بين حطام اليقينيات القديمة، تبرزُ حقيقةٌ لا مفرَّ منها: لقد سقطت الأوثان واحدة تلو الأخرى. فما عاد “السلام” مع المحتلِ كلمةً تُرتجَفُ لها الأجساد، ولا تُرفَعُ لها الأعلام. لقد انكشفت الغمامة، وظهر أنَّ ما كان يُقدَّمُ لنا على أنه معركة المصير، لم يعد يحمل في جعبته سوى سراب.
في الجبهاتِ الخاوية، لم يعد ثمّة ما يُقاتلُ من أجله سوى شبحِ الماضي. والشعاراتُ التي كانت تملأُ الآفاقِ هتافاً، صارت صداها خافتاً، لا يُقنعُ طفلاً ولا يحرّكُ ساكناً في نفسٍ أنهكها البحثُ عن معنى. لقد بلغ الشكُّ منتهاه، فلم نعد نخشى السؤال: ماذا بقي لنا بعد أن تتهاوى كلُّ هذه اليقينيات؟
من قلب هذا العصفِ الفكري، تنبتُ بشائرُ يقينٍ جديد. إنه ليس يقيناً أيديولوجياً يرفعُ رايةً ويحطّمُ أخرى، بل هو يقينٌ إنسانيٌ صافٍ: الحياةُ نفسُها. نعم، العيشُ أهمُّ من الصراع. أن تُعمرَ أرضاً خيرٌ من أن تدفنَ فيها روحك. أن تبنيَ بيتاً، وتزرعَ حقلاً، وتُعلّمَ طفلاً، هذه هي المقاومة الحقيقية. إنها معركةُ الوجودِ الحقيقي ضدَّ فناءٍ موصوفٍ ببطولةٍ زائفة.
البناءُ أعمقُ من البطولات. فالبطولةُ لحظةٌ عابرةٌ تُروى، أما البناءُ فمسيرةٌ صامتةٌ تخلقُ مستقبلاً. إنه التحدي الأصعب: أن ترفعَ صرحاً من بين الأنقاض، لا أن تزيدها أنقاضاً. إنه تحويلُ الطاقةِ من هدمِ الآخر إلى تشييدِ الذات.
وفي النهاية، تأتي الحقيقةُ الأكثرُ إشراقاً: الإنسانُ أثمنُ من أيِّ قضية. فما قيمةُ قضيةٍ تطحنُ البشرَ وقوداً لها؟ أيُّ مجدٍ هذا الذي يُبنى على جماجمِ مَن ندّعي الدفاعَ عنهم؟ لقد حان الوقتُ كي تحتلَّ البشريةُ مركزَ الأولوية، كي تصانَ كرامةُ الإنسانِ فوق كلِّ اعتبار.
هذا هو اليقينُ الجديد: أن نعيشَ بكرامةٍ بدلاً من أن نموتَ ببطولةٍ مزعومة. أن نبنيَ وطناً حقيقياً للإنسان، لا مقبرةً للأوهام. إنه تحوّلٌ من ثقافةِ الموتِ إلى ثقافةِ الحياة. وهو، بلا شك، أعظمُ انتصارٍ يمكن أن نحققه لأنفسنا، ولأجيالٍ قادمةٍ ستنظرُ إلى هذه اللحظةِ الفاصلةِ في تاريخنا، وتقول: هنا.. وُلدَ الأمل.