بعد سنواتٍ من الحرب والصراع، ظنّ أهالي دير الزور أن لحظة التحرير ستكون بداية عهدٍ جديد من الأمان والاستقرار. لكن سرعان ما تبدّد الحلم، لتعود المدينة إلى دائرة الخوف من جديد، بين اغتيالاتٍ متكررة وانفجاراتٍ لا تهدأ، في ظل عجزٍ أمنيٍّ وتداخلٍ في المصالح الإقليمية والمحلية. ومع تصاعد القلق بين السكان، تتعالى أصواتهم مطالبةً بحلولٍ حقيقية تعيد إليهم ما فقدوه: الإحساس بالأمان في مدينتهم التي لم تعرف طعم الراحة منذ سنوات.
يقول أحمد الأحمد (اسم مستعار لمدني من مدينة الميادين) مستاءً من الوضع الأمني لـ”963+”: “كنا نظن أن الكابوس انتهى. بنينا أحلامنا على أنقاض الدمار، لكن اليوم نحن أسرى خوفنا. لا نستطيع الذهاب إلى الأسواق أو الدوائر المدنية لتسوية الأوراق أو ما شابه. حتى الدوريات الأمنية التي يُفترض أن تحمينا أصبحت هدفًا للتفجير. الحكومة الجديدة تتحدث عن الأمن وضبط الأوضاع، لكننا لا نرى سوى الدخان المتصاعد من الانفجارات، والخوف هو رفيقنا الدائم”.
ويضيف: “دوامة الانفجارات تجعل قلوبنا تتوقف. نقضي أغلب الوقت محاصرين داخل جدران منازلنا. من يضمن ألّا يكون الانفجار القادم عند مدرسة أطفال مثلًا، أو تجمع شعبي، أو عند دكان نشتري منه طعامًا؟ نعيش كأننا في سجن مفتوح، والحراس هم الخاطفون”.
أما حسين المحمود، وهو مدني من دير الزور، فيقول لـ”963+”: “كانت لحظة عظيمة عندما تم تحرير مدينة دير الزور، المدينة التي احتُلّت من قِبل الفصائل الإيرانية والنظام لسنوات عديدة. ذقنا اليأس والمأساة، وشعرنا جميعاً بالأمل في مستقبلٍ أفضل. لكن للأسف، سرعان ما بدأنا نواجه مشاكل جديدة. الوضع الأمني تدهور بشكل كبير. هناك اغتيالات وهجمات تستهدف الدوريات الأمنية والمقرات الحكومية. كل يوم نسمع عن انفجارات وجرائم، سواء كانت عشائرية أو ثأرية أو أمنية، وهذا خلق حالة من الخوف والقلق بين السكان”.
ويضيف: “يؤثر ذلك بشكل كبير على حياتنا. الأطفال لا يذهبون إلى المدارس، والناس يتجنبون التجمعات العامة. حتى إن بعض العائلات غادرت المدينة بسبب الوضع الأمني المتدهور. نعرف أن المساحة الجغرافية الكبيرة لدير الزور تُعدّ مصدراً ووكراً لخلايا داعش وإيران، لكننا كمدنيين نريد أن نشعر بالأمان في بيوتنا. يجب اتخاذ إجراءات حقيقية لمكافحة هذه الخلايا”.
بين الفرحة والكابوس
أما علي العبيد (اسم مستعار لمدني من مدينة العشارة بريف دير الزور الشرقي)، فيهز رأسه بحسرة ويقول لـ”963+”: “كانت الفرحة بالتحرير مثل حلم جميل، لكننا استيقظنا على كابوس. كنا نظن أن الشر انتهى، لكن الشر الجديد أذكى وأخبث. الاغتيالات والانفجارات جعلتنا لا نميز بين نهارنا وليلنا. نخاف على أولادنا عند ذهابهم إلى المدرسة أو السوق، ونخاف على أنفسنا عند الذهاب إلى أي مكان في المدينة، كأن عين الشر تراقبنا”.
ويتابع: “الخطر الأكبر يأتي من بقايا داعش؛ هؤلاء يعرفون الأرض جيداً ويعرفون كيف يتحركون بيننا مثل الأسماك في الماء. لديهم مخابر وعقليات تفجيرية متطورة. التحرير لم ينهِ أفكارهم، بل دفعهم للعمل تحت الأرض. داعش جزء من المشكلة، لكن من يمدّهم بالسلاح والمال والعبوات الناسفة المتطورة؟ أقولها بصراحة: الإيرانيون هم من خسروا السيطرة هنا، والآن يريدون أن يحرقوا الأرض التي لم يتمكنوا من حصادها”.
ويضيف: “العبوات التي تستهدف الدوريات الأمنية هي من نفس النوعية التي كانت تستخدمها الفصائل الموالية لهم. إنهم يختارون أهدافًا بعناية ليزرعوا الرعب ويُظهروا الحكومة الجديدة عاجزة. فالأطراف التي تريد زعزعة الاستقرار كثيرة، ومن أبرزها إيران. لكن خوف الناس من الإبلاغ هو ما يغذي هذه الخلايا، بغض النظر عن انتمائها. نرى أناساً غرباء يتحركون ليلًا، لكننا نرفض الإبلاغ خوفًا على حياة أسرنا. هذا الصمت هو درعهم الواقي، فالخوف هو حاكمنا الحقيقي”.
ويتساءل: “كيف نبلغ؟ هل نثق بأن الجهات الأمنية قادرة على حمايتنا من انتقام هذه الخلايا؟ إنهم يضربون ثم يختفون بين الناس. الحكومة تعمل جاهدًا، نعم، ولكن المساحة كبيرة كما تعلمون، وعدد الجنود محدود. نحن نشعر بأننا في مرمى النار من جميع الجهات. الحل يجب أن يكون أمنياً ومجتمعياً معاً، ونحتاج إلى مشاريع تنموية حقيقية تشغل الشباب وتبعدهم عن التطرف أو الانضمام إلى فصائل مسلحة، خصوصًا أبناء البادية. أبناء دير الزور يعرفون كل حجرٍ وشجرٍ في هذه الصحراء؛ هم عيون الأرض الحقيقية. إذا استطاعت الحكومة كسب ثقتهم وتعاونهم، فستكون قد قطعت شوطاً كبيراً في مواجهة هذه الخلايا. كذلك يجب التدقيق وقطع طرق التهريب من الحدود العراقية، وهذا يحتاج إلى دعم دولي”.
وضع أمني معقد
من جهة أخرى، يقول مصدر أمني في الأمن العام بدير الزور (فضّل عدم الكشف عن اسمه): “الوضع الأمني في دير الزور معقد. بعد التحرير كانت هناك آمال كبيرة في استقرار المنطقة، لكننا واجهنا تحدياتٍ كبيرة بسبب خلايا الإرهاب النائمة. نواجه عدة تحديات، أهمها المساحة الواسعة للمنطقة، وخاصة البادية السورية التي تنشط فيها خلايا داعش. بالإضافة إلى كون دير الزور منطقة حدودية مع العراق، حيث تسيطر الجماعات التابعة لإيران على بعض المعابر وتستغل عناصر الفصائل الإيرانية السابقة، وتموّلهم بالذخيرة والسلاح”.
ويتابع المصدر لـ”963+”: “خلال الشهر الجاري فُقد أكثر من 18 شخصاً، بينهم 11 عسكرياً من الأمن العام ووزارة الدفاع، في الهجمات والتفجيرات التي حدثت في المنطقة والتي تطال حتى المدنيين. وتزداد العمليات الإرهابية يومًا بعد يوم. تمكّنا خلال هذا الشهر من اعتقال أكثر من ثمانية إرهابيين، بعضهم مدعوم من إيران وآخرون تابعون لداعش. وخلال التحقيقات الأولية، تبيّن أنهم كانوا يخططون لتنفيذ هجماتٍ أكبر ضد القوى الأمنية والتجمعات والأسواق”.
ويشير المصدر إلى تفهّمه لمخاوف السكان من الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، مضيفاً: “لهذا السبب نعمل على بناء الثقة مع المجتمع المحلي، ونؤكد لهم أن هناك آلياتٍ لحماية المبلّغين عن أي نشاط مشبوه. نشجعهم على التعاون معنا، ولدينا خطط لتكثيف العمليات الأمنية وتطوير استراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب”.
كما أكد أنهم يعملون على تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي لتأمين الحدود ومنع تهريب الأسلحة.
وفي الأيام القريبة القادمة، ستقوم القوات الأمنية بحملة دقيقة لملاحقة تلك الخلايا، مؤكداً: “لن نتوانى عن محاسبتهم، ولن نصفح عنهم”.
إن صرخات أهالي دير الزور هي صرخة مدوّية يجب أن تصل إلى مسامع الحكومة والمجتمع الدولي. إنهم لا يطالبون بالمستحيل، بل بحقهم الأساسي في العيش بكرامة وأمان. معالجة هذه الأزمة تتطلب أكثر من العمليات الأمنية وحدها؛ فتعزيز التعاون الاستخباراتي، وضرب شبكات التمويل والتهريب، وتفكيك الخلايا النائمة، وبناء الثقة مع المجتمع، وضمان حماية المبلّغين وإشراكهم في برامج الحماية المجتمعية، كلها خطوات ضرورية لقطع الطريق على النشاط الإرهابي ومعالجة الأسباب الجذرية الكامنة وراء انتشار التطرف.
إن انتكاسة الأمل في دير الزور ليست حتمية، بل نتيجة لتراكم الإخفاقات. وقف هذا النزيف مسؤولية جماعية قبل فوات الأوان.
المصدر . موقع 963