إسطنبول محمد شيخ يوسف بغداد محمد علي بغداد محمد. عماد .. المصدر العربي الجديد
قال الحزب إن خطوته “تاريخية نحو المرحلة الثانية من نداء السلام”
طالب الحزب تركيا بإظهار الالتزامات التي تتطلبها المرحلة الجديدة
جاء البيان في وقت يستعد فيه وفد حزب ديم الكردي للقاء أردوغان
أعلن حزب العمال الكردستاني في تركيا، اليوم الأحد، سحب جميع قواته إلى شمال العراق ضمن مسار “تركيا خالية من الإرهاب”، وهي مرحلة جديدة من مراحل حلّ الحزب نفسه وإلقاء سلاحه استجابة لدعوة مؤسسه المسجون عبد الله أوجلان. جاء ذلك في بيان صدر تناول فيه التطورات في مسار حلّ الحزب لنفسه، في وقت يستعد فيه وفد حزب ديم الكردي الذي التقى أوجلان عدة مرات في محبسه، للقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء المقبل.
وأوضح الحزب في بيانه أنه “مع تحول الصراعات والحروب في الشرق الأوسط إلى تهديد خطير لمستقبل تركيا والأكراد، فإن العملية التي بدأت العام الماضي بتصريحات من رئيس حزب الحركة القومية دولت باهتشلي والزعيم عبد الله أوجلان، اكتسبت أهمية بدعوة أوجلان إلى مجتمع سلمي وديمقراطي في 27 فبراير/شباط الماضي”.
وأضاف البيان أنه “استناداً إلى قرارات المؤتمر الثاني عشر، ينفذ الكردستاني الانسحاب المخطط له لجميع القوات الموجودة داخل تركيا درءاً لنشوب صراع محتمل نتيجة للاستفزازات، إلى مناطق الدفاع الإعلامي، وبموافقة القائد عبد الله أوجلان”. وجاء في البيان الذي ألقي في شمال العراق في مكان قرب جبال قنديل: “على مدار الأشهر الثمانية الماضية اتخذنا خطوات تاريخية بناءً على الدعوة إلى مجتمع سلمي وديمقراطي، ولخلق بيئة هادئة ومريحة للنقاش، وأعلنّا وقف إطلاق النار فور صدور الدعوة لأوجلان في الأول من مارس/ آذار الماضي”.
وأكمل الحزب: “بناءً على التوجيهات المناسبة التي قدمها أوجلان، عقدنا المؤتمر الثاني عشر للكردستاني في الفترة من 5 إلى 7 مايو/ أيار، وقررنا إنهاء الوجود التنظيمي للحزب واستراتيجيته في الكفاح المسلح، وأن هذه القرارات لا يمكن تطبيقها عملياً إلا بالتنفيذ المباشر من قبل أوجلان”. وتابع الحزب: “في 11 تموز/ يوليو الماضي، وعقب رسالة مصورة من القائد أوجلان، أقدمت مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي المكونة من 30 شخصاً، بقيادة الرئيسة المشاركة بيسي هوزات، على حرق أسلحتهم، وأظهروا موقفهم الواضح والحازم في تنفيذ قرار إنهاء الكفاح المسلح”.
واعتبر الحزب أن “الخطوات التاريخية التي اتخذها الجانب الكردي بقيادة أوجلان، أحدثت تأثيراً عميقاً في البيئة السياسية والاجتماعية في تركيا، كاشفة عن روح وإرادة جديدة نحو السلام والديمقراطية، وأن هذا الموقف الشجاع والنزيه للأكراد المؤيد للسلام والديمقراطية والحرية، حظي بتقدير واسع داخل تركيا وخارجها”.
ولفت إلى أن “أوجلان وحركة حرية كردستان يسعيان إلى اتخاذ خطوات عملية جديدة للقضاء على التهديدات متزايدة الخطورة التي تواجه تركيا والأكراد، وإرساء أسس حياة حرة وديمقراطية وأخوة لقرون قادمة، والدفع بعملية السلام والمجتمع الديمقراطي إلى مرحلة ثانية، وأن التطبيق العملي سيظهر أثر هذه الخطوات، وتصميم حزب العمال الكردستاني وموقفه الواضح في تنفيذ قرارات المؤتمر الثاني عشر مرة أخرى”.
وفي السياق نفسه، طالب تركيا بـ”إظهار الالتزامات التي تفرضها المرحلة من دون تأخير.. يجب اعتبار قانون التحول الخاص بحزب العمال الكردستاني، أساساً لمشاركته في الحياة السياسية الديمقراطية، وضمان اندماجه في مسار الحرية والديمقراطية دون عراقيل”. وختم الحزب بيانه بالقول: “هذه العملية لا تتعلق بتوقع شيء من الآخرين، بل ببناء حياة حرة وديمقراطية والفوز بها من خلال النضال المنظم”.
ما هي منطقة “الدفاع المشروع”؟
ومنطقة “الدفاع المشروع” التي ذكر الحزب أن قواته ستنسحب إليها، هي مناطق شمال العراق وشرقي سورية، التي يعتبرها الحزب من ضمن مشروع “دولة كردستان الكبرى” التي تشمل مناطق الغالبية الكردية في العراق وسورية وإيران وتركيا، لكن فعلياً المقصود بها في البيان، الأجزاء العراقية والسورية الشمالية والشرقية، وتحديداً مناطق شرقي أربيل وشمالي دهوك وضواحي السليمانية العراقية، وإلى جانب الحسكة السورية. وتشمل سلسلة جبال قنديل، وسوران، وسيدكان، وحفاتين، وزاخو، والعمادية، وكاني ماسي، عراقياً، بينما ترتبط سورياً بمناطق الحسكة الحدودية ذات الغالبية الكردية، ويتمتع الحزب المسلح فيها بنفوذ واسع، ولا سيما الجانب العسكري والسياسي من أنشطته، خصوصاً بالعراق الذي يعود تاريخه فيها إلى عام 1994.
ولم تعلق أي من بغداد أو أربيل رسمياً حتى الآن على البيان الجديد لحزب العمال، الذي يتوقع أن يواجه تحفظاً من الحكومة العراقية والقوى العربية الشيعية الحاكمة للبلاد، إلا أن عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي علاوي البنداوي، أعرب في حديث مع “العربي الجديد”، عن قلق بلاده البالغ إزاء الخطوة. وقال إن هذا “التطور ينذر بتداعيات أمنية خطيرة على سيادة العراق واستقرار المناطق الحدودية”. وبين البنداوي أن “لجنة الأمن والدفاع البرلمانية تتابع من كثب التحركات الأخيرة لعناصر الحزب داخل الشريط الحدودي بين العراق وتركيا، خصوصاً في مناطق جبلية ضمن إقليم كردستان ومحافظتي نينوى ودهوك، وهذه التحركات تشكل خرقاً واضحاً لسيادة العراق، وقد تضع البلاد في دائرة الصراع الإقليمي مجدداً”.
ودعا الحكومة العراقية إلى اتخاذ موقف “واضح وحازم” إزاء هذا التطور، سواء من خلال التنسيق الأمني مع حكومة إقليم كردستان أو عبر القنوات الدبلوماسية مع الجانب التركي، محذراً في الوقت ذاته من أن الانسحاب المعلن لا يعني انتهاء العمليات العسكرية، وإنما “قد يعكس محاولة لإعادة التموضع داخل العراق، مستغلاً وعورة المناطق الجبلية وضعف السيطرة الأمنية فيها”.
مصادر عراقية: لا إشعار أو تنسيق مع العراق
وقالت مصادر عسكرية وحكومية عراقية، لـ”العربي الجديد”، إن “الجهات الأمنية والعسكرية في العراق لم تتلقَّ أي إشعار رسمي أو تنسيق مسبق بشأن عملية انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني من الأراضي التركية باتجاه الأراضي العراقية”، مشيرةً إلى أن التحركات جاءت من دون علم أو تنسيق مع الحكومة أو القيادات الميدانية في الشمال. وعبّرت عن رفض “العراق استخدام أراضيه منطلقاً أو ملاذاً لأي جماعات مسلحة تمس بسيادته أو تهدد أمنه الداخلي أو علاقاته مع دول الجوار”.
من جانبه، قال متحدث حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشليك في منشور على منصة إكس، إن “تفكيك عناصر حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، وكذلك هياكله المسلحة وغير الشرعية في جميع أنحاء المنطقة، خاصة في العراق وسورية ومواصلة نزع سلاحه، هي البنود الرئيسية على جدول أعمال مرحلة تركيا خالية من الإرهاب ويعد استمرار حزب العمال الكردستاني في نزع سلاحه من دون انقطاع الركيزة الأساسية لخريطة الطريق نحو هذا الهدف”.
وأضاف “تطورات اليوم إلى جانب قرار حزب العمال الكردستاني الانسحاب من تركيا وإعلان اتخاذ خطوات جديدة نحو عملية نزع السلاح، تمثل نتائج ملموسة للتقدم المحرز في خريطة الطريق، وانسحاب العناصر المسلحة من تركيا وإعلان خطوات جديدة نحو نزع السلاح يمثلان تقدماً يتماشى مع الهدف الرئيسي، وتواصل خريطة الطريق تحقيق نتائج إيجابية”.
وفي ما يخص المرحلة المقبلة قال: “من الآن فصاعدًا، سنضمن اتخاذ خطوات تكفل استمرار عملية نزع السلاح حتى تحقيق أهدافها. ومع تواصل العملية، سيتضح الإطار الإيجابي الذي حددته اللجنة البرلمانية، ويجب توخي أقصى درجات الحذر لحماية هذه المرحلة من أي استفزازات”.
دلالات خطوة حزب العمال الكردستاني
لفهم الخطوة أكثر، قال الخبير بالشأن الكردي العراقي سلام الجاف، لـ”العربي الجديد”، إن “الخطوة رمزية، وفعلياً لا توجد قوات أو مسلحون للكردستاني داخل الجغرافيا التركية، بل خلايا بسيطة، تلاحقهم أجهزة الاستخبارات التركية في مناطق واسعة من ديار بكر وغيرها”. ويضيف الجاف أنه “حتى لو كان هناك انسحاب فعلي، فسيكون في مناطق هي خاضعة أساساً منذ سنوات طويلة، لنفوذ الحزب وسيطرته، فهي لم تقضم أي مساحات جغرافية، كذلك فإنها لن تشكل تحدياً أمنياً أمام بغداد وأربيل”. لكن النائب السابق في برلمان إقليم كردستان العراق، هيمن حمه أمين، قال لـ”العربي الجديد” إن بغداد وأربيل تنتظران توضيحات بشأن مستقبل هذه الجماعة وهل ستتحول من مشكلة تركية إلى مشكلة عراقية ومشكلة سورية، أم لا”. ويضيف: “إذا كانت المسألة رمزية أو أنها فعلية، السؤال الملح هو: ما مصير كل هذه الآلاف من المسلحين، هل سيعودون إلى تركيا أم إلى دولة ثالثة، أم يفرضون على العراق وكردستان كواقع حال. هل تريد تركيا التخلص منهم بهذه الطريقة مثلاً؟”.
وأعلن حزب العمال الكردستاني، في شهر مايو الماضي، حلّ نفسه وإلقاء السلاح الذي تبناه خياراً وحيداً في صراعه مع الدولة التركية، وذلك استجابة لمؤسسه المسجون عبد الله أوجلان، الذي على إثره عقد مؤتمره العام في 5-7 مايو/ أيار الماضي، وصوّت بالأغلبية على قرار الحل. وأجريت خطوة السلام الأولى الرمزية في شهر تموز بتسليم بضع عشرات من مقاتلي الحزب أسلحتهم، في البادرة الأولى لأسدال الستار على صراع استغرق 47 عاماً، وكبّد الجانبين التركي والكردستاني عشرات آلاف القتلى والجرحى. وفي الأول من أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، أعلنت الدولة التركية مبادرة لإطلاق عملية سلام داخل تركيا، أطلقت عليها اسم “عملية منع الإرهاب”، بينما أطلق عليها حزب العمال الكردستاني اسم “عملية السلام والديمقراطية”.
وبعد زيارات متكررة من وفد حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب”، إلى عبد الله أوجلان في سجن إمرالي، دعا زعيم حزب العمال الكردستاني، في 27 شباط من هذا العام، حزبه إلى عقد مؤتمر، وإلقاء السلاح، وحلّ نفسه. واستجابةً لدعوة أوجلان، عقد الحزب مؤتمره الثاني عشر بين 5 و7 أيار، وقرّر خلاله حلّ نفسه وإنهاء الكفاح المسلح.