الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان خلال لقائهما في إسطنبول في 8 الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لندن: إبراهيم حميدي

المواجهة بين دمشق وأنقرة في إدلب كانت منتظرة منذ إقرار اتفاق سوتشي. التساؤل كان حول موعد الصدام وانهيار الاتفاق ودور موسكو. ومع تراكم الغيوم بين روسيا وتركيا في ملفات أخرى مثل ليبيا وأوكرانيا، بدا أن الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان يتبادلان «الرسائل» في شمال غربي سوريا.

حاولت أنقرة «تحدي» دمشق في الصيف الماضي، عندما أرسل الجيش التركي قوافله إلى شمال حماة لحماية نقطته في مورك. وقتذاك، استعجل الجيش الروسي وساطته لمنع الصدام وضبط إيقاع خطوط التماس الجديدة: تقدم الجيش السوري إلى خان شيخون، وتقدم الجيش التركي إلى «جزيرة معزولة» شمال حماة.

هذه المرة، كان دور موسكو مختلفاً وبارداً. كررت أنقرة محاولة إرسال قوافل مدججة باتجاه سراقب شمال معرة النعمان. قاعدة حميميم لم تتدخل. رأت الجيش السوري يقصف قافلة الشريك في اتفاق سوتشي، ويقتل عدداً من جنود الجيش التركي. هذا الأخير، رد بحملة قصف من نقاطه على جبهات عدة، بل إنه استخدم طائرات «إف 16» من الأجواء التركية كي يستهدف مواقع سورية ويقتل عدداً من الجنود السوريين.

التعبير عن المواجهة العسكرية لم يأتِ على لسان ناطقين عسكريين، بل من أعلى الهرم: إردوغان قال إنه «تم تحييد» نحو 25 جندياً سورياً. الكرملين رد بالتعبير عن «القلق من وجود المسلحين» في إدلب. موسكو تقول إن أنقرة لم تبلغها سلفاً بإرسال القوافل، وأنقرة تردّ بأنها أبلغت حميميم.

قبل نحو شهر، كان «الحليفان الجديدان» إردوغان وبوتين يدشنان خط غاز استراتيجياً في إسطنبول ويتبادلان الكلمات الدافئة ويمددان هدنة إدلب ويدعوان لهدنة في ليبيا. ما الذي حصل في الأسابيع الماضية كي تفتح دمشق النار على «الضامن» التركي وأن يرد الأخير تحت أعين «الضامن» الروسي؟ تمكن الإشارة إلى ثلاثة تطورات:

1- خيبة الوساطة: استضافت موسكو برعاية روسية محادثات علنية، هي الأولى، بين رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك، ومدير المخابرات التركي حقان فيدان. لم يحصل كل طرف في اللقاء على ما كان يريده مع أن وسائل الإعلام الرسمية احتفلت به. دمشق لا تزال تبحث عن «أفضل العروض» من الأطراف الإقليمية المتنافسة، وهي ترى أن اتفاق سوتشي مؤقت ولا يمنعها من «استعادة السيطرة على كل البلاد». أنقرة تريد إقامة طويلة في إدلب وشمال سوريا. موسكو ترى أن اتفاق أضنة هو المظلة لذلك. أما واشنطن المقيمة شرق الفرات فلا تزال تحض الجميع على «ضغط أقصى» على دمشق.

لقاء مملوك – فيدان لم يُحدث اختراقات أو تفاهمات عسكرية حول إدلب وشرق الفرات أو سياسية حول العلاقة بين دمشق وأنقرة. الجيش السوري واصل هجومه بدعم روسي على إدلب. وفيدان اجتمع مع قادة فصائل المعارضة السورية في أنقرة وأجرى اتصالاً من قاعة الاجتماع مع إردوغان الأسبوع الماضي، لتأكيد «الدعم العسكري والسياسي».

2- ليبيا: يقف الرئيسان الروسي والتركي على طرفي نقيض في الحرب الليبية المتجددة؛ أنقرة تدعم حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج وتمدها بـ«مرتزقة» سوريين للدفاع عن طرابلس، وموسكو تدعم الجيش الوطني برئاسة المشير خليفة حفتر وتمده بـ«مرتزقة فاغنر» للسيطرة على طرابلس. يتواجه الطرفان في ضواحي طرابلس.

وتفيد تقارير بأن قوافل الإمداد العسكري، من ذخيرة ومدرعات ومقاتلين، زادت بعد «مؤتمر برلين» الذي شارك فيه بوتين وإردوغان وكان يُفترض أن يكرّس وقف النار. كما يقف الطرفان، الروسي والتركي، في ضفتين متقابلتين بالنسبة إلى الطموحات بثروات الغاز والنفط في البحر المتوسط والصراع الإقليمي حولها.

3- أوكرانيا: وصل إردوغان إلى كييف، أمس (الاثنين)، كي يشارك نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في اجتماع «المجلس الاستراتيجي». يبحث الرئيسان في «وضع تتار القرم وتعميق الشراكة الاستراتيجية». لا شك أن وقع هذه العبارات لن يكون موسيقياً في أُذن بوتين الذي حاول استقطاب زيلينسكي في باريس الشهر الماضي. كان لافتاً أنه في طريقه إلى كييف، أعلن إردوغان «تحييد» الجنود السوريين وأن بلاده «لم ولن تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بطريقة غير شرعية» قبل ست سنوات. مرة أخرى، هناك خيط بين سوريا وأوكرانيا في اللعبة الدولية.

منذ تدخل الجيش الروسي في سوريا في نهاية 2015 وبعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية وموقف بوتين من محاولة الانقلاب التركية لاحقاً، حاول إردوغان «التعايش» مع جاره الجديد بعيداً من التاريخ والطموحات، وحاول بوتين استثمار ذلك في خلق تحديات جديدة لـ«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) والأميركيين والأوروبيين.

مرة جديدة، يتعرض تفاهم بوتين – إردوغان في إدلب لاختبار جديد. ولا شك أن مصيره وإمكانات الوصول إلى اتفاق جديد على ركام تفاهم سوتشي السابق بخطوط تماس جديدة في شمال سوريا، أمور ترتبط بملفات ثنائية واستراتيجية أخرى، وليبيا وأوكرانيا ملفان جديدان.