ارتفعت حرارة الأحداث في البادية السورية بعد الهدوء الذي عاشته خلال أكتوبر الحالي (اندبندنت عربية)

بعد فترة من الهدوء والاستقرار عاشتها العشائر و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، سقطت بشكل مفاجئ الهدنة بين الطرفين إثر تجدد الاشتباكات الأحد 29 أكتوبر، وسقط معها العشرات بين قتيل وجريح من كلا الطرفين.
وأدت الاشتباكات المندلعة في ريف دير الزور، شرق الفرات، إلى خسائر بشرية بعد معارك طالت قرى أبو حردوب، وذيبان، وأبو حمام، والجرذي، أسقط خلالها مقاتلو العشائر طائرة مسيرة تابعة لقوات قسد. وأحكمت العشائر العربية سيطرتها على مواقع عدة في ريف دير الزور الشرقي وسط تحليق مكثف لطيران التحالف الدولي.

في المقابل، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” مصرع ثلاثة من مقاتليها بعد التعرض لهجمات بالمدفعية الثقيلة والهاون والدوشكا، لترد بقصف عنيف على مقرات فصائل المعارضة  السورية المسلحة المدعومة من تركيا، وقصفت قوات “قسد” مواقع في تل أبيض، بريف الرقة الشمالي.

العودة إلى نقطة الصفر

في غضون ذلك، ارتفعت حرارة البادية السورية بعد الهدوء الذي عاشته خلال أكتوبر الحالي، حيث يتأجج القصف المتبادل بين القوات الأميركية، ومجموعات موالية لإيران في شرق سوريا، بينما تجددت حرب قسد والعشائر، وفي التوقيت ذاته تحارب قوات “قسد” كلاً من المعارضة السورية المسلحة المدعومة تركياً، كما تواجه قوات الجيش التركي. وتواترت معلومات عن عودة قوات قسد  إلى السيطرة على معظم النقاط التي انسحبت منها، فضلاً عن استكمال استعداداتها لإطلاق حملة عسكرية لاقتحام بلدات الطيانة، وذيبان، والحوايج، وغيرها، وسط توافد تعزيزاتها من قرى الشدادي والحسكة.

في السياق، أفاد الناطق الرسمي باسم هيئة المصالحة الوطنية السورية، عمر رحمون في حديثه لـ “اندبندنت عربية”، بأن “الصراع مستمر بين قسد والعشائر دون توقف”، واصفاً تلك المواجهة بأنها “تندرج ضمن حقوق القبائل العربية لاستعادة أراض احتلتها قوات قسد في شرق الفرات”. وأضاف “أحياناً يشتد النزاع حسب المواقف وأجواء المنطقة، شاهدنا أعلى نبرة لهذه المواجهات عند إعلان الشيخ إبراهيم الهفل الثورة على قسد، ولمرات عدة تشتد المواجهات العسكرية وأحياناً تصاب بالفتور”.
ورأى رحمون أن “ما يحدث من استهداف للقواعد الأميركية لا يرتبط بالاقتتال بين قسد والعشائر، بل هو استهداف من قبل المقاومة الإسلامية العراقية لمواقع تضم أميركيين رداً على ما يحدث في غزة، بحسب تصريحات لمسؤولين إيرانيين”.

وكان شيخ قبيلة العكيدات، الشيخ إبراهيم الهفل قد أطل برسالة صوتية في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي بدء القتال، لكن “النفير العام” الذي طالب فيه أبناء الفرات والجزيرة بالمساندة سرعان ما تقهقر وعادت المنطقة إلى الاستقرار، وأعلنت حينها “قوات سوريا الديمقراطية” فتح صفحة جديدة مع كل من رفع السلاح بوجهها، وأجرت سلسلة تسويات للمسلحين من أبناء القبائل العربية الذين أسهموا في القتال.

 

استقرار المنطقة

إزاء ذلك يرى مراقبون أن ما يحدث هو نزاع على مناطق النفوذ في الجزيرة وشرق الفرات، حيث تعد هذه المواقع الأكثر غنى بالنفط والغلات الغذائية من قمح وشعير وحبوب وقطن، مطمعاً لكل الأطراف، سواء كانت المعارضة السورية المسلحة، أو تركيا لتأمين منطقة آمنة، علاوةً عن سعي النظام السوري لبسط سيطرته عليها، بعدما خسرها مع بداية الأحداث واشتداد النزاع المسلح في عام 2013 وخسارة الخزينة السورية مصادر تمويل غاية في الأهمية، وبدأ النظام بالتفكير جدياً بإعادة شرق الفرات، في ظل اقتصاده المتردي، فضلاً عن انتشار جديد للمجموعات المقاتلة الموالية لإيران في مناطق دير الزور الحدودية، التي تسعى إلى إحكام السيطرة وتأمين المناطق المحيطة بقواعدها.
من جهته، توقع مسؤول الشؤون الخارجية في شبكة “راصد” لحقوق الإنسان الكردية، جوان اليوسف منذ اندلاع الأحداث بين قسد والقبائل العربية، أن يتحول الوضع إلى “مواجهة عربية كردية”، مرجحاً وجود “رغبات لدى بعض الفاعلين في المنطقة باندلاع القتال بعد ما فقدوا أدوارهم”. ولم يستبعد اليوسف “امتداد الصراع على أوسع نطاق ما لم تتخذ الولايات المتحدة موقفاً واضحاً من وجودها وانتشارها في هذه الأراضي السورية، وتعلن بشكل فعلي ملامح استراتيجيتها في شرق الفرات”.
في المقابل، أكد اليوسف أن “قوات سوريا الديمقراطية تمثل الضامن القوي والرئيس بين القوى والأطراف المتعددة التي يمكنها بالفعل بسط الاستقرار والأمن في شرق الفرات بما تمتلكه من مقومات تؤهلها لذلك، لا سيما مواجهتها للقوى المتطرفة في هذه المنطقة”.
وتتوقع أوساط متابعة لشؤون الحرب في شرق سوريا “واقعاً صعباً للقاطنين في هذه المنطقة وسط مخاطر تهدد المدنيين في ظل المشهد الممتلئ بدخان وغبار المعارك وسقوط أبرياء من المدنيين، وارتفاع نسبة النزوح”. وأشارت الأوساط عينها إلى أنه “من غير المرجح أن يحقق مقاتلو العشائر أي تقدم وسط غياب قيادة تحكم تحركاتهم، أو قواعد تضبط أعمالهم العسكرية، على عكس القوات الكردية المدربة بشكل عال ودقيق، ناهيك عن الدعم الأميركي العسكري واللوجستي والاستخباراتي الذي تتمتع به”.