يجِدُ العراق نفسَه اليوم، وبشكلٍ أكثرُ إلحاحاً من أيّ وقتٍ مضى، أمام الاستحقاق الأكثر تعقيداً منذ إسقاط نظام صدّام حسين سنة 2003: حصر السّلاح بِيدِ الدّولةِ وتفكيكِ ازدواجيّة السّلطة.
المُلفّ الذي دائماً ما شُخِّصَ كأكبرِ عائقٍ أمام بناِءِ الدّولةِ’، يبدو أنّه دخلَ مرحلة التّنفيذِ الفعليّ تحت وطأةِ مُتغيّرات إقليميّة حاسمةَ وضغوط أميركيّة مُتصاعدة، ما يضع حكومة علي الزّيديّ أمام اختبار “المواجهةِ المُؤجّلة” مع الفصائلِ الرّافضة للانصياعِ.
تكشفُ التّحرّكات الأخيرة في العاصمة العراقيّة عن هندسةٍ سيّاسيّةٍ وأمنيّة جديدة يُرادُ منها تفكيكَ المشهد الفصائليّ المُعقّد. في غضونِ أسبوعٍ واحدٍ رُفِعَ السّتارُ عن مشهدٍ لم يكُن مألوفاً: إعلان “التيّار الصّدري” وحركة “عصائب أهل الحقّ” و”كتائبِ الإمام علي”، انفصالها عن هيئة الحشدِ الشّعبيّ.
يعني هذا الانفصال بشكلٍ عمليّ رفعَ الغطاء السّياسيّ والحزبيّ عن نحوِ سبعةِ ألويةٍ عسكريّة داخل هيئة “الحشد”. كما جاءَ مُتناغماً مع تفاهُماتٍ سريعةٍ بين رئيس الوزراءِ عليّ الزّيديّ وقادةَ هذه الفصائل لتشكلِ لجانٍ مُشتركة لتنفيذِ آليّات تسليمِ السّلاح.
“تكتيك النصف خطوة“
في هذا السّياق، يشكفُ مصدر أمنيّ واسع الاطّلاع لـ”أساس” عن الخلفيّاتِ المُعلنةِ لهذه التّحرّكات المُسارِعةِ. إذ يُؤكّد أنّ إعلان “العصائبِ” وكتائبَ أخرى الاستجابةَ لقرار “حصر السّلاحِ” لا يُمكن فصلهُ بحالٍ من الأحوالِ عن الاستراتيجيّة الإيرانيّةِ في المنطقة”.
أرادَت طهران إعطاءَ “نصف خطوةٍ” للولايات المُتحدة على أرضِ الرّافديْنِ، وذلكَ عبر الإيعازِ لبعض فصائلِها إعلان “نيّة تسليمِ السّلاح”، في حين أبقَت على فصائلَ أخرى في خندق الرّفضِ والمُجاهرةِ بالخيارِ العسكريّ.
بحسبِ المصدر، فإنّ اللعبةَ المُزدوجة “تندرجُ مباشرةً ضمنَ مسار التّفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ المُستمرّ كأوراقِ ضغطٍ ومناورة. إذ تسعى طهران لإبقاءِ خيوطِ اللعبة الأمنيّة والسّياسيّة بوشاحيْن: وشاحُ التهدئةِ عبر القوى المُشاركةِ في الحكم، ووشاحِ التّصعيدِ عبر الفصائل العقائيديّة، أو ما يُعرف في العراق بالفصائل “الولائيّة”.
الفرزُ الكبيرُ
يعكسُ هذا التّحوّل الدراماتيكيّ “فرزاً تاريخيّاً” داخل البيئةِ السّياسيّة – العسكريّة الشّيعيّة في العراق. يُدارُ هذا التّحوّل بأدواتٍ داخليّةٍ وأبعادٍ إقليميّةٍ ويُمكنُ تقسيمهُ إلى مساريْن:
- المسارُ البراغماتيّ: وتُمثّلهُ الفصائلُ التي تمتلكُ أجنحةً سيّاسيّةً مُمثّلة في البرلمان والحكومةِ تحت عباءة “الإطار التّنسيقيّ”. أدركَت هذه القوى أنّ الحفاظ على مكتسباتها والنّفوذ الذي حقّقته في بنيةِ الدّولةِ يتطلّبُ تقديم تنازلاتٍ شكليّة أو جوهريّة في ملفّ السلّاح، خصوصاً مع الضغطِ الذي يُمارسه المبعوثُ الأميركيّ إلى سوريا والعراق توماس بارّاك لعدم تمثيل أيّ فصيلٍ مُسلّح في الحكومة.
- المسار “الولائيّ”: وتُمثّله فصائل مثل “كتائب حزب الله العراقيّ” و”حركة النّجباء” و”كتائب سيّد الشّهداء”.
لا تزالُ هذه المجموعات تتمسّك بما تسمّيه “شرعيّة السّلاح المُقدّس” وترفضُ نزعهُ مُطلقاً، وذلكَ على اعتبار أنّ وجودَها مُرتبطٌ بوظيفةٍ إقليميّة تتاجوز حدودَ العراقِ، وتندرجُ ضمنَ محوَرِ إيران لمداراة الصّدام مع واشنطن وتل أبيب.
يضعُ هذ الانقسامُ القوى الرّافضةِ في عزلةٍ سيّاسيّةٍ محليّة، لا سيّما بعدما منَحَ “الإطار التّنسيقيّ” تفويضاً كاملاً لرئيس الوزراءِ عليّ الزّيديّ باتخاذ الإجراءاتِ الكفيلةِ بحفظِ مصالحَ العراق، وتأييد خطّة فكّ ارتباطِ الحشدِ الشّعبيّ بالأطر الحزبيّة.
في موازاةِ هذا الفرزِ المُتسارعِ داخلَ البيئةِ الشّيعيّةِ، لا يُمكنُ إغفال الدّورِ الذي بدأَ “التيّارُ الصّدريّ” يلعبُهُ بهدوءٍ في إعادةِ تشكيلِ موازينِ القوى العراقيّةِ.
الصَّدر: العَودَة مِن بوّابَةِ “الزّيديّ”
لا يُمكنُ قراءَةُ المشهدِ السّيّاسيّ العراقيّ الجديدِ، ولا سيّما الفرزُ الأخيرُ داخلَ البيئةِ الشّيعيّةِ، بمعزلٍ عن ثقلِ “التيّار الصّدريّ” الذي شكّلَ إعلانُهُ الانفصالَ عن هيئةِ الحشدِ الشّعبيّ نقطةَ التّحوّلِ الأبرزِ.
التيّارُ الذي آثرَ الإحجامَ عن خوضِ الانتخاباتِ التشريعيّةِ الأخيرةِ واعتزلَ المشهدَ السّيّاسيّ لفترةٍ طويلةٍ مُخلّفاً فراغاً كبيراً، يبدو اليومَ أنّهُ يعيدُ تموضعاً استراتيجيّاً ذكيّاً مِن بوّابةِ دعمِ حكومةِ عليّ الزّيديّ.
يُمثّلُ هذا الدّعمُ الصّدريّ المُتجدّدُ الرّافعةَ السّيّاسيّةَ والشّعبيّةَ الأقوى لمشروعِ “حصرِ السّلاحِ بيدِ الدّولةِ”. إذ يمنحُ رئيسَ الوزراءِ غطاءً شيعيّاً وازناً يفتقرُ إليهِ “الإطارُ التّنسيقيّ” بمفردهِ في مواجهةِ الفصائلِ الرّاديكاليّةِ.
تُشيرُ المعطيات في كواليسِ بغداد إلى أنّ خطوةَ الصّدر الأولى بفكّ ارتباطِ ألوِيَتِهِ بالحشدِ ما هيَ إلا تمهيدٌ لإنهاءِ مرحلةِ الغيابِ، والتّحضيرِ لانخراطٍ وازنٍ ومُباشرٍ في المعادلةِ الحكوميّةِ المُقبلةِ.
إن حصلَ هذا الانخراطُ المُرتقبُ، فإنّه سيقلبُ موازينَ القوى رأساً على عقب. فهو سيعيدُ التّوازنَ المفقودَ إلى بنيةِ السّلطةِ، ويمنحُ مشروعَ الدّولةِ القوّةَ التّنفيذيّةَ لملءِ الفراغِ الذي سيخلّفُهُ تفكيكُ المنظومةِ العسكريّةِ للفصائلِ “الولائيّةِ”، مَا يجعلُ الصّدريّينَ بمثابةِ حجرِ الزّاويةِ في صياغةِ “العراقِ الجديدِ”.
ظِلالُ واشنطن وطهران: ميزانُ القوى الجديد
لا يُمكنُ قراءَة الإصرارِ الحكوميّ العراقيّ بفتحِ ملفّ السّلاحِ بمعزلٍ عن التّحوّلات العميقة في ميزان القوى الإقليميّ. إذ تبدو الولايات المُتحدة عبر تصريحاتِ مبعوثها الرّئاسيّ توماس بارّاك والقائمِ بأعمال سفارتها في بغداد جوشوا هاريس أقلّ رغبةٍ في تقاسمِ النّفوذ مع طهران على أرضَ الرّافديْن.
تتحرّكُ واشنطن في العراق على معادلةٍ واضحة: إنهاء المنظومة العسكريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والماليّة لحلفاءِ إيران في العراق.
في المُقابل يعتبر المصدر العراقيّ أنّ “الصّمتَ الإيرانيّ” الحاليّ هو في الحقيقةِ توزيعٌ للأدوار بـ”ذكاءٍ” لحمايةِ مصالحها الكبرى، وأبقتَ على الفصائلِ الأكثر راديكاليّةً مثل “حزب الله العراقيّ” و”النّجباءِ” كخطوطِ دفاعٍ أخيرةٍ وأوراقِ ضغطٍ للمناورةِ عندَ الحاجةِ.
المُفارقةُ في المشهدِ أنّ خطورتهُ تكمنُ في أنّ الفصائل التي وافقَت على تسليمِ سلاحها لا تمتلكُ التّرسانة الأشدّ فتكاً، بينما تحتفظُ الفصائل الرّافضة بالصّواريخِ الجوّالةِ والمسيّراتِ الانتحاريّة والقاذفاتِ المُضادّة للدّروعِ، وهي الأسلحةِ الاستراتيجيّة التي تُطالبُ واشنطن بنزعِها تحديداً.
المرجعيّةُ: الغائبُ الحاضرُ
خلفَ الضّجيجِ السّيّاسيّ والأمنيّ، تبقى المرجعيّةُ الدّينيّةُ في النّجفِ أحدَ أكثرِ العواملِ تأثيراً في مسارِ ملفّ حصرِ السّلاحِ. وعلى الرّغمِ من التزامِها الصّمتَ العلنيّ حيالَ التّفاصيلِ التّنفيذيّةِ الجاريةِ، فإنّ موقفَها التّاريخيّ القائمَ على دعمِ مؤسّساتِ الدّولةِ ورفضِ تعدّدِ مراكزِ القرارِ الأمنيّ لا يزالُ يشكّلُ مرجعيّةً معنويّةً للقوى الشّيعيّةِ المُنخرطةِ في النّقاشِ الحاليّ.
كما تعتبرُ أوساطٌ سياسيّةٌ عراقيّةٌ أنّ أيَّ مشروعٍ لإعادةِ تنظيمِ العلاقةِ بينَ الدّولةِ والفصائلِ المُسلّحةِ سيحتاجُ، عاجلاً أم آجلاً، إلى غطاءٍ مرجعيٍّ مِنَ النّجفِ، خصوصاً في ظلِّ الحساسيّةِ العقائديّةِ التي تحيطُ بهذا الملفّ. لا ترتبطُ المعادلةُ فقط بإجراءاتٍ أمنيّةٍ أو قانونيّةٍ، بل أيضاً بقدرةِ السّلطةِ على إقناعِ البيئةِ الشّيعيّةِ بأنّ تعزيزَ هيبةِ الدّولةِ لا يتعارضُ مع حمايةِ المكتسباتِ التي تحقّقتْ بعدَ عامِ 2003.
مِن هنا، يرى مراقبونَ أنّ التزامَ المرجعيّةِ الصّمتَ في هذه المرحلةِ لا يعني الحيادَ بالضّرورةِ، بقدرِ ما يعكسُ انتظارَها تبلورَ ملامحِ المشروعِ الحكوميّ وقدرتِهِ على الانتقالِ من مستوى الشّعاراتِ إلى مستوى التّنفيذِ الفعليّ. وعندَ تلكَ النّقطةِ تحديداً، قد يصبحُ موقفُ النّجفِ عاملاً حاسماً في ترجيحِ كفّةِ الدّولةِ أو إبقاءِ التّوازناتِ الحاليّةِ على حالِها.
مشروعٌ حقيقيٌّ أم “شراءٌ للوقتِ”؟
على الرّغمِ من البياناتِ المُتفائلةِ الصّادرةِ من “المنطقةِ الخضراءَ” والتّرحيبِ الدّوليّ والدّعمِ القضائيّ الذي عبّر عنهُ رئيس مجلس القضاءِ الأعلى فائق زيدان، يبقى التّشكيك بفرصِ نجاحِ الخطّة سيّد الموقفِ في الأوساطِ السّياسيّة والأمنيّة لعدّة اعتباراتٍ:
- غِيابُ الآليّات الفنيّة: إذ لا تزالُ الحكومة تكتفي بالتّرحيبِ بالمواقفِ السّياسيّة من دون الإفصاحِ عن خطّة عمليّة واضحةٍ لكيفيّة جردِ وتسلّم الأسلحة. ومن هيَ الجهة المُخوّلة بامتلاكِ هذه التّرساناتِ بعد تلسيمها.
- إعادةُ الهيكلةِ ومقاومةُ التغيير: تتضمّن خطواتُ الحكومة العراقيّة إجراءَ تغييراتٍ جوهريّةٍ في القيادة العليات لهيئة الحشدِ الشّعبيّ وتغيير مفاصلَ أجهزةٍ حسّاسةٍ كجهازِ المخابرات. إذ تؤكّد معلومات “أساس” أنّ الاحتماعات التي عُقِدَت خلف الأبوابِ المُغلقةِ شهِدَت تشنّجاتٍ واسعةٍ، ما يؤشّر إلى أنّ تغلغل الفصائلِ المُسلّحة في “الدّولةِ العميقة” لن يُمرّرَ هكذا خطواتٍ بهدوءٍ وسلامٍ.
- الخوفُ من شراءِ الوقتٍ: في قراءةٍ أخرى، قد يكون لجوء الحكومةِ والإطار التنسيقي ومعهما إيران إلى الدّفعِ باتجاهِ تشكيلِ لجانٍ وإعدادٍ ومشروعاتٍ تنفيذيّة لعرضِها على واشنطن مُجرّد مناورةٍ لامتصاصِ الضّغوطِ الأميركيّة من دون صدَامٍ مباشرٍ للفصائلِ معها.
سيناريوهات المرحلةِ المُقبلةِ
أمامَ هذَا الواقعِ، يبدو أنّ العراقَ يسيرُ نحوَ أحدِ سيناريوهينِ لا ثَالثَ لهُمَا:
السّيناريو الأوّل: التّفكيكُ التّدريجيِّ النّاعمُ، وفيهِ تَنجَحُ حكومةُ الزّيديّ، مُستغلّةً الغطاءَ السّيّاسيّ الدّاخليّ والدّعمِ الأميركيّ، في قضمِ نُفوذِ الفَصائلِ الرّافِضَةِ وعزلها تدريجيّاً، مع تَحجِيِمِ قُدرَاتِها الماليّةِ واللّوجستيّة وضبطِ الحدودِ، بانتظارِ ما ستؤولُ إليهِ طاولاتُ التّفاوُضِ الإيرانِيّ – الأميركيّ الإقلِيميّ.
السّيناريو الثّانِيّ: الانفجارُ والمواجهةُ المُباشرةُ، وهو السّيناريُو الأكثر سوداويّة. إذ إنّ إصرار الفصائلِ الرّاديكاليّة على التَّمَسُّكِ بِسلاحِها وتنفيذِ عمليّاتٍ خارجِيّةٍ، مثلَ تهديداتِ فصيلِ “أصحاب أهلِ الكهفِ” ضدّ إسرائيل، قدْ يفرضُ على الحكومةِ أو على الجانبِ الأميركيِّ اتخاذِ إجراءاتٍ عسكريّة رادعَة، ممّا قد يحوّلُ بغداد ومحيطِهَا إلى ساحةِ تصفيّة حساباتٍ دمويّةٍ مفتوحةٍ.
في المحصّلةِ، يُمثّلُ مَشروعٍ حصرِ السّلاحِ اللّبنةَ الأولَى لعراقٍ جديدٍ قائمٍ على الإدارةِ الذّاتيّةِ والسّيادةِ كما يَرى المُجتمعُ الدّوليّ، لكنّهُ في الوقتِ ذاتِهِ يُمثّلُ السّيرَ في حقلِ ألغامٍ شديدِ الانفجار.
قدرةَ رئيسِ الوزراءَ علي الزّيديّ على تَحويلِ “التّفويضِ السّياسيّ” و”نصفِ الخطوةِ الإيرانيّةِ” إلى واقعٍ أمنيّ ملموسٍ على الأرضِ ستُحدّدُ ما إذا كانَ العِراقُ سيستعيدُ هيبةَ مؤسّسّاتِه، أم أنّ “المُواجِهَة المؤجّلةِ” ستُصبحُ واقعاً يفوقُ قدرةَ الدّولةِ على الاحتمالِ.
