إنّ الأسلحة بحدّ ذاتها بدون عقل يسوسها قوة غاشمة، والعدالة من دون سيف لتطبيق أحكامها تصبح مجرد لغو. وعندما نظّر أفلاطون لمدينته المثالية كانت فئة الجنود هي الطبقة الثانية بعد الحكماء في الترتيب الطبقي للمدينة. هذه الارتباطات بين العقل والنظام والأسلحة مثّلتها الحضارة الإنسانية في أدبياتها وخاصة في الأساطير. ففي أساطير ما بين النهرين نجد الإله “مردوخ/ النظام” في مواجهة مع الإلهة “تعامة/ الفوضى”، وبما أنّ الإلهين يملكان قوة الكلمة الخالقة، فستكون محصّلة الصراع بينهما مجرد جدل بيزنطي، لذلك كان الصراع بينهما بالأسلحة. ومن هذا المعطى ندرك لماذا صُوّرت إلهة العدالة برمزين متناقضين، فالاحتكام إلى الميزان يعني إهمال السيف، لكن كيف سينفذ حكم الميزان بدون قوة السيف؟ لقد كانت الإلهة تعامة تريد إعادة الخلق إلى العماء البدئي إلى وجود لا يحكمه الميزان، بل مجرد فوضى سديمية، أمّا مردوخ فقد كان يريد إقامة الميزان/ النظام. هكذا استعد مردوخ للمواجهة مع تعامة بالأسلحة من قوس وسهام وشبكة وفأس. كذلك فعلت تعامة لكن كانت أسلحتها طبيعية كالعواصف والبراكين أي سمات الفوضى. ينتصر مردوخ على تعامة في نهاية المعركة ويشقّ جسدها بفأسه ليصنع السماء والأرض: كفتا ميزان.
تعطينا رمزية الأسلحة في هذه الأسطورة كيف أنّ النظام يحتاج إلى أدوات لتثبيت نفسه، وإذا تنبّهنا إلى نوعية الأسلحة التي شهرها مردوخ في وجه تعامة نجدها على الترتيب التالي: القوس والسهام والتي تعني تحديد الأهداف وإصابتها، ومن ثم الشبكة والتي تفيد الإحاطة بالهدف والقبض عليه، ومن ثم الفأس كأداة تصنع الحضارة من خلال دلالاتها الثلاثة: شقّ الأرض للزراعة وقطع الأشجار من أجل الوقود والبناء، وأخيرًا تصبح الفأس كسلاح لحراسة هذه المنجزات. وبالمثل نجد الفعل التأسيسي لجلجامش عندما خرج لمواجهة الوحش “خومبابا” الساكن في غابة الأرز بفأسه، فعبر أداة القطع والتي تعد سلاحًا من ناحية ومن ناحية ثانية كأداة للتحطيب تم ترويض الغابة وأنسنتها. ولا تختلف الأسطورة اليونانية عن ذلك، فزيوس كبير الآلهة يملك الصاعقة، وبوسيدون إله البحار يملك الرمح، وأثينا ربة العدالة والحكمة تزيّن صدرها بدرع وتحمل سيفًا. إنّ التمثيل الأسطوري للأسلحة، هو أول ضبط ممنهج لسلطة الإنسان على هذه الأرض بعد القوانين.
“للسلاح والرجل أغني”
هذا القول يعود للشاعر الروماني فرجيل في كتابه “الإنياذة” التي رصد فيها رحلة البطل “إينياس” بعد تدمير مدينته طروادة على يد اليونانيين؛ ليؤسّس مدينة في إيطاليا، ستكون السلف المثيولوجي لمدينة روما، ولم يكن ليتم له ذلك لولا الحروب التي خاضها بالأسلحة.
إنّ ارتباط الإنسان بالأسلحة قديم جدًا، منذ وعى أنّه كائن لم تزوده الطبيعة بوسائل دفاعية ولا هجومية ككل الكائنات الأخرى، وإنّما تركته عاريًا من المخالب والأنياب، فاحتال لأن يكون له أنياب ومخالب من شظايا الصوان والعصي إلى أن اكتشف المعادن كالبرونز والحديد، حتى أنّ الشاعر اليوناني هزيود في كتابه “أنساب الآلهة” قسّم العصور التي مرّت على الكون الإنساني ابتداء بالذهبي، ثم الفضي، ثم البرونزي، ثم الحديدي؛ ومن صفات العصرين البرونزي والحديدي أنّ الحروب تعمّهما حتى أنّ أناس الزمن البرونزي ما إن يولدوا حتى يبدأوا القتال بالأسلحة. وبالطبع فإن العصرين البرونزي والحديدي ساد فيهما الظلم وانعدام العدالة، لكن بين العصرين كان هناك عصر الأبطال هؤلاء الذين حملوا أسلحتهم لكنهم كانوا عادلين.
لم يكن فرجيل داعيًا للحرب، بالمعنى الفعلي، في مقولته أعلاه، وإنّما تأكيدًا على أنّ الإنسان بدون سلاح والسلاح بدون إنسان لا يساويان شيئًا. وأكثر من أكّد هذه المقولة هي إسبارطة، فلقد كان الطفل الإسبارطي يدرّب منذ نعومة أظفاره على حمل السلاح وخاصة الدرع. وقد كانت النساء تقول لرجالها: “لا تعد إلّا ودرعك معك أو محمولًا عليه” كما ذكر المؤرخ هيرودوت، وبالتالي من لا يقدر على حمل السلاح يستبعد من إسبارطة، لكن الإشارة إلى الدرع وحده من دون السيف كان يعني أنّ إسبارطة تأخذ عقيدة دفاعية لا هجومية. وعندما نعود إلى بدايات الأساطير نجد أنّ إنكيدو في أساطير ما بين الرافدين لم تكتمل أنسنته ومدنيته إلّا بعد أن حمل السلاح مع جلجامش، وبذلك أسقط آخر ارتباطاته بالوحشية التي كان عليها بعد تدجينه من غانية المعبد. وأمام هذه الرمزية للسلاح مهما كان نوعه؛ نجد أنّ هوميروس خصّص أحد أجزاء إلياذته لوصف درع أخيل وسيفه ورمحه. وقد قلنا بإن الترابط بين السلاح والرجل يستدعي المساواة التي أشار إليها فرجيل، فعندما لبس “باتروكلوس- صديق أخيل” درعه وتقلّد سيفه ورمحه لم يثبت في المعركة أمام أمير طروادة ” هيكتور” لأنّ السلاح يتطلّب نظيره حتى يكون فاعلًا في المعركة. وعلى نفس المنوال نجد أنّ عنترة بن شداد يتحوّل معه السيف والرمح إلى أدوات حاسمة/ بل تصبح غزلية معبّرة عن قلبه:
وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ/ مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها/ لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ.
إنّ الاستعارة الغزلية عند عنترة لا تعود لمجرد أنّ الحرب لم تنسه ذكر حبيبته عبلة، وإنّما تماهيه مع سلاحه، فالفارس يصبح هو وسلاحه سواء؛ ولذلك عندما رثى الشاعر والفارس مالك بن الريب نفسه استحضر الرمح والسيف، فالنفس لا تبكي إلّا على نفسها:
تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجدْ/ سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيًا.
كذلك نجد في قصة الملك البريطاني آرثر، فبعد أن انتزع السيف من الصخرة وأثبت أحقيته بالملك، خاض حروبًا كثيرة، وارتكب أخطاء كذلك، وعندما دنت منه المنية طلب أن يرمى سيفه “إكسكاليبور” في البحيرة ليعود طاهرًا وكان يترجّى من هذا الفعل تطهير نفسه لأنّها والسيف واحد.
| لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي (Getty) |
ولدينا في تراثنا العربي قولين، الأول كان في الإمام علي بن أبي طالب وهو: “لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي”، والآخر قيل في خالد بن الوليد: “سَيف اللهِ المَسلول”. إنّ المقولين يشرحان أهمية كل من الشخصين المذكورين في تاريخ الإسلام، وما استخدام السيف كصفة لهما إلّا لتماهيه مع شخصيتهما، فالإمام علي هو ذو الفقار؛ فلم يجد المخرج مصطفى العقاد في فيلم “الرسالة” أمام فتوى تحريم تصوير الصحابة إلّا أن يرمز لعلي بسيف ذي الفقار، هكذا توسّطت شفرة السيف الشاشة البيضاء عندما تم استعراض الصحابة الذين سيتبارزون مع الكفار في موقعة بدر. أمّا ارتباط خالد بالسيف، فلقد جاء بعد واقعة أُحد وخطته التي هزمت جموع المسلمين، فلقد أثبت أنّه يملك ذكاء قائد محنّك سيحتاجه المسلمون عندما ينضم إلى صفوفهم في قتال الجيوش الرومية المدربة جيدًا. فكما لعب سيف ذو الفقار دورًا تأسيسيًا في بداية الإسلام استكمل سيف خالد رمزية نضوج قوى المسلمين المسلحة في مواجهة الجيوش الرومية المدربة جيدًا. يحكى أنّ القائد صلاح الدين الأيوبي استعرض قوة السيف الدمشقي الذي كثرت حوله الأساطير أمام أحد الملوك الصليبيين، بأن رمى قطعة حرير في الهواء وتركها تنزلق على حدّ السيف الذي قطعها إلى نصفين.
لا ريب أنّ الأسلحة البيضاء ظلت في منأى عن الأحكام السلبية، فلقد كانت عبر التاريخ رمزًا للسلطة والشجاعة والعدل والقوة وإحقاق الحقّ، لذلك دخلت في الاستعارات الدينية والشعرية والأدبية وكرست أسماء الأبطال الذين حملوها عبر التاريخ وحتى الآلهة، لكن مع اختراع البارود والأسلحة النارية انسحبت الاستعارة الإيجابية من السلاح لتحل محلها استعارة سلبية.
أسلحة البارود
يُنسب إلى مخترع مسدس كولت، صموئيل كولت، مقولته: “الآن يتساوى القوي والجبان”. لم تكن مقولة صموئيل إلّا صدى لتاريخ طويل ذُمت به الأسلحة النارية منذ إرهاصاتها الأولى، فلقد وصفها الشاعر الإيطالي لودوفيكو أريوستو (1474-1533) الذي اشتهر بكتابة القصص عن الملك شارلمان وملحمة “أوراندو الهائج” وتتناول الحروب بين المسلمين والصليبيين، بأنّها: “اختراع شرير وقبيح”… لقد كانت البنادق بالنسبة لأريوستو، تهدّد الشرف والشجاعة لأنّها تُمكّن الجبان من قتل فارس عظيم من دون أي خطر على نفسه. إنّ الأسلحة النارية لا توجد فيها مواجهة شخصية بين جنديين أو فارسين، وإنّما بين إنسان والبارود؛ ومن هنا اختفت الصفات التي منحت للأسلحة البيضاء عنها، فعندما يتواجه فارسان بأسلحتهم البيضاء تقوم علاقة إنسانية بينهما، سواء كان الغضب أم الانتقام، تحفّها قيم العدالة والحقّ. إنّ المجالدة بين المتقاتلين بالأسلحة البيضاء لا تقطع الصلة الإنسانية بينهما، فها هو عنترة يقول: فَشَكَكتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ/لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ.
ما زال الفارس الآخر بالنسبة لعنترة إنسانًا بل وكريمًا. هذه الميزة للأسلحة البيضاء غير موجودة لدى الأسلحة السوداء أو النارية، لأنّ المواجهة فيها سريعة جدًا، لا تتيح للمقاتل إلّا لحظة ضغط الزناد أو رمي القنبلة أو إطلاق الصاروخ. هي مواجهة من طرف واحد، فالآخر مغيّب تمامًا. ولربما لو تفحّصنا المقياس الإنساني الجمالي الذي يرصد الأسلحة النارية لا نجد إلّا قلة قليلة تصفها وعادة ما تذهب الجمالية الأدبية إلى وصف المآسي والآلام والضحايا التي تسبّبها، لكن لا نجد أشعارًا كثيرة كالتي قيلت في السيف تُقال بالبندقية، لكن من يتذكّر شعرًا قيل بالبندقية أو القنبلة! إنّ الجماليات التي مُنحت للأسلحة البيضاء وارتباطها بالقيم السامية تغيب عن الأسلحة النارية. هذا ما نستشفه من سلسلة أفلام “حرب النجوم” التي ابتدأها المخرج جورج لوكاس عام 1977 فبالرغم من التطور التقني من سفن فضائية وأسلحة ليزرية حمل الأبطال سيوفًا ضوئية، فالخير ممثلًا بالفارس” الجيداي” يكون سيفه الضوئي بلون أخضر، بينما الشرير يكون سيفه الضوئي بلون أحمر.
| يوكيو ميشيما: محارب لا يتردّد بالانتحار عندما يفشل في الحفاظ على قيم العدالة والحق (Getty) |
ليس عبثيًا هذا الاختيار، فتاريخ الأسلحة البيضاء يمثل الصراع بين الخير والشر بالمعنى الأخلاقي. أمّا الصراع المتمثل بالأسلحة النارية فهو صراع سلطات وإن تقنّعت بالخير أو الشر. وإدراكًا لهذه الحقيقة عندما أراد مخرجو أفلام الغرب الأميركية نزع هذا القناع السلطوي عن الأسلحة النارية وإعادتنا إلى زمن الأسلحة البيضاء صوّروا المواجهة بين راعيي البقر، كأنّها مجالدة بالسيوف حيث يقفان في مواجهة بعضهما البعض تحفّ بهما الرياح والغبار في إحدى بلدات الغرب الأميركي، كلّ منهما يحدّق بالآخر، في حين يتلصّص السكان على هذه المواجهة، التي تعمّد المخرجين إبطاءها عبر تصوير ردود الفعل على وجهي راعيي البقر، ومن ثم في لحظة ينتهي كل شيء، فدومًا للمسدس الكلمة الأخيرة، حيث تنتهي الحكاية، لكن مع السيوف والرماح والأقواس والسهام ما زلنا نكرّر قصّها لنستخلص العبر والحكم.
آخر السيوف
كان يوكيو ميشيما أشهر روائي ياباني وفي 25 من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1970 خطف قائدًا عسكريًا من ثكنة عسكرية، ومن ثم خرج إلى الشرفة وألقى خطبة حماسية على جنود القاعدة العسكرية عن ضرورة التمرّد على الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية. أراد أن يقوم بانقلاب ليعيد إلى اليابان مجدها وشرفها. فشل الانقلاب والأحرى سخر الجنود من جنونه، فما كان منه كآخر ساموراي – محارب لا يتردّد بالانتحار عندما يفشل في الحفاظ على قيم العدالة والحق- إلّا أن شهر سيفه ووجأ بطنه، ثم قام زميل له في الانقلاب بقطع رأسه كما هي عادة الساموراي. لقد رأى ميشيما ماذا فعلت القنبلة الذرية بمدينة هيروشيما في الحرب العالمية الثانية، ولربما أيقن أنّ أغنية فرجيل لم تعد مسموعة لذلك أنشدها لآخر مرّة. لقد تضخمت ترسانة الأسلحة النارية جدًا منذ اكتشاف البارود، ولأول مرّة أصبح الإنسان قادرًا على إفناء نفسه على هذه الأرض، بل حتى تفجير كوكب الأرض بالأسلحة الذرية، فهو لم يعد يحتاج لإله غاضب يقرر إبادة الجنس البشري بطوفان عارم، فالإنسان أصبح “يهوه” العصر الحديث.
يقول تشيخوف: “إذا علّقتَ مسدسًا على الحائط في الفصل الأول، فينبغي استخدامه في الفصل التالي. وإلّا فلا تضعه هناك”. الظاهر من مقولة تشيخوف أنّها تتحدث عن العناصر الفنية في الرواية أو المسرحية أو القصة، فلا يجب وجود عنصر من دون أثر، فلا وجود للمجانية في السرود، فكل ذرة يدور حولها إلكترون. لكن في العمق لقد علّقت البشرية الكثير من العناصر المسلحة في سرديتها على حيطانها الحضارية وكل يوم يتم إطلاق أحد العناصر، فيتساقط البشر كالذباب.
تجاوز عدد سكان العالم الثمانية مليارات وهناك ما يكفي من الرصاص لقتلهم أجمعين، فلا حاجة للقنابل الذرية! ولكي نفهم أكثر هذه المفارقة، لنستذكر رواية إرنست همنغواي “وداعًا للسلاح” التي كتبها بعد الحرب العالمية الأولى التي يقدّر عدد ضحاياها بنسبة أكبر بكثير من ضحايا الأسلحة البيضاء عبر التاريخ البشري. وللمفارقة كان همنغواي أكثر الروائيين تقيدًا بمقولة تشيخوف إذ انتحر ببارودة صيده، فكان ممثلًا للتاريخ الحقيقي للإنسان بعد اختراع الأسلحة النارية، بأنّه الصياد والطريدة في الوقت نفسه.
*كاتب من سورية. المصدر . ضفة ثالثة