عاد ملف المقاتلين الأجانب في سورية إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، عقب توتر كبير شهده الشمال الغربي من البلاد، بين قوات الأمن الداخلي ومقاتلين يحملون الجنسية الفرنسية يديرون مخيم الفردان في ريف إدلب، ومتهمين بارتكاب تجاوزات بحق السكان، قبل أن يحتوى. وتدخّل وجهاء محليون لتطويق التوتر ومنعه من الانزلاق إلى سيناريو دامٍ، مع تهديد مجموعات أجنبية أخرى بالتدخّل، ما أسفر عن التوصل إلى اتفاق تهدئة مع المجموعة التي يحمل عناصرها الجنسية الفرنسية ويقودهم المدعو عمر أومسين (فرنسي من أصول سنغالية)، والمعروف أيضاً باسم عمر ديابي. ونص الاتفاق على “وقف إطلاق النار، وسحب السلاح الثقيل وإعادته إلى الثكنات العسكرية، ووقف الحملات الإعلامية التحريضية بين الجانبين وضبط الخطاب العام، وفتح المخيم أمام قوات الحكومة وتنظيم الوجود الأمني داخله”. كذلك نصّ الاتفاق على تولي ثلاثة وسطاء متابعة قضية عمر ديابي داخل وزارة العدل.
أحداث مخيم الفردان
وكانت وزارة الداخلية السورية قد شنّت، فجر الأربعاء الماضي، حملةً على مخيم الفردان الواقع على أطراف مدينة حارم بعد شكاوى من قبل سكان ضد متزعّم المجموعة، واتهامات بارتكاب تجاوزات وانتهاكات ضدهم. وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة إدلب، العميد غسان باكير، في بيان نقلته وزارة الداخلية عبر “فيسبوك” يومها، إن “قوات الأمن استجابت لشكاوى من أهالي مخيم الفردان على أطراف حارم في ريف إدلب شمال غربي سورية، وذلك بسبب انتهاكات جسيمة تعرضوا لها، آخرها اختطاف فتاة من والدتها على يد مجموعة مسلحة خارجة عن القانون يقودها المدعو عمر ديابي”. ويقود ديابي مجموعة عسكرية يقدّر عديدها بما بين 50 إلى 70 مقاتلاً، تحت مسمى “كتيبة الغرباء” التي اتهمت الدولة السورية بـ”العمالة” لجهات خارجية، مهددةً في بيان لها الأربعاء بتصعيد عسكري، والتصدي لأي محاولة اقتحام للمخيم.
وعمر ديابي (49 عاماً)، مصنف من قبل الخارجية الأميركية في خانة الإرهابيين منذ عام 2016، كما سبق أن وجهت السلطات الفرنسية اتهامات إليه بالضلوع في عمليات تجنيد المسلحين في كل من سورية والعراق من الناطقين باللغة الفرنسية. وقضى منذ 2020 نحو عام ونصف العام في سجون “هيئة تحرير الشام” التي كانت مسيطرة على الشمال الغربي من سورية بسبب مخالفات وتجاوزات ارتكبها.
وأعرب الخبير العسكري والأمني ضياء قدور، في حديث مع “العربي الجديد”، عن اعتقاده بأن الحملة التي قامت بها وزارة الداخلية السورية ضد ديابي ومجموعته المتهمة بارتكاب تجاوزات تعكس رغبة لدى الدولة السورية الجديدة في التعاطي الحاسم مع كل المجموعات الموجودة في الشمال الغربي من البلاد. وأشار إلى أنه “لم يعد مقبولاً لدى الشارع السوري بقاء هذه المجموعات المتطرفة”، مشيراً كذلك إلى أن على هذه المجموعات “التخلي عن المشاريع العابرة للحدود أو مواجهة الحصار والعزل”.
ضياء قدور: رغبة لدى الدولة السورية الجديدة في التعاطي الحاسم مع كل المجموعات الموجودة في الشمال الغربي من البلاد
وعُدّ الاتفاق مع ديابي ومجموعته مفارقة، فهي جزء من وزارة الدفاع حيث أعلن عن حلها وضم عناصرها إلى الفرقة 82 في قوام الجيش السوري، إلا أن الواقع يؤكد أن مخيم الفردان الذي يضم عائلات مقاتلين أجانب لا يزال تحت سيطرة ديابي، الذي يرفض أي سلطة أمنية حكومية عليه.
وفي هذا الصدد، قال الباحث المهتم بالحالة الفصائلية في سورية وائل علوان، في حديث مع “العربي الجديد”: “هناك تناقض في التعاطي مع أزمة كتيبة الغرباء، ومرده أن هذه الكتيبة أُتبعت نظرياً إلى وزارة الدفاع”. ورأى أنه “من المبكر جداً اعتبار دمج فصائل ومجموعات في الجيش السوري أمراً عملياً يجري على أساسه”، مضيفاً أن الحالة الفصائلية لا تزال موجودة وهي من التحديات الكبيرة أمام الدولة. وأشار إلى أنه “يجب تفكيك ملف المقاتلين الأجانب في سورية”، مضيفاً أن هناك تعهدات للمجتمع الدولي بذلك من قبل الحكومة، وهناك حاجة محلية لتجاوز هذا الملف وتجاوز الحالة الفصائلية برمتها. وبرأيه، فإن الحكومة السورية “تتعامل بواقعية ومرونة مع هذا الملف وتعمل على دمج كل الفصائل في قوام المؤسسة العسكرية واحتواء المقاتلين الأجانب والجهاديين، سواء السوريين أو غير السوريين، بشكل صحيح”، مضيفاً: “لكن يجب التعامل بحزم من قبل الحكومة عندما يحتاج الأمر إلى ذلك”.
تفاهمات لدمج المقاتلين الأجانب في سورية
وكانت الحكومة السورية قد توصّلت إلى تفاهم مع الجانب الأميركي في يونيو/ حزيران الماضي فتح الباب أمام دمج نحو 3500 من المقاتلين الأجانب في سورية في صفوف الجيش السوري، معظمهم من الإيغور الصينيين. وجاءت الموافقة الأميركية للحيلولة دون انضمام هؤلاء إلى تنظيمات متطرفة وفي مقدمتها تنظيم داعش، فضلاً عن أن الدول التي ينحدرون منها لا تقبل بعودتهم. وجل المقاتلين الأجانب كانوا في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي، تاريخ سقوط نظام بشار الأسد، في جبلي الأكراد والتركمان في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، ليس بعيداً عن الحدود السورية التركية، وفي منطقة سهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي، وفي ريف حلب الغربي، وريف إدلب الجنوبي.
وضمت وزارة الدفاع السورية في يونيو الماضي العدد الأكبر من هؤلاء المقاتلين إلى الفرقة 84 (قوات خاصة)، والتي انضوت فيها فصائل: الحزب الإسلامي التركستاني (الإيغور – الصين)، الكتائب الألبانية، أجناد القوقاز، ومجموعات أخرى تضم مقاتلين أجانب. وعُيّن أبو محمد التركستاني (عبد العزيز داوود خدابردي) قائداً عاماً للفرقة بعد منحه رتبة عميد في الجيش السوري، وهو شخصية ذات خلفية عقائدية جهادية. وبحسب مصادر مطلعة، قوام هذه الفرقة نحو 30 ألف مقاتل، ومقرها الرئيسي الكلية البحرية في محافظة اللاذقية، وسيكون انتشارها في شمال غرب سورية. وتتألف الفرقة من ستة ألوية عسكرية مختصة: لواء مدرعات، ولواءي قتال جبال، ولواء مداهمة، ولواء مدفعية، فضلاً عن لواء حرب شوارع. وضمت الفرقة 82 في الجيش السوري كتيبة “الغرباء” الفرنسية، وفصيل “أنصار التوحيد” الذي أسس في عام 2018 من مقاتلين أجانب كانوا في فصيل “جند الأقصى” الذي فكك قبل سنوات، ويبلغ تعداد هذا الفصيل نحو 800 مقاتل جلهم من بلدان عربية. وتنتشر الفرقة 82 في الساحل السوري وفي سهل الغاب، ويقودها ضابط سوري كان قد انشق عن قوات النظام البائد اسمه خالد خطاب.
عبد الرحمن الحاج: عدد المقاتلين الأجانب الذين دُمجوا في الجيش السوري يتراوح ما بين 3500 و4000
ويعد ملف المقاتلين الأجانب في سورية من الملفات الأكثر حساسية أمام الإدارة السورية الحالية، التي تتعرض لضغوط إقليمية ودولية للتعاطي الحاسم مع هذا الملف الذي يولد مخاوف أمنية محتملة في المستقبل. وبيّن الباحث المختص بالجماعات ذات البعد الإسلامي عبد الرحمن الحاج، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تعداد فصائل الإيغور والأوزبك في سورية بين 2500 و3000 عنصر، مشيراً إلى أنها “كانت مرتبطة بهيئة تحرير الشام”، مضيفاً أن كل الفصائل التي خارج الهيئة فُككت. وأشار إلى أنه “لم يُدمَج المقاتلون المتشددون الذين كانوا في تلك الفصائل المفككة في الجيش السوري”، مضيفاً: “جميع الفصائل التي كانت مرتبطة مع تحرير الشام ضُمّت إلى المؤسسة العسكرية السورية”. وتابع: “جرى إدماج فصيل أجناد الشام الشيشاني، وعدد عناصره نحو 300 مقاتل، وفصيل المهاجرون والأنصار، والحزب التركستاني، ومجموعة أنصار التوحيد وأجناد القوقاز”. وأوضح أن عدد المقاتلين الأجانب الذين دمجوا في الجيش السوري يتراوح ما بين 3500 و4000 مقاتل كحد أقصى”.
وكان الصراع السوري قد اجتذب آلاف المقاتلين الأجانب والعرب من خلفيات جهادية، شكلوا مجموعات وفصائل متشددة قاتلت قوات النظام والمليشيات الإيرانية، خصوصاً في شمال البلاد وشمالها الغربي. وخاضت “هيئة تحرير الشام” (سلطة الأمر الواقع في شمال غربي سورية) طيلة سنوات، قبل تسلمها زمام الأمور في البلاد يوم الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الفائت، مواجهات مع الفصائل والمجموعات التي تضم مقاتلين غير سوريين لاحتكار التمثيل العسكري، ففككت في عام 2021 أكثرها تطرفاً، وهو تنظيم “حراس الدين” الذي كانت تتبع له كتيبة “الغرباء” التي يقودها ديابي. وقتل التحالف الدولي خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من قياديي هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتشددة، وجلهم ليسوا سوريين.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ألمح في مايو/ أيار الماضي إلى أنه ربما تُمنح الجنسية السورية لفئة محددة من المقاتلين الأجانب الذين عاشوا في سورية لسنوات، وبعضهم متزوج من سوريات، والذين “وقفوا إلى جانب الثورة”. وكانت الإدارة السورية الجديدة قد منحت في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي عدداً من القياديين الأجانب والعرب رتباً عسكرية تكريمية، وهم: عبدل صمريز بشاري (ألباني) منح رتبة عقيد، مولان ترسون عبد الصمد (طاجيكي) منح رتبة عقيد، عبد الرحمن حسين الخطيب (أردني) منح رتبة عميد، عمر محمد جفتشي (تركي) منح رتبة عميد، علاء محمد عبد الباقي (مصري) منح رتبة عقيد، بنيان أحمد الحريري (أردني) منح رتبة عقيد، عبد العزيز داوود خدابردي (صيني من الأقلية التركستانية) منح رتبة عميد.