صلاح علمداري
كلمات , هي لسان حال , أخطها هنا بتعابير الكردي البسيط , أخاطب بها كل الذين لا زالوا مصرين على التعريب و التتريك و حتى الصهر باسم الدين , كما العابثين بمصير و مستقبل “جيايه كرمنج ” من بيادق و طبول.
قبل بضعة عقود من السنين فقط , لم يكن يوجد في المنطقة كلها , ما يمت للعربية بصلة , سوى كتاب القرآن , المغلف بعناية , و المعلق على الجدار , في بيت من أصل كل مائة , و الذين يفهمون العربية و يقرؤونها لم يكن يتجاوز عددهم أصابع اليدين رغم دخول العرب الى المنطقة من خلال الاسلام قبل حوالي أربعة عشر قرنا , و من يعرف التركية دون أن يتقنها كانوا فقط بعض أبناء القرى الحدودية رغم الاحتلال العثماني للمنطقة الذي دام أربعمائة عام . بينما يتقن الجميع لغة الآباء و الأجداد الكردية دون مدرسة و دون كتاب .
استمر الحال كذلك حتى منتصف المئوية الفائتة , كان الناس يولدون و يعيشون و يموتون كرداً , يفرحون و يحزنون , يتشاجرون و يتصالحون بالكردي و يرسمون خارطة الزيتون بالكردي.
بعد رسم الحدود و انتشار مفهوم الدولة و المؤسسات و الحكومة و التشارك , انحازوا للعيش مع السوريين و رفضوا الالتحاق بتركيا رغم محاولات الأخيرة التي لم تتوقف بدءً من ( حركة المريدين و الشيخ أفندي 1928-1938 ) و حتى (العمشات و الحمزات و السلطان مراد.. ).
دافع الكرد عن الوطن السوري بطريقتهم ( بالكردي ) سجلوا حضورهم في دمشق بزيهم الكردي و كرديتهم المطعمة بالعربي , شاركوا في البرلمان السوري الناشئ و اعلنوا الشراكة مع بقية السوريين, لم يطالبوا حينها بكردستان و لا بالفيدرالية و لم تكن للكرد مشكلة مع العرب و لا مع الشعوب و الطوائف السورية الاخرى إلى أن حل منتصف الاربعينيات حيث تأسست حركة الاخوان المسلمين عام 1945 و بعد عامين أي في 1947 تأسس حزب البعث و التقى الطرفان – رغم خلافاتهما الكثيرة – على مبدأ صهر التنوع ضمن بوتقة العروبة , و هذه كانت البداية , ثم جاءت حكومة الوحدة 1958 متمادية في العنصرية و في عمليات صهر و تعريب , مستهدفة في هذا الاطار مناطق الكرد بالدرجة الاولى , حيث اطلقت تسمية (منطقة عفرين) على “جيايه كرمنج” لتفادي ذكر الكرمانج ثم جاءت حكومة البعث فاطلقت على المنطقة تسمية (جبل حلب ) و عربت أسماء القرى و البلدات ثم جاء الأتراك مرة أخرى و احتلوا المنطقة و سموها (غصن الزيتون) لكن كل ذلك باء بالفشل و بقي الجبل كرديا و اهل الجبل كرداً ولم يصبح الكردي لا تركيا و لا عربيا يعتلي سفح جبله ليحرس ضفاف نهره و يزرع الكرمة و الزيتون دون كلل , يتشبث بالحياة ,يعشق العلم , يحفظ تاريخه و لغته و ثقافة اسلافه بصماً عن ظهر قلب , ينقلها الآباء شفاها للأبناء بأمانة و دقة , إسلام و إيزيدية كانوا و ما زالوا لكنهم يتصاهرون, يتشاركون و حتى يصلون في نفس الغرفة ,يتجه أحدهم الى الشمس و الآخر الى القبلة ثم يدعو أحدهم الرب للآخر بتقبل صلاته , علويون و سنة لكن لم يقبلوا الطربوش التركي ( في حادثة معروفة يذكرها الباحث القدير د. محمد عبدو علي في بحثه القيم الوجود الكردي في شمال سوريا : منطقة جبل الاكراد ) كما لم يقبلوا لاحقا العمامة الايرانية رغم المغريات ( جمعية الامام المرتضى1981) .
منذ احتلالها في 2018 تتعرض المنطقة لعملية صهر قومي ممنهج و هذه المرة على جبهتين في آن واحد, التغيير الديمغرافي من جهة و التعريب و التتريك ( تعر- يك ) من الجهة الثانية , مخططة من دوائر استخباراتية و متخصصين , تستخدم فيها التقنية و الرقمية و ترصد لها ميزانية و يشترك فيها بفاعلية أشخاص و مجموعات كردية بمثابة أدوات من الداخل .
أفهم أن اساليب الصهر القومي قد تطورت عن الماضي هي الأخرى و أعلم أن المخاطر جدية لكنني أثق مرة اخرى بمقاومة الكردي للذوبان و أعلم مدى فخره بالانتماء و توقه للحرية .
منطقة “جيايه كرمنج” لا زالت تفتخر بسوريتها رغم صمت معظم السوريين عن الاحتلال التركي لها بل و مشاركة سوريين في اغتصابها , لكنها تفتخر أكثر بهويتها القومية التي كانت قبل رسم خطوط الحدود و نشوء الدولة السورية .
جيايه كرمنج لا زالت تهوى دمشق مرجعا و تريد تسجيل حضور فيها بعد زوال البعث لكن تتعلق أكثر بشقيقاتها من “كوباني” إلى “ديريك” مرورا “بالقاشلي” , لن تنفصل عنهن و لن تذهب الى دمشق بدونهن و لن يسجل الجميع هذه المرة حضورا في دمشق إلا باسم واحد هو الكرد , شركاء العرب و بقية السوريين في الوطن , بعقد جديد , ليسوا تابعين بموجبه او حتى منقوصي حق .
أوقفوا التعريب و التتريك , فابن الجبل سيتعلم لغتكم لكنه سيتمسك أكثر بلغته و انتمائه الكردي.
افتحوا لأبناء الزيتون مدارس بلغتهم الكردية و أكاديميات و معاهد , دعوهم يقررون الانتماء برغبتهم و لا تفرضوها عليهم بالإكراه و القوة , ففي النهاية سيبقى “ليلون” و”هاوار” يحرسان السهل و النهر , ستستمر ملحمة الزيتون و ستبقى الجدات تسردن للصغار حكايات ما قبل النوم بلغتهم الكردية عن أبطال كرد دافعوا عن الانتماء و وقفوا في وجه الأعداء .