يبدأ مذيع قناة «الإخبارية السورية» الحكومية تغطيته الخاصة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) بمصطلحات عامة، ويتحدّث إلى ضيفه الفلسطيني مدير العلاقات العربية في منظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، الذي يتبنى وجهة نظر التلفزيون السوري مستطرداً بشأن عدم تفاجؤه بالعملية، مستذكراً تاريخاً نضالياً للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة فتح، محاولاً أن يربط بشكل مباشر بين ما حدث في السابع من أكتوبر وبطولات حدثت وتحدث في الضفة الغربية.

لكن تطور الأحداث بعد ذلك سيطرح كثيراً من الأسئلة على النظام السوري، انعكست بعض أجوبتها في التغطية الإعلامية التي تبناها النظام عبر قنواته التلفزيونية الرسمية، وظهرت من خلال مزيج من المصطلحات والتعابير والانحياز والتضليل، في محاولات ممنهجة لاجترار بروباغندا لا ترى فلسطين، بل تخلق فلسطينَ تُناسبُ رهانات النظام الإقليمية والدولية.

حجب التفاصيل من المشهد

في الساعات الأولى لـ «طوفان الأقصى» رأينا مذيع «الإخبارية السورية» الحكومية يتناول الحدث مع غياب كامل لتسمية «حماس» أو «كتائب القسام»، لتكون التسمية البديلة هي «المقاومة»، المصطلح الذي يشمل في اللاوعي تحالفاً سياسياً عسكرياً يشمل محور الممانعة بشكل عام، وسوريا بشكل خاص، ليقطع المذيع الحديث باستمرار ويُشبّه عملية طوفان الأقصى بما فعله الجيش السوري في حرب تشرين التحريرية.

هذا الحجب التفصيلي للتسميات قدَّمَ للمتابع السوري صورة أكثر شمولية لحرب، لم تحدث حتى الآن، بين محور المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، حتى بعد أن نفت ايران  مشاركتها في معركة طوفان الأقصى، وبعد التأكيد على أن المعركة هي بين كتائب القسّام والاحتلال الإسرائيلي. صحيح أن لفظة «المقاومة» قد تُستخدم أيضاً للتأكيد على وجود فصائل أخرى غير القسّام في المعركة وعلى أن حماس حركة مقاومة، لكن الإعلام السوري يصرّ على استخدامها لوحدها، ولا تفسير لذلك سوى أنه يريد تجنّب الاعتراف بحركة حماس وجناحها العسكري كقوة فاعلة تقود المعركة في غزة، خاصة في اللحظات المفصلية مثل سريان الهدنة، التي فرضت عليهم ذكر الطرف الآخر في الهدنة، ليستخدم إعلام النظام السوري صورة الناطق الرسمي باسم حركة الجهاد الإسلامي، ويبث مقاطع من خطاب أمينها العام زياد نخالة المقرّب من إيران، مع التركيز على كلمة «مقاومة» فقط كونها تُجنّب المحللين السياسيين والمذيعين والمُراسل الذين يتصل من غزة نسبة «الفضل» لحماس بشكل مباشر، ما يساعد بالتالي على تعميم المديح وإناطة البطولة بمحور كامل.

لم يتجاوز النظام السوري عقدته مع حماس حتى وهي تخوض معركتها ضد الاحتلال، وكان بشار الأسد في آخر مقابلاته التلفزيونية مع سكاي نيوز الإماراتية قُبيل عملية السابع من أكتوبر قد هاجم قيادة حركة حماس، واتّهمها بالنفاق والغدر لأنها لم تتخذ موقف الفصائل الفلسطينية المؤيدة للنظام السوري، ولأنها حملت علم الثورة السورية أو «علم الاحتلال الفرنسي» كما يُسمّيه. اليوم، يقوم إعلام النظام السوري بحجب حماس وصولاً إلى مرحلة محوها من خطابه الإعلامي.

كما لم يشمل الحجب المصطلحات والمواقف فقط، بل حتى المعلومات الأساسية كأنَّ التغطية تتم في عالم موازٍ، فعندما كان الإعلام الغربي يتهم أبو عبيدة المتحدث باسم كتائب القسام «بالإرهاب»، والقنوات العربية تنقل تصريحاته وبياناته بشكل مستمر، استطاع الإعلام السوري أن يتفوق على نفسه وأن لا يراه على الإطلاق، ليقدم النظام السوري رؤيته للأحداث ليس كما تحدث بل كما يريد لمتابعه أن يتخيلها، ويتم محو الخطابات العسكرية الواردة من غزة، وتُخصَّصَ ساعات تحت مصطلح «بالمقارنة والمقاربة» لمدح التضليل الاستراتيجي في كلمة حسن نصرالله، وتحليل الغموض المقصود الذي استخدمه لكي لا يدرك الاحتلال نواياه.

أوضحت التغطية السياسية التحليلية للعدوان الإسرائيلي على غزة، ومنذ الأيام الأولى، أن إعلام النظام السوري غير قادر على تقديم تغطية منطقية بالحد الأدنى حتى في القضايا التي لطالما ادّعى تبنيها. وبالإضافة إلى تعديل التسميات والصياغات بما يناسب توجهات النظام، تراجعت البروباغندا التقليدية الذي كان النظام السوري يستخدمها بشأن أهمية وجوده في محور المقاومة، وبشأن الدور الرئيسي الذي يمثله في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إذ تمّ محو اللغة الخطابية السورية المتوعدة للاحتلال والناقدة للعرب المتخاذلين، إذ يبدو أن تطبيع العلاقات مع دولة الإمارات فرض على المعدين والمحللين حجب لغة ذم العرب المتواطئين مع الاحتلال، لتغرق التحليلات في تكرار بديهيات وحشية الاحتلال.

في مثال يوضح هذا الجانب من الحجب، يمكننا العودة إلى يوم الأربعاء 11 تشرين الأول، بعد أربعة أيام على عملية طوفان الأقصى، عندما انتشر اسم سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات العربية، بعد إطلاق قذائف من الجبهة السورية نحو الاحتلال الإسرائيلي سقطت في مناطق مفتوحة، بالتزامن مع عمليات قصف متبادل على الجبهة الجنوبية اللبنانية. لم يتردد الإعلام السوري من حذف الخبر من نشرات أخباره، في محاولة لتهميش الخبر وعدم إبرازه أمام الجمهور السوري.

وقد تكرَّرَت «مواقف» و«تحليلات» مشابهة على الهواء مباشرةً خلال بث التلفزيون السوري، ففي الأيام التي كان الناشطون في العواصم العربية يحتجون فيها أمام السفارات المصرية لفتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، بعد مجزرة المعمداني  وينددون بصمت الأنظمة العربية وحكامها، أثنى مذيع القناة السورية الحكومية على «تقدُّم» مواقف الأنظمة العربية وحُكامها المتضامنة مع غزة، ليضيف عضو القيادة القطرية لحزب البعث خلف المفتاح إلى هذا شكر مصر والسعودية على مواقفهما، ويؤكد على مواجهتهما لأميركا كما يفعل محور المقاومة، دون التطرق لحيثيات التطبيع العربي مع إسرائيل ونتائجه المباشرة على الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهالي قطاع غزة.

انفصام الحقيقة واستخلاص العبر

ثمة عرفٌ أو عادةٌ متكررة تفرض على مذيعي ومحللي إعلام النظام السوري استخلاص العبر من المشهد، ومع استمرار الإبادة الجماعية والاجتياح البري الإسرائيلي لقطاع غزة، لم يتردد المحللون على شاشات النظام السوري في تقديم تجربة سوريا في «الحرب على الإرهاب» مثالاً للانتصار، بل ويمكن الاستفادة منه لمواجهة قوى «التكبُّر» العالمية والمجتمع الدولي.

ضمن التغطية الخاصة التي يقدمها جلال إبراهيم على قناة الإخبارية السورية، لم يتردد ضيفه في دعوة العرب والفلسطينيين لتشكيل تحالفات مثل تلك التي نجحت من خلالها سوريا بقول «لا» لأميركا، لتكون تجربة سوريا في السنوات الأخيرة هي النموذج الذي يمكن أن يحرر العالم وفلسطين، خاصة أنها نجحت في مواجهة 80 دولة وشجعت الكثير من دول العالم على عدم الانصياع للغرب.

مع ذلك، لم تستطع غرف الأخبار أن تتجنب طرح أسئلة تنطبق على الواقع السوري، وذلك نتيجة التشابه بين كثير من ممارسات الاحتلال في فلسطين وممارسات النظام في سوريا. مثلاً: «ما الهدف من المجزرة؟». يبدو السؤال حقيقياً على التلفزيون السوري، ولم يذهب برنامج «استديو الحدث»  الذي تقدمه ميشلين عازار على قناة الإخبارية السورية بعيداً جداً في الإجابة، إذ أجاب ضيفها مدير شبكة البوصلة الاعلامية أن الحكومة الإسرائيلية «العاجزة ضمن واقع اقتصادي صعب وهجرة مستمرة بسبب الوضع الأمني المعقد من مصلحتها أن تستمر الحرب، وبالتالي فإن فشلها هو الذي يدفعها لارتكاب المزيد من المجازر».

مع غياب أي مساحة نقدية متاحة أمام ضيوفه ومُحلليه، لم يتردد إعلام النظام السوري في استغلال أحداث الإبادة الجماعية في غزة، وذلك من خلال تبني خطاب تظلمي يُشبّه ما يمر به الفلسطينيون اليوم في المحافل الدولية بما مرّ به النظام السوري في «حربه على الإرهاب». يتحدث إعلام النظام عن الصمت العالمي على الجريمة التي يرى النظام نفسه ضحيتها، مستخدماً مقاربات ملتبسة تستغلّ الدم الفلسطيني بلا مبالاة، لإنتاج سردية يحاول دائماً أن يبدو ضحيتها وأن يحجب من خلالها ما ارتكبه من مجازر.

السلطة التي يريد العالم تغيير بوصلتها

بعد القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في السعودية في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، التي حضرها بشار الأسد، خصَّص الإعلام السوري الاستديوهات لتغطيات خاصة لمشاركته تلك، شرح فيها المقدمون والمحللون دور سوريا ورؤية المستقبل في عيون النظام السوري. وفي وقت تناول فيه الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي والمحللون على القنوات العربية مخرجات القمة، وتحدّث كثيرون منهم عن العجز الذي سيطر عليها والخيبة من بيانها الختامي الذي اعتمد صياغات خطابية تقوم على المناشدات والدعوات بينما تستمر الإبادة الجماعية في غزة، كانت الاستديوهات التحليلية في الإعلام السوري تحاول استعادة أمجاد ضائعة، وتتحدث عن ظهور استثنائي لرئيس النظام السوري بعد محاولة العالم حجب صوته.

بعد القمة مباشرةً، وأثناءها، قدمت «التغطية الخاصة» على قناة الإخبارية السورية المُحلّل السياسي محمد خير العكّام عضو مجلس الشعب، الذي حاول أن يرى دور سوريا في العالم!! لنرى إعلاماً غير مفهوم، يحاول أن يُقيّمَ المكانة السياسية لنظامها ويمدحه في سياق حرب إبادة جماعية ترتكب فيها جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني.

يرى العكّام أن «الحرب على سوريا» في السنوات السابقة كانت لإخفاء هذا الصوت، أي صوت بشار الأسد، لأنه القادر على توجيه البوصلة إلى مكانها الصحيح. بل ذهب أبعد من ذلك إلى القول إن الأسد هو «الرجل الوحيد» القادر على حل جذور المشكلة، وهو الذي استطاع بظهوره في هذه القمة دحض توقعات أميركا وإسرائيل بمحو هذا الصوت المؤثر، مؤكداً أن سوريا حوربت وسوف تُحارب لأنها لا تريد الجولان المحتل فقط بل تريد تحرير فلسطين.

ضمن مرحلة الترقب والمطالبات والمحاولات لإيقاف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهالي قطاع غزة، لم يتنازل الإعلام السوري عن «نظرة بطولية» لا يرى فيها سوريا كجزء من العالم، بل يعتمد معالم خطابية وبلاغية تتحدّث عن تفوق النظام على نفسه وعلى العالم، من خلال حجب ما لا يناسبه من المشهد والاستغلال الممنهج للقضايا. أما الأهم فهو الضيوف المتنافسون لصالح ابتكار الصورة المنتصرة لنظام الأسد، وتكديس الخيال لدى المتابع من خلال ربط الحدث برواية انتصار سوريا على «الإرهاب»، ما يدفعهم لإهمال بعض الحقائق الجوهرية لأن الاعتراف بها قد يكون مخجلاً، مثل التطابق العملياتي على الأرض بين ما يقوم به جيش الاحتلال في غزة وما فعله جيش النظام في سوريا، أو تحليل حقيقة أن الاتصال الأول للنظام السوري بعد طوفان الأقصى كان مع دولة الإمارات، الأمر الذي مر مرور سريعاً لثوان في نشرات الأخبار، وتم حذفه تماماً من تحليلات السياسيين في الاستوديوهات السياسية، وهذا ليس غريباً على إعلام النظام السوري، الذي لطالما اعتمد لزوجة البلاغة والتحليل، التي ترتكز على صورة سوريا القوية التي كانت ضحية لقوى «الاستكبار» العالمي ولكنها انتصرت عليهم جميعاً!