
ليس تأريخاً، بل إحياء لتاريخ واكتشافه والتجرؤ على “اختراعه” بنسخة حقيقية قابلة للاندراج في الذاكرة الجمعية، كرواية مكتملة وملهمة.
ما أنجزه حسان الزين في كتابه الروائي التاريخي “طانيوس شاهين- ماذا فعلت لأستحق هذا؟” (الصادر عن “دار الريس” منذ أيام)، قد يكون على مستواه الشخصي إنجاز العمر، ومن المرشّح أن يكون “كتاب العام”، لبنانياً.
لم يكن القرن التاسع عشر في جبل لبنان أقل معمعة واضطراباً وخطورة من الربع الأخير من القرن العشرين والربع الأول من القرن الحالي. الثورة والحرب الأهلية والجيوش الأجنبية والاحتلالات، والمذابح الطائفية والمنظومة المتسلطة هي ذاتها.
المأساة إذاً تتكرر، والروايات المتناقضة والمتكاثرة، والأبطال المنتصرون والمهزومون، والخرائط المتبدلة، والديموغرافيات المتحولة. اللعنة عينها مستمرة كتاريخ لا ينصرم ولا يعثر على خاتمته.
طانيوس شاهين هو عنوان القرن التاسع عشر، ومصدر نزاع في تأويله أو مصادرته، في إدانته أو تمجيده. كان هو العنوان للأمل وللخيبة، حين كان زمن صراع الإمارة والسلطنة والكنيسة والإقطاع والمنازعة الطائفية بين الموارنة والدروز والتوسع الأوروبي الاستعماري، لكن أيضاً حين كان زمن التحولات العميقة في الاقتصاد والبنية الاجتماعية والثقافية، وعصر التعليم الحديث والإصلاحات وإرهاصات عصر النهضة.
وشاهين، الذي أشعل ثورة فلاحين لم تُكتب سيرته سابقاً على نحو واضح ومكتمل. وما فعله حسان الزين هو المزج بين الوقائع التاريخية والوثائق والتخيّل المستند إلى كل ما توفر من حقائق العيش والحياة في ذاك الزمن وسير المعاصرين والروايات الشفهية والأدب الشعبي، ليرسم تلك الشخصية المأسوية بدقة فائقة، في رواية ستحل مكان التاريخ نفسه. بمعنى أنها سترسخ سيرة شاهين كما أرادها حسان الزين. ومن غير المستبعد أن تصير مثلاً مسلسلاً تلفزيونياً، أو فيلماً درامياً.
مع ذلك، قوة الكتاب لا تكمن فقط في هذه الحياكة غير الاعتيادية للتاريخ، والمقدرة على ملء الفجوات الوثائقية بالمتخيل، بل أيضاً في ابتكار الزين للغة “جديدة”، مولَّدة من لغة “منقرضة”، إن صح التعبير. إذ تعمد الزين أن يكتب القرن التاسع عشر بلغة ذاك القرن، إنما أيضاً عبر المزج بين اللغة التاريخية المتحققة، وتلك المُبتَكرة التي صنعها المؤلف، صياغة وأسلوباً.
فلغات ذاك الزمن، متفاوتة وشديدة الاختلاف، من العامية التي تخالطها السريانية، إلى الكتابات الرسمية العثمانية، فلغة الأدب السائد آنذاك، ولغة الكنيسة، ولغة الرسائل والدوائر الرسمية والموظفين، كما لغة الزجل والشعر الشعبي.. إلخ. وهذا كله، يشكل عالماً انثربولوجياً وسياسياً، استطاع الزين استيعابه وتطويعه مع لغته العربية الحديثة، لتوليد لغة الكتاب. فنحن إذ نقرأ كأنما عثرنا على مخطوط مجهول مدوّن في القرن التاسع عشر. أي كأننا أمام خدعة روائية كلاسيكية على مثال المخطوط الذي عثر عليه سرفانتس، فكان الدون كيشوت.
متعة الكتاب هنا، أي في الذهاب إلى الماضي، وسماع أصواته ولهجاته، على نحو حميم، يجعل الشخصيات حيّة والوقائع معاشة ومحسوسة. وبهذا السياق، يتجاوز حسان الزين عمل المؤرخ ويبرع في عمل الروائي، في آن معاً. فيكون أسهم في الإضافة التأريخية العلمية في عمل رصين، وفاجأ الأدب اللبناني برواية من نوع جديد.