“جميعنا نتظاهر بالشجاعة، أحدنا أمام الآخر، وننسى أننا لو لم نحب لكنَّا ضعفاء ومثيرين للشفقة. لكننا نتظاهر بالشجاعة وبأننا نحقد ونثق بأنفسنا…”.

                                      (من رسالة ليف تولستوي إلى ف. غ. تشرتكوف).

يكتب بافل باسينسكي، في كتاب “ليف تولستوي: الهروب من الجنة” من ترجمة د. نزار عيون السود (دار المدى، 597 صفحة) مسجلًا وقائع هروب تولستوي وظروفه وملابساته وصولًا إلى أيامه الأخيرة.
في ليلة 27 ـ 28 من شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 1910 هرب الكونت نيقولايفيتش تولستوي ليلًا بصورة سرية من منزله في اتجاه غير معروف بمرافقة طبيبه الشخصي ماكوفيتسكي. انتشر الخبر الفضائحي على الفور في أنحاء روسيا والعالم كله “حدث ارتباك رهيب. كان يأس صوفيا أندرييفنا، زوجة تولستوي، فوق حدود الوصف”.
طارد تولستوي في طريق الهروب المتوقع الصحافي الشاب كونستانتين أورلوف… فأدركه في بلدة كوزيلسك، ورافقه سرًا حتى منطقة أستابوفو، ومنها أعلم زوجته وأولاده أن تولستوي مريض، وفي حالة الخطر، وهو موجود في محطة تقاطع السكك الحديدية في منزل رئيس المحطة… ولولا مبادرة أرولوف لما عرفت أسرة تولستوي مكان وجود نيقولايفيتش وهو على سرير الموت إلا من خلال ما ستنشره الصحف لاحقًا. ماذا كتب تولستوي في رسالته الوداعية إلى زوجته؟
“أرجوك… لا تلحقيني إذا عرفتِ مكاني”. طاردت الصحافة الرجل العجوز البالغ من العمر 82 عامًا، تحدوه رغبة وحيدة، وهي الهروب والاختباء، ليصبح غير مرئي للعالم. لم يكن تولستوي يحب الصحف، على عكس زوجته صوفيا التي كانت تستمتع بالتعامل مع المراسلين الصحافيين.
وصفت صحيفة “روسكوي- سلوفو” (الكلمة الروسية) تولستوي بالسوبرمان، ولا يمكن الحكم على تصرفه بالقواعد العادية، وأن صوفيا أندرييفنا “هي زوجة دنيوية بسيطة، قدمت كل ما تستطيعه لزوجها… لكنه بعيد المنال بالنسبة لها في عبقريته، وهنا تكمن مأساتها… أما هو فسجين هرب من زنزانة أنيقة”.
لم يدرك الطبيب ماكوفيتسكي على الفور أن تولستوي المحروم كنسيًا قرر مغادرة منزله نهائيًا. أيقظه في الساعة 3 صباحًا… “قررت الرحيل. وأنت ستذهب معي… لا توقظ صوفيا… ساشا (ابنته) ستلحقنا بعد 3 أيام”. تتذكر ابنته ألكسندرا تلك اللحظات: “استغرقنا نصف ساعة في توضيب الأغراض. بدأ أبي يشعر بالقلق. ويحثّنا على الإسراع، أيدينا كانت ترتجف، ولم نتمكن من إغلاق الأحزمة على حقائب السفر”.
الزوجة التي عاش معها 48 عامًا، وأنجبت له 13 طفلًا، سبعة منهم أحياء، وأنجبوا 23 حفيدًا… الزوجة التي حمّلها جميع أمور النشر لمؤلفاته الروائية، والتي أعادت مرتين كتابة أجزاء من روايتيه الرئيسيتين، ومؤلفاته الأخرى، الزوجة التي لم تنم الليالي في شبه جزيرة القرم، حيث كان يرقد على فراش الموت قبل 9 سنوات… هذه الإنسانة الحبيبة كان ممكنًا في كل لحظة أن تستيقظ وترى أبوابًا مغلقة والفوضى في غرفته وتدرك أن أكثر ما تخافه في الدنيا قد حدث!
طيلة فترة نزاعه مع زوجته، لم تشب علاقتهما شائبة. كان يشعر بالأسف تجاهها، ولم يقم بأية محاولة لتشويه سمعتها بالكلمات… خضع قدر طاقته، بل وفوق طاقته، لمطالبها، الأكثر سخافة أحيانًا، وصبر على جميع أفعالها الغريبة، كالابتزاز والتهديد بالانتحار. لكن في صميم سلوكه، وهذا الذي كان يدهش، بل ويغضب أنصاره… ثمّة طبيعة سيد نبيل عجوز، طبيعة إنسان عجوز رائع يعاني…
الهروب كان يعني فعل رجل مريض، كان يحلم بالهرب منذ 25 سنة، لكنه لم يسمح لنفسه بذلك، عندما كان لديه ما يكفي من قوة، لاعتباره أن هذا عملًا قاسيًا تجاه زوجته. لماذا رحل تولستوي في تلك الليلة؟

صوفيا أندرييفنا زوجة تولستوي التي عاش معها 48 عامًا، وأنجبت له 13 طفلًا، سبعة منهم أحياء، وأنجبوا 23 حفيدًا… (Getty)

رحل كي يموت؟ تفسير قدمه البروفيسور الشهير ف. ف. سنغيريف. قال في رسالة لزوجة تولستوي إن هروبه شكل معقد من الانتحار… هو تسريع لا شعوري لعملية الانتحار. وسادت رواية أن تولستوي قد خرج للاندماج بالشعب في العهد السوفياتي وهي نظرية لا تخلو من التبسيط. سافر تولستوي في قطار في مقصورة من الدرجة الثانية… اعترف لاحقًا الطبيب ماكوفيتسكي بأنه في أثناء شرائه التذاكر في المحطات كان يصرّح بأنه كان يشتريها لتولستوي… وكانوا يعطونه التذاكر. يتذكر ماكوفيتسكي القطار المزدحم والمختنق بدخان السجائر: “كانت عربتنا الأسوأ والأشد ازدحامًا من عربات السكك الحديدية التي ركبتها في أثناء سفري في أنحاء روسيا… انتقل تولستوي إلى المنصة الأمامية عندما شعر بالاختناق من انحباس الهواء والدخان… مما أدى إلى إصابته بنزلة صدرية… هذا السفر البطيء على طرق السكك الحديدية الروسية ساهم في موت ليف نيقولايفيتش”.
ولكن هل كان في سجله انجذاب لعالم آخر، برأي باسينسكي.
إن تولستوي ينجذب لحياة الرهبنة لدى زيارته أخته رئيسة الدير أكثر من الحياة المنزلية. وكان يجد الحياة في كوخ الفلاحين، وفي الدير، أو في فندق متواضع أكثر راحة، من الناحية النفسية، من الرفاهية بين جدران منزله. كان بحاجة للراحة ليس فقط من الأرستقراطية، بل من الديمقراطية المفرطة للحياة في ياسنايا بولينا في المرحلة الأخيرة، وكان الجاني هو تولستوي نفسه وتعاليمه التي حوّلت عقول الآلاف من الناس ووعيهم، فأخذ يحلم كثير منهم بالتحدث مباشرة مع المعلم. وكان هناك من يشكو من الحياة، وآخر بغرض التسول وطلب المال… ويذكر المؤلف ان من زواره وقاصديه كان مكسيم غوركي، وباحثون روحيون، وطوائف دينية جادة، مضطهدة من قبل السلطات، وطلاب وعمال وموظفون… فتولستوي في أواخر أيام حياته توقف عمليًا عن الإبداع الأدبي. وكرّس نفسه بالكامل للأفكار حول الله والموت… كان يحتاج إلى السكينة والعزلة. وحصل صراع في الصحافة حول الإعلان عن تنظيم الزيارات ومقابلة تولستوي بين زوجته صوفيا وتشرتكوف ومن له الأحقية في إعطاء الإذن. كان على زوجة تولستوي أن تعرف مكانتها ولم تكن تحب “الغامضين” من أتباع زوجها.
عانت عائلة زوجة تولستوي من الثورة، فقد قتل الثوار الإشتراكيون أخاها الصغير. كانت خائفة على مصير عائلتها خاصة بعد ورود رسائل بقتل تولستوي. ثار الفلاحون وأطلقوا النار على الحراس، فأمرت صوفيا بمصادرة الأسلحة. امتثل تولستوي على مضض. كان غير راض على معاملة الحراس القاسية للفلاحين. ومع تعاظم عمليات العنف، لم يكن أمام تولستوي سوى رفض العنف وعدم مقاومته، لأن أية مقاومة هي عنف، والعنف يولد عنفًا جديدًا… لاحقًا، حدث انقسام في الأسرة بين أنصار الأم وأنصار الأب بسبب التعامل مع الفلاحين وزوار المنزل.

تتماهى قصة “الأب سيرغي”، وهي واحدة من أعمق مؤلفات تولستوي الشخصية، مع بعض أحداث حياته. كتبها بفترات انقطاع طويلة (10 سنوات)، ونشرت بعد وفاته وتعد في منزلة وصيته… وقد تنبأ الأديب الروسي بأن الهروب إلى اللامكان، إلى الغموض، هو الخلاص. فالهرب من الحشد غير ممكن الا بالانحلال في الحشد. كانت لديه بعض العادات المرتبطة بتطلعه إلى الحرية الشخصية والاستقلال، مثل شغفه بالسير على الأقدام، أو على ظهر حصان، في محاكاة الهروب… يقضي هذا الوقت مع الله في الصلاة وحيدًا متوجهًا إليه بكلمات لا يعرفها غيره.
ماذا حصل بعد انكشاف هروبه؟ يورد باسينسكي محاولة صوفيا أندرييفنا إغراق نفسها مرتين في البحيرة القريبة بعد اكتشافها هروبه، مما أحدث في نفس تولستوي انطباعًا جارحًا… “إذا كان هناك من يغرق فليست هي قط، بل أنا” ـ يشتكي في رسالته إلى ابنته المفضلة ساشا. فبعد مغادرته، وجدت الزوجة نفسها في عزلة. والمنزل كله كان إلى جانب الهارب البائس. كامرأة ـ تعرضت للإساءة، وكإنسان ـ تعرضت للإهانة. كان النزاع بينها وبين زوجها بسبب التركة والميراث. في مذكرات صوفيا الضخمة التي أصدرتها بعنوان “حياتي” ثمة فصل عنوانه “الشهيد والشهيدة”… من كان الضحية؟ فهي، امرأة عادية تم تعيينها لخدمة عبقري، أو هو العبقري، محكوم عليه العيش مع امرأة عادية؟
إن حجر العثرة الرئيس في طريقه إلى “الجنة” كان ينقصه نقيصة أخرى هي الشهوة. وقد بدا له أنه غرق في هذه النقيصة إلى درجة تكاد تفقده عقله، وأصبحت موضوعًا دائمًا ليومياته. كانت الفلاحات ـ المجندات، والخادمات في الفنادق الأوروبية، وأخيرًا البغايا في خدمته، لكن التواصل معهن لم يجلب سوى الأسى والانزعاج والآلام الأخلاقية. “الفتيات يزعجنني… بسببهن أقتل أفضل سنوات حياتي”… كان تولستوي راهبًا بلا شك، لم يرَ في الشهوة الجنسية أية لحظة مشرقة.
ولكن.. يؤمن بالله رغم أنه ليس مسيحيًا… وكان يرغب بالزواج. فتصاهر مع الأسرة التي كانت تحترمه وتوقره ككاتب.
هل أحب تولستوي النساء عمومًا؟ إنه سؤال معقد للغاية، يقول باسينسكي. معروفة “فوبيا النساء” لديه هو المتقدم في السن. كان تولستوي يصرّح أن الحقيقة عن المرأة لن يقولها إلا على حافة القبر: سيقفز من التابوت ويقول الحقيقة، ثم يعود ثانية ويغلق الغطاء… منذ شبابه وحتى آخر أيامه كان شعوره نحو النساء مزيجًا من الخوف، والاهتمام الحارق، والأفكار الثقيلة حول الطبيعة الشيطانية للحب الجنسي. كتب في يومياته: “… لم أكن يومًا مغرمًا بالنساء…”.
يقارن المؤلف بين أحداث روايات تولستوي ووقائع حياته، فيقول: “يبدو لنا أن قصة حب ليف نيقولايفيتش وصوفيا بيرس انتقلت ببساطة طبيعية إلى رواية “آنا كارنينا”، من دون أي تحرير عمليًا. هنا يكمن السر الأعظم لتولستوي الروائي، و”التركيز” الإعجازي لعبقريته الروائية. كيف للحياة الحية أن تتدفق، من دون أي تغيير جوهري، في جسد الرواية، وتعيش فيه لقرون؟”.
نقرأ في الكتاب بعض يومياته عن أيام خطوبته: “في يوم الزفاف، خوف، عدم ثقة، رغبة بالهروب… حلم رهيب. ليست هي”. ثم كتب يصفها: “إنها مثل طائر أُطلقت عليه النار”.
الكاتب الأكثر إثارة للجدل في علاقاته مع الكنيسة الروسية كان مرتبطًا مع شقيقته رئيسة الدير بأوثق العرى حميمية وقرابة. فقراره بالفرار من منزل الأسرة كان خيارًا عاطفيًا وليس عقليًا. فهو الذي اعتاد طوال عشرات السنين على الحياة المستقرة، لم تكن لديه خبرة جدية بالترحال. وانتشرت في أجواء الدير والمحيط مقولة أن بوذا العجوز قد جاء إلى الدير الأرثوذكسي. شقيقته ماريا كتبت “أنه أتى ليعيش في جوّ روحي هادئ”.
يميز المؤلف في أحداث لم تترك أثرًا في حياته، وأحداث قلبتها رأسًا على عقب.
في سيرة حياة تولستوي يمكن تمييز أحداث لم تترك أثرها الكبير على مسيرة حياته فحسب، بل غيّرتها تغييرًا جذريًا، وقلبتها أيضًا 180 درجة. وهذه الأحداث هي: الزواج، انقلابه الروحي، والهروب من ياسنايا بوليانا.
كتبت ابنته: “كان أبي، بولادته، وتربيته، وأخلاقه، وعاداته، أرستقراطيًا حقيقيًا… كان نبيلًا وبقي نبيلًا حتى آخر أيامه”.
ينقل باسينسكي بعض يوميات تولستوي وزوجته.
هي: “إنه مقرف مع شعبه، بالنسبة لي”؛ “لا يوجد حب، إذًا لا توجد حياة”؛ “أنا مهجورة… أنا قطعة أثاث…”.
هو: “لا يمكن العمل…”؛ “أشعر بالأسف على حياتي وحتى على حياتها…”.
هذه اليوميات أصبحت أحد أهم أسباب النزاع العائلي الذي إنتهى بكارثة سنة 1910.
كان تولستوي يهتم بأخته ماريا نيقولايفنا عناية خاصة، ويعاني من مصائبها كأنها مصائبه الشخصية. كتبت لأخيها بعد أن استقرت في دير بيليفو للراهبات في مقاطعة تولا: “… أحبك كثيرًا، وأصلّي من أجلك، وأشعر أنك إنسان جيد، وأنك أفضل من جميع أصدقائك… لكن كم هو مؤسف أنك لست أرثوذكسيًا، وأنك لا تريد التواصل بشكل ملموس مع المسيح… لو أردت التواصل معه… لشعرت بالاستنارة والسلام في روحك…”.
في صومعة ماريا في الدير، بكى تولستوي، وروى ما حدث في ياسنايا بوليانا في الآونة الأخيرة… كيف كانت زوجته تتابع كل تحركاته، وكيف أخفى يومياته السرية في ساق جزمته. وتحدث كيف كانت صوفيا تتسلل ليلًا، وتفتش أوراقه… وأنها حاولت الانتحار، وإغراق نفسها في البحيرة.

تولستوي وسكرتيره فلاديمير تشرتكوف (Getty)

رغم حبه لابنه أندريه، كانت لدى تولستوي جميع المبررات كي لا يحبه فقط، بل ليكرهه أيضًا. أندريه هو من وصف أباه العظيم بـ”العجوز المجنون”. ومن بين جميع أبنائه، كان بصراحة، أكثر شبهًا بأمه… ووقف بصورة مكشوفة إلى جانبها. فقد رأى أن من الهراء تخلي والده عن حقوقه في التأليف لأعماله… لكن الغريب أن والده رأى أن أندريه الأكثر “طيبة”.
دخل تولستوي في “صحوة” روحية من 1877 إلى 1884. وبدلًا من “الرجل القديم”، كما كان يرى هو نفسه، ظهر “رجل جديد”. بل رجل روسي جديد يبحث عن معنى للحياة. بحلول الأزمة الروحية، كان قد أكمل التاسعة والأربعين. عاش نصف قرن. كانت فكرة الموت تسبقه، لكنه يتهرب منها بالحرب تارة، والمزرعة، والأدب، والحياة المنزلية… لكنه لم يستطع أن يكذب على نفسه. والسؤال الملعون “لماذا” في النهاية باغته.

كانت صوفيا تتابع بقلق ابتعاد زوجها عنهم ببطء، ولكن بثبات، ليس جسديًا وماديًا بعد، ولكن روحيًا ونفسيًا. يوضح باسينسكي في كتابه جوهر شغف تولستوي بالكنيسة الأرثوذكسية، والذي يرجع إلى عام 1877، إلى بداية أزمته الروحية. في قصته الطويلة “طفولة”، يصلي بطل القصة الرئيسي كثيرًا وبحرارة، وبخاصة قبل أن يغفو. وهذه الحاجة للتوجه إلى الله بقيت ثابتة عند تولستوي طوال عمره، وحتى في مرحلة إلحاده شابًا. أن أعمق تأثير ديني على تولستوي كان تأثير العمة تاتيانا يرغولسكانا. كانت صاحبة آراء دينية مميزة، فهي قد سبقت التحديث الديني. كانت تأخذ بجميع العقائد الكنسية باستثناء عقيدة عذاب الآخرة. أي أنها كانت تنفي وجود جهنم.
هل حاول تولستوي أن يجد العلة بين الكنيسة والشعب، بين الإيمان بالله والارتباط بالأجداد؟
بحثًا عن معنى الحياة والإيمان الراسخ، يتوجه تولستوي إلى الشعب الروسي البسيط، ويجد فيه الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يدمر عقله التحليلي. كان يفهم الدين بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة على أنه “ارتباط”… لكن الطقوس الأرثوذكسية لم تكن تعني له، بوضوح، الارتباط بالله، بل ارتباطًا “أفقيًا” بأجداده… وكانت زوجته صوفيا خائفة من أن تصبح زوجة منشق. كتبت لأخيها: “لو عرفت وسمعت الآن ليفوشكا. تغير كثيرًا. أصبح المسيحي الأكثر صدقًا وثباتًا. لكن الشيب غزاه، وأصبحت صحته واهنة، وأصبح أكثر هدوءًا واكتئابًا”.
كان رحيل تولستوي من شاموردينو في الصباح الباكر من يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول يكرر بشكل عجيب ودقيق هروبه قبل ثلاثة أيام من ياسنايا بوليانا. كان خائفًا بذعر من زوجته، أو من لقاء مفاجئ معها… ان تمركزه الروحي حول ذاته في أواخر أيامه يصل إلى الذروة. كان تولستوي يبحث عن ملكوت الله في داخل ذاته… يلقي باسينسكي الضوء على الشخص الأقرب إلى روح تولستوي وعلى دوره.
كان فلاديمير تشرتكوف (1854 ـ 1936)، الفارس الشجاع، والشخصية الأكثر نفوذًا في الدائرة الأقرب من تولستوي منذ منتصف الثمانينيات، وحتى وفاة الكاتب، وهو “المنفذ الروحي لوصيته”. تشرتكوف شخصية معقدة، ومن المستحيل عدم احترامه. يبقى أنه ابن عصره، فهو من أصحاب القناعات السياسية “لليسارية”. ولديه شبكة من الاتصالات الواسعة، وقد شملت دائرة معارفه ممثلي الأرستقراطية العليا في روسيا وإنكلترا والبلاشفة… هذه الحالة المريبة سمحت له بإصدار ونشر مؤلفات تولستوي قبل وبعد الثورة. وهذه الحالة هي التي ساعدته بعد الثورة على انتشال “التولستويين” وساشا ابنة تولستوي من السجون (رسالته إلى ستالين)… في يومياته المدونة عن صديقه كتب تولستوي: “أحبه وأثق به… إنه نشيط جدًا مثل النار… أنا متعب، وهو صلب”.
أدرك تولستوي المريض الواهن أنه من الممكن الهروب من زوجته، أما الهروب من شهرته العالمية فهذا أمر مستحيل. لقد أدرك أن العالم كله يتابع كل خطواته، وأن الصحافيين الدؤوبين سيصلون إليه أينما حل. ففي عام 1892، تخلى تولستوي عن الملكية الذي أصبح الحدث الأكثر إيلامًا في حياته… كان من المحرج لأبنائه اقتسام ممتلكات أبيهم الحالم بتوزيعها على الفلاحين. وكان من المحرج للأب حضور تقسيم ممتلكاته بين أبنائه “كما لو أنه قد مات”. وكانت الأم تعاني من أن لا يخسر أبناؤها الصغار ماديًا بسبب أنانية الكبار.
في أيامه الأخيرة، قدر الناشرون الأجانب قيمة الملكية الأدبية لتولستوي بعشرة ملايين روبل ذهبي، وأن تخلي تولستوي عن الحقوق الأدبية كان تطاولًا ليس على الحقوق المادية فحسب، بل وعلى الحقوق الروحية لزوجته… فهي رأت ذلك بمثابة إهانة شخصية لها… رغم تخليها عن حصة الأسد من ممتلكات زوجها لمصلحة أبنائها. لكنها في مسألة الحقوق الأدبية أبدت عنادًا، تحول إلى تمرد على إرادة تولستوي. في رأي باسينسكي أن الصراع بين الزوجة والتلميذ يتخطى المادة، إذ يقول:
“لم يكن الصراع بين صوفيا زوجة تولستوي وتلميذه الوفي والمتحمس تشرتكوف يدور فقط حول الحقوق الأدبية. كانت المنافسة شديدة على المكانة بالقرب منه التي لم يستطع تقاسمها كل منهما، لأنهما كانا يتمتعان بشخصيتين مستبدتين”.
بعد اكتشافها أن يوميات ليف نيقولايفيتش قد خرجت من البيت باتجاه “مفّرق الأسرة” (تشرتكوف) المقيت، شعرت صوفيا أندرييفنا بقلق كبير… فكتبت رسالة لزوجها: “لماذا في يومياتك، وعند ذكر اسمي، تعاملني دومًا بهذه الدرجة من الحقد؟ لماذا ترغب بأن تحفظ الأجيال القادمة وأحفادنا اسمي كزوجة طائشة شريرة، تجعلك بائسًا؟ فإذا كان هذا يضيف لك مجدًا، أنك كنت ضحية، فإنه بالقدر نفسه يميتني ويهلكني!…”.
بدأ القرن العشرون لتولستوي بحدث أُعطي أهمية كبيرة جدًا، بسبب الصدمة الاجتماعية التي أحدثها في روسيا. لقد “حُرم” تولستوي من الكنيسة الأرثوذكسية… وفي السينودوس رقم 557 وردت الأسباب وراء الحرمان: ينفي الإله الحي، والثالوث المقدس، ومبدع الكون. ينفي الرب يسوع… كمخلص للعالم… ينفي عذرية أم الله مريم العذراء بعد ولادتها للسيد المسيح. لا يعترف بالحياة الآخرة والثواب. يرفض جميع أسرار الكنيسة… فردّ تولستوي على قرار السينودوس، وبدأ رسالته بعبارة مقتبسة من الشاعر كولريدج: “إن من يبدأ بحب المسيحية أكثر من الحقيقة، سرعان ما سيحب كنيسته أو طائفته أكثر من المسيحية، وسينتهي بأن يحب نفسه أكثر من أي شيء في الدنيا”.
يتوقف الكاتب بالتحليل عند موضوع كتابات تولستوي التي سببه له إشكالات مع الكنيسة، والتي سبّبت له الحرج.
ومعروف أن كتابات تولستوي المعادية للكنيسة كانت مسموعة وليست مرئية. فقد صدرت في الخارج وانتشرت في روسيا بصورة سرية. وكان أسقف تولا بارنينيوس الذي التقى الكاتب في ياسنايا بوليانا في 21 يناير/ كانون الثاني 1909 أعلن في الصحافة أن تولستوي تحدث معه “مثل أي مسيحي يتحدث للقس في أثناء الاعتراف”. وكانت هذه الزيارة بالنسبة لتولستوي “ممتعة للغاية، وإنه بكى لدى وداعه للأسقف، وشكره على رجولته”. كتب تولستوي ست وصايا، في الأعوام 1895، 1904، 1908، 1909، ووصيتين عام 1910. فقد أوصى بـ”دفنه في أرخص مقبرة، وإذا كان في المدينة، فبأرخص تابوت ـ كما يدفن المتسوّلون. ولا حاجة لوضع الأكاليل، ولا لإلقاء الخطب. وإذا كان ممكنًا من دون كاهن وخدمة جنازة…”.

وماذا عن “حرب حقوق النشر” التي اندلعت بشراسة بين الزوجة صوفيا والسكرتير تشرتكوف، والتي ألقت بثقلها على تولستوي الطاعن في السن. ففي رسالة إلى صديقه التي خبأها تشرتكوف وأخفاها عند ابنه تحت عبارة “سري” (ولم تنشر إلا عام 1961)، حيث كتب تولستوي: “لن أخفي عليك… إن رسالتك… كانت غير سارة بالنسبة لي… لأن هناك نوعًا من الالتزام والعنف وعدم الثقة والقسوة تجاه الناس”.
إن محبة تولستوي التي لا تعرف الحدود لتشرتكوف هي ظاهرة من أكثر الظواهر غموضًا في حياة تولستوي نفسيًا. فكم من المرات، في أثناء المراسلات، وتواصلهما المباشر، كان تشرتكوف يتدخل بفظاظة في العلاقات الأسرية لمعلمه، موجهًا المكائد ضد زوجته، وضد بناته اللاتي كان الأب يحبهن أكثر من أي شيء في الدنيا! وفي كل مرة كان تولستوي يسامحه، بل يخرج تشرتكوف فائزًا، دومًا!
إن من يقرأ بالتتابع أدلة حياة ياسنايا بوليانا بعد 22 يونيو/ حزيران 1910، يمكنه أن يفقد عقله. فقد تمكن “فريق تشرتكوف” مع تولستوي من إخفاء وجود الوصية السرية، التي حرمت الأسرة من حقوق الميراث الأدبي. ولكن عندما بدأت الوصية تطفو على السطح، اندلعت فضيحة رهيبة… يصرخ تولستوي في يومياته قائلًا: “إنهما يمزقانني إلى قطع. أحيانًا يخطر على بالي أن أهرب من الجميع”.
في أستابوفو خارت قوى تولستوي. لكن حاسة البصر عنده بقيت لا تشوبها شائبة…
أصبحت محطة أستابوفو غير المعروفة… ملتقى لروسيا الشاسعة كلها وللعالم كله. عند مغادرته ياسنايا بوليانا، فكر تولستوي بالعودة إلى الأرثوذكسية. ولهذا ذهب إلى دير أوبتينا… لكن كبرياءه لم يسمح له بالذهاب إلى المرشدين الروحيين… في تأمله لرحيل تولستوي، كتب معاصره ليف تيخوميروف: “إن نهاية حياته غريبة… وهنا يشعر المرء بوجود صراع ما على روحه. أراد التصالح مع الكنيسة، لكن الشيطان كان يمسك به بقوة”.
تبقى اللحظات المؤثرة في الكتاب هي في النهايات.
يصف باسينسكي الأيام الأخيرة للاحتضار والوداع والكلمات الأخيرة.
كان تشرتكوف أول من جاء إلى تولستوي. قبل الأطباء ورجال الدين وقبل أفراد أسرته… كان مؤثرًا جدًا لقاؤهما… بكى الاثنان معًا. كتب التلميذ الوفي في مذكراته: “… وجدت ليف نيقولايفيتش في الفراش، ضعيفًا للغاية، لكنه بذاكرته الكاملة. فرح كثيرًا بقدومي، مد لي يده التي تناولتها بحذر وقبلتها. ذرفت عيناه الدموع…”. كان تولستوي يخشى قدوم زوجته.
في صباح اليوم السادس، نهض من على السرير، ونطق بوضوح تام: “أنصحكم أن تتذكروا: ثمة أعداد وفيرة من الناس في العالم غير ليف تولستوي، وأنتم تنظرون إلى ليف وحده”… كان يجتمع أمام سرير المحتضر ستة أطباء… قالت ساشا عندما انتهت من غسل والدها: “إنه مثل طفل صغير تمامًا”.
كان تولستوي يهذي. الكلمات الأخيرة ذات المعنى التي تحدث بها قبل ساعات من موته، توجه بها إلى ابنه الكبير، …”سيريوجا… الحقيقة أحبها كثيرًا… أنا أحب الجميع…”. بعد حقنه بالمورفين مرارًا، وفي حالة شبه هذيان، تمتم: “سأذهب إلى مكان ما، كي لا يزعجني أحد… دعوني في هدوء… يجب أن أهرب، يجب أن أهرب إلى مكان ما…”.
في الساعة السادسة وخمس دقائق صباحًا من يوم 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1910، توفي ليف نيقولايفيتش تولستوي. وبعد موته، سرعان ما انصرف الجميع.
دفن تولستوي حسب وصيته، “من دون صلاة الكنيسة، من دون بخور”، ومن دون كلمات احتفالية.