يقدم الفيلسوف الإيطالي، جورجو أغامبين، في كتابه “فتنة: الحرب الأهلية بوصفها نموذجًا سياسيًا” (ترجمة عبيدة عامر، تقديم ومراجعة طارق العلي، مدارات للأبحاث، القاهرة، 2023) دراسة عن الحرب الأهلية حسبما بدت في الفكر السياسي الغربي في لحظتين من تاريخه: الأولى قديمة، جسدتها شهادات فلاسفة اليونان القديمة ومؤرخيها، والثانية حديثة، وتتمثل بما طرحه الفيلسوف، توماس هوبز، في بدايات عصر الحداثة الأوروبية، وما استتبعهما من إرهاصات على التقاليد الفكرية والثقافية للغرب، وذلك بهدف النظر في الحرب الأهلية، بوصفها نموذجًا سياسيًا، بما يتسق مع اشتغاله الفلسفي ضمن مشروع الإنسان الحرام، الذي اعتمد فيه على منهج يدمج الأنطولوجي في التاريخي، والمقدس في الدنيوي، والمتعالي في المحايث.

يعّد هذا الكتاب الثالث ضمن مشروع “الإنسان الحرام”، أو بالأحرى “الإنسان المستباح” (Homo Sacer)، الذي يشمل سبعة مجلدات، بدأها بالكتاب الأول (Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life)، الذي ترجم إلى اللغة العربية تحت عنوان “المنبوذ: السلطة السيادية والحياة العارية”، حيث جرى استخدام مصطلح ” المنبوذ” بدلًا من الانسان الحرام أو المستباح، وهي ترجمة غير دقيقة لمصطلح (Homo Sacer). كما تُرجم كتابه “حالة الاستثناء (الإنسان الحرام 2، 1)”، و”المملكة والمجد: في سبيل جينالوجيا لاهوتية للاقتصاد والحكومة (الإنسان الحرام، 2، 4)”، و”صنيع الله: أركيولوجيا الواجب (الإنسان الحرام 2، 5).

منطلق الكتاب هو أنه في عالم اليوم لا توجد نظرية للحرب الأهلية، مع تعذر تمييز الحروب بين الدول من الحروب الأهلية، أو “الحروب الداخلية”، وترافق هذا الغياب مع اندلاع حربين عالميتين، الأمر الذي دفع الفيلسوفة، حنة أرندت، في كتابها “عن الثورة”، إلى اجتراح مفهوم “الحرب الأهلية العالمية”، حين ذهبت إلى تعريف الحرب العالمية الثانية بأنها صنف من الحرب الأهلية المحتدمة حول الكوكب. وتناول الفيلسوف كارل سميث في كتابه “نظرية البارتيزان”، شخصية البارتيزان (المقاتل غير النظامي)، التي أضحت علامة على نهاية مفهوم الحرب، حسبما يعرفه القانون الأوروبي العام، بما يعني أن حالة الحرب بالمعنى التقليدي اختفت عمليًا. وقد دفع تعميم نموذج لحرب لا يمكن تعريفها على أنها حرب بين دول، وتفتقد في الوقت نفسه إلى السمات التقليدية للحرب الأهلية، بعض الباحثين إلى الحديث عن “حروب غير أهلية”، وهي الحروب التي لا توجه نحو السيطرة وتغيير النظام السياسي، بل نحو تعظيم الفوضى.

يعتبر أغامبين أن غاية كتابه ليست وضع نظرية للحرب الأهلية، إنما دراسة الموضوع كما تجلى في الفكر السياسي الغربي، لذلك يبني أطروحته على اعتبار اللحظتين، اليونانية والأوروبية، وجهين لنموذج سياسي واحد، جرى التعبير عنه من خلال التأكيد على حتمية الحرب الأهلية من جهة أولى، وعلى ضرورة استثنائها من ناحية أخرى، بمعنى أنها مبنية على وحدة النموذج، التي يجسدها وجود اتصال خفي بين هاتين الضرورتين المتضادتين، التي يسعى الكتاب جاهدًا للكشف عنها.

يناقش أغامبين أطروحات المؤرخة الفرنسية، نيكول لورو، التي اهتمت بتحليل الحرب الأهلية أو الفتنة في اليونان الكلاسيكية، واعتبرت أن الفتنة، أو الحرب الأهلية، هي في جوهرها حرب ذوي القربى، أي تنازع القبيلة وقرابة الدم، وتصيب العائلة من نفسها لا من سواها. لكن أغامبين يستند إلى أطروحات لورو كي يعيد النظر جذريًا في العلاقات بين العائلة أو البيت والمدينة، وبين الحياة الطبيعية والحياة السياسية، الواقعة في قلب السياسة الغربية، معتبرًا أن الحياة الطبيعية البسيطة في اليونان الكلاسيكية استبعدت من المدينة وحُصرت في نطاق العائلة، لذلك يفترض أن الفتنة لا تقوم في العائلة ولا في المدينة، لأنها تشكل حزامًا لا يميز في داخله بين النطاق غير السياسي للعائلة والنطاق السياسي للمدينة، وبتجاوز هذه العتبة تُسيّس العائلة، ويُضفى الطابع الاقتصادي على المدينة، أي تختزل في العائلة، وبالتالي، فإنه في نظام السياسة اليونانية، تشتعل الحرب الأهلية، بوصفها عتبة للتسييس ونزع التسييس في الوقت نفسه، ويُتخطى بها البيت إلى المدينة، وينزع بها الطابع السياسي عن المدينة، لينتقل إلى العائلة. وعليه فإن النزوع لإبطال تسييس المدينة في مسار التاريخ التالي للغرب، من خلال تحويلها إلى منزل أو عائلة محكومة بعلاقات الدم أو بمحض العلاقات الاقتصادية، سينقلب في مراحل أخرى إلى حالة معاكسة مناظرة، بحيث يتم تسييس كل ما هو لا سياسي وتحشيده، وبناء على هذا النزوع ستتبدل مواقع الحرب الأهلية وأحوالها ووظائفها.

ينتقل أغامبين إلى مناقشة أطروحات توماس هوبز، خاصة في كتابيه، “اللفياثان” و”عن المواطن”، ويبدأ من تحليل ما كان يرمي إليه هوبز في صورة الغلاف الرمزية لكتاب اللفياثان، التي يظهر فيها كائنًا عملاقًا يتألف جذعه من حشود من الأجساد البشرية الصغيرة، ويعلو رأسه تاج ملك، فيما تحمل يمناه سيفًا، ويسراه صولجانًا. ويرى أنها تنطوي على حالة مفارقة، تجسدها الحشود المنحلة، التي تسكن المدينة تحت سلطة الملك، وهي حالة تنبئ عن التحول البيوسياسي الذي كانت السلطة السياسية في طور التحضير له، وبالتالي فإذا كانت الحشود المنحلة، وليس الشعب، هي الوجود البشري في المدينة، وإذا كانت الحشود هي موضوع الحرب الأهلية، فإن ذلك يعني أن الحرب الأهلية تبقى احتمالًا قائمًا داخل الدولة، وذلك بالنظر إلى أن هوبز يعي تمامًا وجه الاختلاف بين السكان والشعب، وهو الاختلاف الذي سيجعل منه الفيلسوف ميشيل فوكو أصل البيوسياسة الحديثة، أو السياسات الحيوية (Biopolitics)، التي اجترحها بوصفها منتجًا لسلطة تأديبية وضبطية، تعمل من جهة على إنتاج أجساد طيّعة، ومن جهة أخرى، تعمل على إنماء الحياة أو الأجساد وتكثيرها، أي أنها مركبة من علاقة متلازمة بين السياسة والحياة، تقوم على آليات مرنة تتبدل بها السياسات لتُخضع الحياة لاستراتيجيتها، كجزء من جنوح السلطة نحو السيطرة والتنظيم من ناحية أولى، والقمع والإقصاء والسيادة من ناحية ثانية، جهة أخرى. وقد طرحها فوكو ضمن حق الموت والسلطة على الحياة، بهدف الكشف عن شكل جديد من السلطة، ظهر بشكل متمايز عن طبيعتها بوصفها سلطة سيادية عقابية وعنيفة.

غير أن أغامبين طوّر مفهوم فوكو عن السياسات الحيوية، واستخدمه من خلال نزع تاريخية السلطة البيوسياسية، وتعريفها على أنها استثناء تضميني للحياة الطبيعية في المدينة والحياة السياسية، حيث يرى أن المنظومة السياسية القانونية الغربية، قامت منذ البداية بإنتاج الحياة السياسية من خلال استثناء تضميني للحياة الطبيعية، نجم عنه في المحصلة ما يُعرف بالحياة العارية. وقد وظّف التقابل بين البيت أو العائلة والمدينة، بحيث تكون فيه الحرب الأهلية هي العتبة التي تستخدم بها المدونة القانونية الغربية، من خلال استثناء البيت، وتضمينه في المدينة أو لقيام المدينة، إضافة إلى حالة التقابل بين الحالة الطبيعية والدولة “الكومنولث الهوبزي”، وبين غياب الشعب والشعب من منظور ماكينة الاستثناء. وتصبح الحشود هي موضوع الحرب الأهلية، التي لن يحسم صراعها مع صاحب السلطة، لتتعايش الحرب الأهلية والدولة، أو “البهيموت والليفاثان” جنبًا إلى جنب، مثلما تتعايش الحشود المنحلة جنبًا إلى جنب مع صاحب السيادة، وحين تنتصر الحشود تبلغ الحرب الأهلية نهايتها، وتحدث ردّة من حالة الدولة إلى الحالة الطبيعية، ومن الحشود المنحلة إلى الحشود المفككة. لكن أغامبين لا ينسى نقد اختيار هوبز اسم اللفياثان عنوانًا لكتابه، وإسقاطه على الدولة، حيث يتساءل عن سبب اختيار هوبز تسمية الدولة التي تغيّا وضع نظرية لها باسم وحش كانت له دلالات شيطانية في التراث المسيحي على الأقل، مع العلم أن هوبز لم يكن غافلًا عن تلك الدلالات الشديدة السلبية، لذا يفترض أغامبين أن اللفياثان يرمز إلى رأس الجهاز السياسي الذي يشكله شعب الرعيّة، الذي لا يملك جسدًا مستقلًا، لأنه يوجد فقط في جسد صاحب السيادة، وعليه تعرض صورة غلاف كتاب هوبز العلاقة بين اللفياثان والرعيّة على أنها النظير الدنيوي للعلاقة بين المسيح والكنيسة، وتمثل الحاجز – الذي أطلق عليه هوبز اسم اللفياثان- على الدولة في زمن كان اللفياثان فيه يعني المسيح الدجال، هو ما يؤخر الزمن المسيحي، وما يؤخر لحظة قتل البهيموت للفياثان، وقتل اللفياثان للبهيموت.

أخيرًا، يتناول أغامبين حالة الطبيعة، التي اعتبرها هوبز تخييلًا سياسيًا قانونيًا، تأسس خلال حرب أهلية إنكليزية، بوصفها انتقالًا من الحرب الأهلية إلى حالة طبيعية اضطر فيها الناس إلى الاحتكام للعقد الاجتماعي، الذي تخلى بموجبه المواطنون عن جزء من حقوقهم لصاحب السيادة، مقابل تأمين حياتهم وتحقيق مصالحهم. وينظر إلى حالة الطبيعة من جهة عدم التمييز المكاني والزماني بينها وبين صاحب السيادة أو الدولة، لأنها تمثل حالة استثناء أو حياة عارية، تنتج عن الاستثناء التضميني للحياة الطبيعية والحياة السياسية من خلال السلطة السيادية.