الآخرين، وهو ما يفهمه العالم اليوم أكثر مما يفهمه الداخل اللبناني نفسه.
من القاهرة إلى الرياض، ومن أبوظبي إلى المنامة، اختارت الدول العربية أن تنقل معركتها من الميدان إلى السوق. لم يعد التطبيع خيانة، بل صار تعبيراً عن واقعية سياسية جديدة ترى أن الاستثمار في المستقبل أهم من الانتقام للماضي. وهذه ليست براغماتية فقط، بل “ديكارتية” صافية، فالفكر لا يبدأ إلا حين يشك، ولا ينتهي إلا حين يجد برهانه في المصلحة لا في الشعور. لقد غيّر الزمن تعريف العدو. فإسرائيل لم تعد وحدها الخطر، بل صار الانهيار الداخلي، والفساد، والجمود الفكري، أعداء لا تقل فتكاً. وبهذا المعنى، فإن السلام ليس مصالحة مع إسرائيل بقدر ما هو مصالحة مع الذات، مع القدرة على التفكير بعقل منفتح بعد عقود طويلة من الانغلاق الإيديولوجي.
من المؤكد أن العقلانية لا تبرّئ أحداً، فإسرائيل ارتكبت الكثير من الفظائع، لكنها نجت لأنها استثمرت في العلم والاقتصاد والدبلوماسية. أما العرب، فاستثمروا في خطاب الضحية حتى صار هويتهم. إن الاختبار الحقيقي اليوم ليس في من كان على حق، بل في من يملك الشجاعة ليعيد تعريف الحق وفق معطيات الحاضر. حين دعا ديكارت إلى البدء من الشك المنهجي، لم يكن يقصد الهدم بل إعادة البناء على أسس صلبة. والسلام، بهذا المعنى، ليس انكساراً، بل لحظة تأسيس جديدة للعقل العربي بعد قرون طويلة من التخلف.
ما عاد السلام مع إسرائيل مخيفاً، إذ ما عاد في الجبهات ما يُقاتل لأجله، وما عاد في الشعارات ما يُقنع أحداً. أما اليقين الذي يمكن أن نصل إليه بعد هذا الشك الطويل هو أن العيش أهم من الصراع، والبناء أعمق من البطولات، والإنسان أثمن من أيّ قضية.
. المصدر موقع 963