عندما حذّر الجاسوس الإسرائيليّ الأميركيّ السابق جوناثان بولارد من أنّ “العاصفة آتية”، ودعا إسرائيل إلى الاستعداد لحرب مستقبليّة قد تكون مع تركيا ومصر بعد إيران، لم يكن يتحدّث بصفته مسؤولاً رسميّاً في الدولة العبريّة، بل بصفته إحدى أكثر الشخصيّات إثارة للجدل في تاريخ العلاقات الأميركيّة الإسرائيليّة. الرجل الذي أمضى ثلاثين عاماً في السجون الأميركيّة بعد إدانته بالتجسّس لإسرائيل، وتحوّل بعد الإفراج عنه إلى أحد رموز اليمين القوميّ والدينيّ الإسرائيليّ، لا يملك موقعاً يسمح باعتبار تصريحاته تعبيراً مباشراً عن سياسة الحكومة أو المؤسّسة العسكريّة.
لا تكمن أهمّيّة كلام بولارد في شخصه بقدر ما تكمن في المناخ السياسيّ والأمنيّ الذي يعكسه. خلال الأشهر الأخيرة لم يعد الحديث عن تركيا ومصر باعتبارهما تحدّياً استراتيجيّاً محتملاً لإسرائيل مقتصراً عليه وحده. لقد خرج العميد الإسرائيليّ المتقاعد أمير أفيفي داعياً إلى إعداد الجيش الإسرائيليّ لخوض مواجهة محتملة ضدّ جيشين نظاميَّين كبيرين في المستقبل، محذّراً من تداعيات التقارب العسكريّ المصريّ التركيّ، وتحدّث الجنرال المتقاعد إسحق بريك عن مخاطر التعاون الاستراتيجيّ بين القاهرة وأنقرة على توازنات القوّة في المنطقة، فيما أخذت مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الإسرائيليّة تتعامل مع هذا التقارب بوصفه أحد أبرز التحوّلات الجيوسياسيّة التي تواجهها إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب على إيران.
إضعاف قوى وإعادة إنتاج أخرى
بعد عقود احتلّت خلالها إيران ومحور المقاومة موقع التهديد الأوّل في العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة، يبدو أن دوائر متزايدة داخل إسرائيل بدأت تنظر إلى خريطة مختلفة تتشكّل في الشرق الأوسط. الحروب المتلاحقة التي ضربت غزّة ولبنان وسوريا وإيران أضعفت قوى وأعادت إنتاج قوى أخرى، فيما تتّجه المنطقة نحو إعادة رسم موازينها السياسيّة والعسكريّة. في قلب هذه التحوّلات يبرز التقارب المصريّ التركيّ باعتباره أحد أهمّ المتغيّرات التي تثير القلق في تل أبيب.
انتقلت القاهرة وأنقرة خلال فترة زمنيّة قصيرة من مرحلة القطيعة السياسيّة إلى مرحلة الشراكة والتنسيق في ملفّات تمتدّ من غزّة وليبيا والسودان إلى القرن الإفريقيّ وشرق المتوسّط. يشهد التعاون العسكريّ بين البلدين تطوّراً ملحوظاً من خلال المناورات المشتركة ومشاريع التصنيع الدفاعيّ ونقل التكنولوجيا العسكريّة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة ومنظومات التسليح الحديثة.
من منظور إسرائيليّ، لا تكمن أهميّة هذا التقارب في العلاقات الثنائيّة بحدّ ذاتها، بل في ما يمكن أن ينتج عنه مستقبلاً من توازنات جديدة. تمتلك مصر أكبر جيش عربيّ وتتحكّم بأحد أهمّ الممرّات البحريّة في العالم عبر قناة السويس، فيما تملك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شماليّ الأطلسيّ وقاعدة صناعيّة عسكريّة متطوّرة ونفوذاً متزايداً في آسيا الوسطى والبلقان والشرق الأوسط وإفريقيا. عندما تتقاطع مصالح هاتين القوّتين الإقليميّتين في ملفّات استراتيجيّة عدّة، يصبح من الطبيعيّ أن تراقب إسرائيل هذا المسار بكثير من الحذر.
لكن هل يعني ذلك أنّ المنطقة تتّجه فعلاً نحو حرب جديدة بين إسرائيل من جهة ومصر وتركيا من جهة أخرى؟
الواقع أنّ احتمال اندلاع حرب تقليديّة مباشرة يبقى ضعيفاً. هناك شبكة معقّدة من المصالح والعلاقات الدوليّة تجعل هذا السيناريو مكلفاً لجميع الأطراف. لا تزال مصر ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ عام 1979، فيما تحتفظ تركيا بعضويّتها في حلف الناتو وعلاقاتها الواسعة مع الولايات المتّحدة والغرب، وستفرض أيّ مواجهة عسكريّة مباشرة أثماناً اقتصاديّة وأمنيّة هائلة على المنطقة بأسرها.
صراع بالوكالة؟
تأتي سوريا في مقدَّم هذه الساحات. بعد التحوّلات الكبرى التي شهدتها البلاد، أصبحت الجغرافيا السوريّة نقطة التقاء لمشاريع إقليميّة متنافسة. تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع أمنيّ جديد في الجنوب السوريّ يمنع ظهور أيّ تهديد مستقبليّ على حدودها الشماليّة، بينما تنظر تركيا إلى سوريا باعتبارها عمقاً استراتيجيّاً لأمنها القوميّ ونفوذها الإقليميّ. مع تزايد الحضور التركيّ في الشمال والاهتمام الإسرائيليّ بمستقبل الجنوب، تبدو سوريا مرشّحة لأن تكون الساحة الأكثر قابليّة للاحتكاك بين الطرفين.
أمّا غزّة فتشكّل ساحة ثانية لا تقلّ حساسيّة. تحاول إسرائيل فرض ترتيبات سياسيّة وأمنيّة جديدة في القطاع بعد الحرب، فيما تتمسّك مصر بدورها المركزيّ في القضيّة الفلسطينيّة وترفض أيّ مشاريع تهدّد أمنها القوميّ أو تدفع نحو تهجير الفلسطينيّين إلى سيناء. في الوقت نفسه تحاول تركيا تقديم نفسها كأحد المدافعين عن الحقوق الفلسطينيّة، وهو ما يجعل مستقبل غزّة إحدى أهمّ نقاط التباين بين الرؤيتين الإسرائيليّة من جهة، والمصريّة التركيّة من جهة أخرى.
لا يقلّ البحر الأحمر والقرن الإفريقيّ أهميّة عن سوريا وغزّة. تحوّلت هذه المنطقة إلى مركز تنافس دوليّ وإقليميّ على الموانئ والممرّات البحريّة وخطوط التجارة العالميّة. تمتلك تركيا حضوراً عسكريّاً وسياسيّاً متنامياً في الصومال، فيما تعتبر مصر أمن البحر الأحمر جزءاً لا يتجزّأ من أمنها القوميّ، وبدأت فعلاً بتفعيل حضورها القويّ في إريتريا والسودان وأوغندا وكينيا لإحكام الطوق على إثيوبيا المتحالفة مع إسرائيل، ولا تنفكّ تعبث بالأمن المائيّ المصريّ، أي بأخطر مقوّمات عيش المصريّين. أمّا إسرائيل فتنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها امتداداً مباشراً لأمنها الاستراتيجيّ ولمصالحها التجاريّة. من هنا يمكن فهم الحساسيّة الإسرائيليّة تجاه أيّ تقارب مصريّ تركيّ في القرن الإفريقيّ أو على ضفاف البحر الأحمر.
يبرز شرق المتوسّط بوصفه ساحة أخرى للتنافس المحتمل. لا يتعلّق الصراع هنا بالحدود فقط، بل بمستقبل الطاقة وممرّات الغاز وموازين القوى البحريّة. في حال نجحت القاهرة وأنقرة في بناء تفاهمات استراتيجيّة مستقرّة، قد يؤدّي ذلك إلى إعادة رسم جزء مهمّ من التوازنات التي سادت شرق المتوسّط خلال العقد الماضي.
قلق إسرائيل من التّوازن الإقليميّ
إلى جانب هذه الساحات الجغرافيّة، يبرز البعد العسكريّ والتكنولوجيّ بوصفه مصدراً إضافيّاً للقلق الإسرائيليّ. التعاون المتزايد بين مصر وتركيا في مجالات الصناعات الدفاعيّة والطائرات المسيّرة والتدريب العسكريّ لا يُنظر إليه في تل أبيب باعتباره تعاوناً ثنائيّاً وحسب، بل باعتباره نواة محتملة لكتلة صناعيّة وعسكريّة إقليميّة قادرة على تقليص الفجوة النوعيّة التي حافظت عليها إسرائيل لعقود طويلة.
قد يكون لهذا السبب من الخطأ التعامل مع تصريحات بولارد باعتبارها توقّعات لحرب مقبلة وحسب، فجوهر القلق الإسرائيليّ لا يرتبط باحتمال مواجهة عسكريّة مباشرة مع مصر أو تركيا، بل بإمكان تشكّل توازن إقليميّ جديد يحدّ من حرّية الحركة الإسرائيليّة ويضع قيوداً على مشروعها الهادف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيتها الخاصّة.
ما تخشاه إسرائيل اليوم ليس عودة الجيوش العربيّة إلى حدودها، بل عودة السياسة والجغرافيا والتوازنات إلى المنطقة، وهي تدرك أنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه بعد سنوات من تفوّقها العسكريّ ليس صاروخاً جديداً أو جيشاً إضافيّاً، بل ولادة منظومة إقليميّة تضمّ قوى كبرى مثل مصر وتركيا وربّما المملكة السعوديّة وباكستان، تمتلك ما يكفي من الثقل السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ لفرض توازن استراتيجيّ جديد.
عندئذٍ لن يكون السؤال من سيربح الحرب المقبلة، بل هل تبقى إسرائيل القوّة الوحيدة القادرة على رسم خرائط الشرق الأوسط، أم بدأت المنطقة فعلاً تدخل مرحلة جديدة عنوانها عودة التوازن بعد سنوات طويلة من الاختلال؟
