خلص مراسل محطة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، بعد جولة في تل ابيب  والضفة الغربية إلى “تشكيل انطباع واحد واضح: الشعور بأن الروتين القديم المحبط الذي استمر عليه الصراع الطويل منذ الانتفاضة الأخيرة (2000- 2004) قد جرفته جسامة الأحداث منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وحل محله الخوف من أن المقبل سيكون أسوأ”

حتى كتابة هذه الكلمات لم يكن أي شيء يشير إلى العكس. الأسوأ هو الحاصل وليس في الأفق غير حروب ومجازر تنذر بمزيد من المآسي. في غزة تواصل إسرائيل حرب التدمير والقتل وجرف شمال القطاع بسكانه نحو الجنوب، وفي الضفة الغربية يفتح مستوطنوها بدعم من جنود الاحتلال معركة تطهير مماثلة ضد السكان الفلسطينيين.

ويأتي ذلك في سياق فكرة واحدة تتحكم بالسياسة الإسرائيلية تعتقد بإمكانية القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني عبر تصفية حركة “حماس” والمنظمات المشابهة، والدفع إذا أمكن بعملية ترحيل واسعة للفلسطينيين الذين يستشعرون نكبة جديدة تهددهم، شبيهة بنكبة 1948.

لقي الرد الإسرائيلي على هجوم  حماس  قبل نحو شهر دعماً أميركياً غير مسبوق، وتعاطفاً غير مشروط من أبرز الحكومات الغربية، لكن هذا الدعم الغربي بدأ يطرح أسئلة عن التزام إسرائيل بالقانون الدولي في حربها على قطاع غزة، وتعرب مزيد من الأوساط عن احتجاجاتها في شأن سلوك المستوطنين في الضفة، وهو ما عبرت عنه الإدارة الأميركية صراحة.

في إسرائيل نفسها خرجت أصوات لتحذر من أن الدعم الغربي لا يعني مجرد إطلاق يد حكومة بنيامين نتنياهو في مواصلة السياسة التي تنتهجها رداً على “طوفان الأقصى”. فأميركا لا يمكنها تجاهل مصالحها في العالم العربي الذي يرفض كلياً الهجوم على غزة، وهي تدرك أن الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية تحديداً، لا تزال عنصراً حاسماً في وجدان المنطقة العربية والدول الإسلامية، لا يمكنها تجاهله وهي تخوض معركة حضور في الشرق الأوسط كجزء من معاركها على المستوى الدولي، مع الخصمين الصيني والروسي من جهة، ومع الحلفاء الأوروبيين من جهة أخرى.

في السياق يرى المعلق الإسرائيلي عوفر شيلح (هاآرتس) أن التحرك الأميركي السريع لمصلحة إسرائيل “لا ينبع فقط من صدمة السابع من أكتوبر، أو الخوف من أن إسرائيل غير قادرة على الدفاع عن نفسها، بل يدل على رؤية واسعة للولايات المتحدة التي كانت إشارتها الأولى في الجهود التي بذلتها من أجل اتفاق مع السعودية”، ويمضي أنه “إذا كانت إسرائيل تريد تحويل ضرب حماس إلى إنجاز ثابت يجب عليها تبني الرؤية التالية: حرب غزة يجب أن تكون الحدث التأسيسي لشراكة حقيقية تغير وجه الشرق الأوسط”.

على الأرجح ستسعى الإدارة الأميركية في هذا الاتجاه، ولن يمكنها التقدم نحو هذه الشراكة، خصوصاً بعد الانفجار القائم، سوى عبر إنجاز ما في شأن الصراع التاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين، فهذا الصراع بالذات هو الذي يستمر في صنع الرأي العام ويؤثر في صنع القرار في دول المنطقة التي تسعى أميركا لشراكات متجددة معها.

المدخل إلى “وجدان” المنطقة العربية والإسلامية تعرفه الولايات المتحدة. إنه تلبية الحقوق الفلسطينية بالسعي إلى إقامة الدولة المستقلة. لقد استعاد الرئيس جوزف بايدن شعار الدولتين على رغم دعمه الكلي لإسرائيل، ومثله فعل قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا. كلهم أبدوا الدعم الكامل لإسرائيل، من دون أن يغفلوا العودة إلى التسوية على قاعدة “حل الدولتين” الفلسطينية والإسرائيلية، ما يفتح النافذة قليلاً أمام إمكان تحويل الكارثة الراهنة إلى فرصة مفيدة في تحقيق تحول تاريخي يمكن أن يقود المنطقة إلى وضع جديد مختلف.

راقبت الولايات المتحدة، عشية حرب غزة، كيف أن إيران تعمل على ترسيخ موقعها، منذ انسحاب الرئيس دونالد ترمب من الاتفاق النووي، كدولة إقليمية عظمى، عبر تطوير برنامجها النووي والصاروخي، وتعزيز شبكة ميليشياتها الإقليمية وتوحيدها في إطار “محور المقاومة” ضد إسرائيل.

وتابعت أميركا حملة إيران ضد “التطبيع” التي قادها المرشد علي خامنئي ضد عدد من الدول العربية، فيما كان “الحرس الثوري” ماضياً في تنشيط ميليشياته ضمن مشروع “وحدة الساحات” المتأهبة لتحرير فلسطين، واهتمت واشنطن بذهاب إيران إلى التحالف مع روسيا في القوقاز، وفي حربها ضد أوكرانيا، وبعلاقتها المتينة مع الصين، ووجدت أن شعار الإيرانيين في شأن طرد الأميركيين من “غرب آسيا” ليس مجرد عنوان عاطفي ناتج من مقتل قاسم سليماني، وإنما هو مخطط يجري تنفيذه بهدوء في العراق كما في سوريا ولبنان وأخيراً في إسرائيل وعملية “طوفان الأقصى” التي هزت أمن الدولة الحليفة الأولى.

 

الدعم الأميركي العاجل والمنقطع النظير لإسرائيل هو التعبير الواضح عن القرار الأميركي بتعزيز الحضور في المشرق، بعد قرارها الانسحاب منه في عهد إدارة أوباما والتجارب الفاشلة في محاولة إرضاء إيران أو استرضائها، وآخرها صفقة إطلاق الرهائن مقابل ستة مليارات دولار.

الحاجة إلى تعديل النظرة إلى وجود الولايات المتحدة في المنطقة، وقرارها العودة بقوة إليها، وجدت تعبيراً عنها في دعم إسرائيل بعد السابع من أكتوبر. الآن يصعب الجزم بطبيعة الخطوة التالية، وإن كان يجوز الاعتقاد، إلى جانب احتمالات حرب إقليمية شاملة، أن مسعىً جدياً لحل مشكلة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي سيولد من قلب المعركة الدائرة.

لقد عاد الاهتمام، ولو تلميحاً، بحل جذري إلى الواجهة. في إسرائيل يطرح سؤال ماذا بعد الحرب في غزة، ووسط الفلسطينيين باتت فكرة الدولة المستقلة عنواناً لا يمكن التنازل عنه، وكل القادة الذين هرعوا إلى إسرائيل متضامنين تحدثوا عن الحاجة إلى تسوية نهائية ضمن حل الدولتين، بمن في ذلك الرئيس الأميركي جوزف بايدن.

غالباً ما كانت التسويات الكبرى تطرح بعد أزمات كبرى. حل الدولتين الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1947 ورفضه الفلسطينيون والعرب، عاد للحياة بعد حرب 1967 وصدور قرار مجلس الأمن 242 ثم سير منظمة التحرير بمشروع الدولتين في 1974.

اتفاق أوسلو الذي أنتج السلطة الوطنية الفلسطينية لم يولد إلا في أعقاب طرد منظمة التحرير من بيروت واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وفي المدى العربي الأوسع حصل اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل بعد “حرب أكتوبر” 1973.

الآن يفترض أن تكون أحداث أكتوبر ومآسيها دافعاً قوياً لإعادة الحياة مجدداً إلى ما يسمى عملية “السلام” التي كانت تتولاها واشنطن وأهملتها منذ 10 سنوات، فعلى رغم مناخات الانقسام الدولي العميق، فإن إجماعاً عالمياً يمكن توفيره لدعم مسيرة من هذا النوع، تفرض على إسرائيل، التراجع عن نهج الضم والتهجير وإلغاء وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه.

لن يحصل هذا التحول في الظروف الراهنة. نتنياهو وحكومته ليسا في موقع المستعد لتسوية مع إنكارهما المطلق لحقوق الشعب الفلسطيني. قبل شهر من “الطوفان” عرض نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطة للشرق الأوسط تظهر فيها الضفة وغزة كجزء من إسرائيل.

في تلك الأيام كتبت صحيفة “هاآرتس” أن نتنياهو يدعي السلام في الخارج ويثير الفوضى في الداخل. إنه “عنصري فاسد يدعو إلى الضم” والأخطر من ذلك، بحسب الصحيفة، أنه يضع الفلسطينيين خارج المعادلة، وهدفه” تفجير غضبه ضد السعودية” (بسبب مباحثاتها مع الولايات المتحدة وإصرارها على ضمان حقوق الفلسطينيين)، كي ” يخرجوا (الفلسطينيون) أنفسهم من اللعبة”!

الصحيفة الإسرائيلية تتابع أن “الفلسطينيين (تقصد السلطة) قرروا التصرف بحكمة”، وهذه كانت مشكلة نتنياهو التي زاد انكشافها فلسطينياً إعلان السفير السعودي المعين في رام الله نايف بن بندر السديري أن السعودية تدعم “فرض الشرعية الدولية وحل الدولتين، ومبادرة السلام العربية ستكون ركناً أساسياً في أي اتفاق سلام مستقبلي مع إسرائيل”.

حصل ذلك قبل أيام من هجمات “حماس” التي استغلها نتنياهو للمضي في حربه العنصرية، والتي اعتبرتها إيران ضربة لما سمته عملية التطبيع “العربية- الإسرائيلية”.

الآن وبعد شهر من الخراب والدماء والتضحيات، و75 عاماً من الاحتلال والتهجير والاستيطان، يتضح أكثر من أي وقت أن لا بديل عن تسوية شاملة تضمن حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة، وأن مشروعاً كهذا لن يستقيم مع تولي رموز التطرف الصهيوني السلطة في إسرائيل، ولا مع التطرف المقابل الذي تتولى إيران تمويله وتغذيته تحت شعارات لا تؤدي سوى إلى تأبيد الصراع وخسارة مزيد من الأرض والأرواح.

التسوية التي تنضج على أرضية الخراب الغزاوي لن تكون سهلة، لكن لا بديل منها. والمسألة ليست في مستقبل غزة كما يحلو للقيادة الإسرائيلية وبعض السياسيين القول، وإنما في مستقبل الشعب الفلسطيني في غزة والضفة معاً، في دولة مستقلة سيدة ضمن تسوية تضع حداً للعنوان والاحتلال ولتجار القضية والمقدسات.