في مطلع 2022، انتهت في مدينة كوبلنز في ألمانيا محاكمة سورييَن على جرائمهما في سورية وبحق سوريين، ونال أحدهما حكماً بالسجن لأربع سنوات ونصف، والثاني مدى الحياة.

تنطلق هذه المناقشة من المحكمة وحُكمها، لتنظر في مبدأ حقوق الإنسان على أعتاب انقضاء 75 عاماً على صدوره، وفكرة «الحق في الحقوق» التي تنقلنا بدورها إلى نطاق السياسة والاجتماع السياسي، وهذا على خلفية المحنة السورية المديدة.

المحكمة والكتاب

كانت «محكمة كوبلنز» مُناسَبةً وموضوعاً لكتاب مهم صدر قبل شهور قليلة بثلاث لغات، العربية والألمانية والإنكليزية، من تحرير فولفغانغ كاليك وباتريك كروكر: محاكمة جلادي الدولة السورية، ساهم فيه سوريون وألمان. المحكمة انضبطت بمبدأ «الولاية القضائية الدولية»، التي يبدو أنها تقوم على قناعة بأن «بعض الجرائم خطيرة لدرجة تؤثر على سكان العالم، بغض النظر عن الحدود التي تفصل البلدان» بحسب مقالة هانا الهيتامي، وهي صحفية مستقلة مقيمة في برلين، وإحدى المُساهِمات في الكتاب. على أن الهيتامي تستدرك بأن حصر لغة المحكمة باللغة الألمانية يعاود نصب الحدود التي يُفترض أن مبدأ الولاية القضائية الدولية يعمل على تخطيها. وهو ما حال دون استفادة جمهور متابعي المحكمة السوريين، من داخلها وخارجها، من إمكانية الاستماع إلى ترجمة شفهية فورية. الكاتبة تتساءل: «ما مغزى العدالة إذا لم يتمكن المتضررون من متابعة إجراءاتها؟». إلى ذلك، رفضت المحكمة تسجيل إجراءات المحاكمة، وعلّلت ذلك بأن «تسجيل المُحاكمات يتم فقط في حال كان لها أهمية تاريخية لألمانيا، وبأن هذه المحاكمة ذات أهمية تاريخية للسوريين والسوريات فقط» بحسب الهيتامي، وكذلك بحسب أنتونيا كلاين، وهي محامية ومستشارة قانونية، اتخذت من هذه العبارة الفظة وقليلة الاحترام عنواناً لمساهمتها في الكتاب. هذا حرمانٌ للسوريين من حق التذكُّر في ألمانيا، أو من أن تكون ألمانيا مجالاً من مجالات ذاكرتهم، بقدر ما إن حصر مداولات المحكمة باللغة الألمانية يحرم أكثرهم من المتابعة النشطة.

وإنما لذلك أجد نفسي غير متفق مع الصديقة ماريانا كركوتلي، في قولها: «كانت [محاكمة كوبلنز] الفرصة الأولى للسوريين والسوريات لاكتساب صورة إيجابية عن المحاكم والنظام العدلي، حيث أتيح للضحايا، والناجين والناجيات من انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، الفرصة لممارسة حقهم في أن تكون لهم حقوق [الإبراز من الكاتب)، [وهو] ما لم يحدث في سورية أبداً» من قبل. ماريانا حقوقية سورية شابة تعيش لاجئة في ألمانيا منذ عشر سنوات، ومن المُشارِكات في الكتاب، إلا أن إحالتها الضمنية إلى فكرة آرنت عن الحق في الحقوق في الفقرة المقتبسة لا تبدو وجيهة. فلنا حقوق كلاجئين في ألمانيا وفي بلدان أوروبية أخرى، خلافاً لما هو الحال في تركيا ولبنان والأردن، لكن ليس لنا حقٌّ في الحقوق لا في ألمانيا ولا في غيرها. ومن حازوا الجنسية منا لهم حقوقٌ كمواطنين، وننال حماية القانون عموماً، لكن لا نتمتع بالحق في أن تكون لنا حقوق بوصفنا لاجئين سوريين. محكمة كوبلنز من حيث قواعد عملها ومن حيث القوانين الناظمة لأحكامها ومن حيث قُضاتها، كما من حيث لغتها ومن حيث (عدم) تسجيل جلساتها، ألمانية 100%. وفي واقع الأمر، لم تكن المحكمة حقاً لنا أصلاً، دع عنك أن تعني «ممارسة الحق في الحقوق». لقد صادف أن المُتهميَن يعيشان في ألمانيا، ويتبعان بهذه الصفة نظام الحق الألماني الذي عرف عنهما أشياء لا يتساهل بها. هناك حقٌّ جزئيٌ للسوريين في تقديم شهادات، ولكن هذا ذاته لأن نظام الحق الألماني يوفر أساساً الولاية الدولية لأجهزته القضائية.

ليس الغرض بحال التقليل من قيمة محكمة كوبلنز. فقد أتاحت لعدد لا بأس به من سوريين وسوريات أن يرووا قصصهم في سياق قضائي مُتوافق مع أفضل ما هو مُتاح من مبادئ العدالة في عالم اليوم القائم على حصر الحق في الحقوق في وحداته المسماة الدول- الأمم، كما سلَّطت الضوء على نسق مُستقِرّ من التعذيب يقوم عليه الحكم الأسدي، وَصَفهُ الناشران بحق بأنه «الحمض النووي للنظام». الغرض بالأحرى هو إعطاء فكرة عن تقويض الأساس الاجتماعي السياسي للحق في الحقوق في سورية، ثم التشكُّك في فرص أي عدالة حقوقية مفصولة عن العدالة السياسية.

الحق في الحقوق والإبادة السياسية

ظهرت فكرة الحق في الحقوق في عمل حنة آرنت، جذور التوتاليتارية، بالصورة التالية: «لقد صرنا على وعي بوجود حق في الحقوق (…) وحق بالانتماء إلى مجموعة منظمة من نوع ما، فقط بعد أن ظهر ملايين الناس ممن فقدوا هذه الحقوق ولم يستطيعوا استعادتها بسبب الوضعية السياسية العالمية الجديدة». آرنت تتكلم على ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وقتَ كان ثمة ملايين اللاجئين في أوروبا بلا بيوت، بلا دول، وبلا حقوق. رهنت المُنظّرة السياسية الألمانية-الأميركية الحق في الحقوق لا بالإنسان الفرد المجرد، على ما يقرر ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي كان حديث الإعلان وقت صدور كتابها، بل بالاندراج في جماعة سياسية مُنظّمة، وفي إطار دولة أو مجتمع سياسي مُنظّم.

والجماعة السياسية المُنظَّمة هي ما استُكمِلَ تحطيمه في سورية في العقدين الأولين من حكم حافظ الأسد (1970-2000). يعيش السوريون منذ عقود مُحصِّلات ذلك، وهي تتمثل في حرمان مستمر لهم، بمن فيهم الموالون، من العدالة. «يسيطر النظام الحاكم [في سورية] على النظام القضائي بُغية تحقيق أهدافه واستغلال القضاء ضد المدنيين والمدنيات الذين يحتجون ضده»، على ما تقول بحق ماريانا كركوتلي. وعبر ذلك وغيره جرى تحويل السوريين إلى أشبه بلاجئين في بلدهم مثلما سيصيرُ سبعةُ ملايين منهم في السنوات العشرة الأخيرة حشوداً من بشر يُعامَلون وفق مبدأ الإحسان في بعض الدول، تمييزياً وبعدائية في دول أخرى، وبحقوق لاجئين إنسانيين ولكن دون حق في الحقوق في بلدان ثالثة، منها ألمانيا التي تؤوي ما قد يقترب من مليون سوري.

عقد الثمانينات شهد وجهين للإبادة السياسية (بوليتيسايد) لمعارضي النظام: إبادة المنظمات اليسارية عن طريق سنوات طويلة في السجون، تبدأ بالتعذيب وربما تنتهي به، وإن مع قتل عدد محدود من أعضائها، ثم إبادة المعارضين الإسلاميين مع قتل الألوف منهم والألوف من بيئاتهم الاجتماعية، سواء أثناء التعذيب أو في أحكام إعدام عشوائية. كان هذا بمثابة قتل سياسي للمجتمع السوري، وهو ما يَسَّرَ توريث الحكم لبشار الأسد. المذبحة جاءت قبل المملكة، أو قبل التحوُّل السلطاني لـ«الجمهورية العربية السورية» إلى سلطنة محدثة يجري توارث الحكم فيها ضمن العائلة الأسدية.

لكن رغم التوريث والخصخصة، ورغم الإبادة السياسية خلال العقدين السابقين، لملم سوريون قواهم في «ربيع دمشق» (أقل من عام واحد بين 2000 و2001)، وأنتجوا شكلاً مبتكراً لاستحقاق الحق في الحقوق: المنتديات، التي هي أبرز تعبيرات ذلك الربيع الوجيز. ما هي المنتديات؟ تَجمُّعات في مساكن خاصة لما بين عشرات ومئات من المهتمين يتكلمون في الشؤون العامة كلاماً نقدياً. هذا المزيج من الاجتماع والكلام يُذكِّر بمفهوم حنة أرنت للسياسة في الشرط الإنساني بأنها الفعل والكلام، وضمنياً في فضاءات عامة. نعلم أن «ربيع دمشق» حُطِّمَ بعد أقل من عام واحد، واعتُقل بعض أبرز رموزه.

محرومين من الاجتماع ومن الكلام والفضاءات العامة، عاشَ السوريون بنسبة 100%  تحت خط الفقر السياسي أكثر من نسبة من عاشوا منهم تحت خط الفقر المادي، ربما ما لا يزيد عن 20% في الثمانينات (37% عام 2007، وفوق 90% اليوم). كانت الثورة السورية عام 2011 انتفاضة ضد الفقر السياسي في الأساس، استمراراً مغايراً لـ«ربيع دمشق». وكان المطلب، وقتها واليوم، هو العدالة السياسية، بمعنى ضمان حقوق الكلام والاجتماع، وبالتالي كذلك التعبير والتنظيم والاحتجاج، بما يُتيح للسوريين التشكُّلَ كجماعة سياسية لها الحق في الحقوق، هي الأساس لعدالة حقوقية، تضبط المنازعات الحقوقية بين السوريين. وبينما تعني العدالة الحقوقية المساواة أمام القانون، فإن العدالة السياسية تعني المساواة خلف القانون، أي في صنع القوانين والتشريعات من قبل مُشرّعين مُنتخَبين، مما هو تحدي اليوم والغد في سورية.

لا يجري إيراد هذه المعطيات فقط لأنها غير معلومة على نطاق واسع، ولكن كمحاولة لشرح القضية السورية بلغة كونية، وللقول إن غير قليل من تاريخ البلد خلال الأربعين عاماً الماضية مكتوبٌ في ما تعرَّضَ له المجتمع السوري من إبادة سياسية وضعته دون مستوى الحق في الحقوق، ليصير السوريون أتباعاً ورعايا، فلا ينالون شيئاً إلا كمكرُمة أو عطاء من «القائد»، مثلما صار يقال بالفعل منذ ثمانينات القرن العشرين. وكرعايا وأتباع، السوريون كلهم، بمن فيهم الموالون للنظام، ليسوا مواطنين. وهم بلا حمايات قانونية، بلا حقوق ولا حق في الحقوق، نماذج من إنسان جيورجيو أغامبن المباح (HOMO SACER) الذي لا يشكل الاعتداء عليه وقتله جريمة، وهو ما رأيناه متواتراً بخصوص اللاجئين السوريين في تركيا مؤخراً، وقبلها لبنان، لكن أساسه هو الاستباحة العامة في «سورية الأسد».

حقوق الإنسان والبنية السياسية للعالم

والواقع أن بنية العالم القائمة، المُكوَّنة من دول قومية، لا تسمح بأن يكون للإنسان بما هو كذلك حقوق. ما تقوله فكرة حقوق الإنسان هو أن الإنسان، وليس مشيئة الله ولا أعراف التاريخ، هو مصدر القانون، بحسب آرنت في كتابها نفسه. لكن الإنسان غير موجود كما ستقول آرنت في أعمال لاحقة، وما هو موجود أناسٌ عديدون متنوعون، مُوزَّعون على أمم وثقافات وطبقات، وكان غير قليل منهم عبيداً وقت صدرت مواثيق الحقوق الفرنسية والأميركية. بعد الثورة الفرنسية بقليل تفجّرت ثورة هايتي ضد العبودية ومن أجل تحرر الأكثرية السوداء واستقلال البلد، وتعرضت لحرب من فرنسا ما بعد الثورية، واعتُقل قائد الثورة توسان لوفرتور وسجن في فرنسا حيث سيموت في سجنه. يمكن لفكرة حقوق الإنسان أن تكون مطابقة فقط إذا كان العالم وحدة سياسية، وهو ليس بعيداً عن ذلك اليوم فقط، وإنما يبدو أننا نتجه نحو مزيد من التجزؤ والاستقطاب والنزاعات غير التحررية.

ومن أجل تقديم مثال قريب وواضح على التعارض بين مبدأ حقوق الإنسان والبنية العالمية القائمة، المكونة من دول قومية أو تحالفات دول قومية، تكفي العودة بضع سنوات إلى الوراء، إلى زمن «أزمة اللاجئين» عام 2015. لم تكن «الأزمة» وقتها وجود لاجئين مُهجَّرين من بلدانهم، ولا الأوضاع السياسية والأمنية والمعيشية في بلدانهم، بل معاناة أوروبا من طرْقهم أبوابها ودخول مئات الألوف منهم تلك الأبواب، معظمهم سوريون. الطريق الذي سلكه معظم اللاجئين في ذلك الوقت هو من السواحل الغربية لتركيا على البحر المتوسط إلى اليونان، ثم منها براً عبر البلقان إلى ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى. سجلت ألمانيا في ذلك موقفاً تاريخياً بفتح الحدود بقرار من المستشارة أنجيلا ميركل، لكن تبع ذلك فوراً تقريباً مسعىً آخر، تمخَّضَ عن اتفاق تركي أوروبي في شباط (فبراير) 2016، قضى- بين أشياء أخرى- بأن تضبط تركيا حدودها وتَحولَ دون انطلاق اللاجئين منها إلى اليونان، وأن يقدم الاتحاد الأوروبي معونات لتركيا، ثلاثة مليارات يورو حينها، من أجل إبقاء اللاجئين فيها. حتى ذلك الوقت كانت الحدود بين سورية وتركيا مفتوحة، وكان يمكن لحملة جواز السفر السوري أن يدخلوا تركيا دون تأشيرة دخول (فيزا). بعد الاتفاق صارت الفيزا إلزامية، فلم تعد تركيا المركز العالمي للجوء السوري مثلما كانت بين 2012 ومطلع 2016 بخاصة. والأسوأ أنه جرى تقييد حركة السوريين داخل تركيا نفسها، فلم يعد يمكن لأي منهم الذهاب إلى مدينة تركية أخرى دون موافقة مسبقة، تستهلك منهم وقتاً دون أن تكون مضمونة في النهاية. وهكذا جرى انتهاك حق أولي من حقوق الإنسان، الحق في الحركة، بعلم ومباركة ضمنية من دول الاتحاد الأوروبي. ولسنا محتاجين للقول إنه لم يَجرِ قطّ إدانة هذا الانتهاك الفادح من دول تتكلم عادة على انتهاكات حقوق الإنسان حين لا تكون هي صاحبة المصلحة فيها.

فتح هذا باباً لتدهور أوضاع السوريين (وعموم المهاجرين) في تركيا بلغ في العامين الأخيرين مستوى التمييز العنصري. وضع الهومو ساكر؛ الإنسان المستباح، الذي تقدمت الإشارة إليه باتَ مُحقَّقاً بالفعل من حيث أنه يمكن الاعتداء على سوريين، وصولاً إلى القتل، دون أن يُعتبَر ذلك جريمة.

والواقع أن هذا الوضع مكتوبٌ في عدم الاعتراف بالسوريين كلاجئين، وهو بدوره بفعل اتفاقية تركية أوروبية تعود إلى عام 1951، لا تقر بصفة اللاجئين لغير الأوروبيين. عُوملَ السوريون كضيوف، وهو ما يضعهم خارج القانون عملياً، أو بالأحرى خارج الحقوق المفترضة لمن يحظون بالحماية المؤقتة، لكن مع قيامهم بالواجبات وفق القوانين التركية. هذا الوضع الذي يعتمد على نيات المضيف واحتياجاته، ومنها مثلاً احتياجاته الانتخابية التي دفعت أردوغان وحزبه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أيار 2023، إلى ما يقارب المزايدة على الأحزاب القومية العنصرية، الكمالية واليمينية، بخصوص إعادة اللاجئين السوريين. وهو ما كشف أي غطاء سياسي عن اللاجئين المفتقرين في الأصل إلى غطاء قانوني.

ما نراه هنا ليس قوى فاسدة شريرة تتعمّد إيذاء غيرها. فتركيا آوت بالفعل فوق ثلاثة ملايين ونصف مليون سوري، نعموا بشروط حياة معقولة فيها طوال أربع سنوات أو خمس، وأوروبا آوت حقاً نحو مليون سوري. لكن هذا يعزز ما تريد هذه المناقشة قوله، ولا يوهنه: المشكلة في البنية وليس في النية، أو أن النية تابعة للبنية. لا حقوق للإنسان بما هو كذلك في عالم يقوم على القوميات وتحالفاتها (أو يقوم على الأديان، أو «الحضارات»)، والضيافة التي هي من فضائل الأفراد والعائلات، ليست من فضائل الدول ولا يُعوَّلُ عليها في العلاقات بين الكتل البشرية الكبيرة. الحق في الحقوق محصور في بعض الدول القائمة، ليس بينها أكثر الدول العربية، وبخاصة سورية التي تعرضت لتصحير سياسي جائر ومديد، هو ما يشرح كفاية تناثر السوريين في 127 بلداً خلال العقد الماضي، بحسب تقرير لمرصد حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) صدر في مطلع 2022.

لدينا في المحصلة مشكلتان كُبريان: مشكلة وطنية سورية تتمثل في خصخصة الدولة وإبادة المحكومين سياسياً، وقتلهم وتهجيرهم بالجملة حين يتمردون؛ ثم مشكلة في بنية دولية تقصر الحقوق على المواطنين، وبخاصة من الإثنية الأكثرية، مع درجات متفاوتة من التمييز ضد المهاجرين، بمن فيهم من حصلوا على حق المواطنة. وبعد تدويل القضية السورية بِدءاً من عام 2013 (المجزرة الكيماوية الكبرى، ثم الصفقة الأميركية الروسية التي أعقبتها، وتقضي بإعفاء النظام من العقاب على انتهاكه القانون الدولي، وهو ما حصل، مقابل تجريده من السلاح الكيماوي، وهو ما لم يحصل)، ثم التدخل الأميركي عام 2014، فالروسي عام 2015، فالتركي 2016، ودوماً ومنذ البداية الإيراني، وقبل الجميع الإسرائيلي؛ أقول بعد التدويل أخذت المشكلتان تترابطان بنيوياً، بحيث يبدو مُتعذِّراً التقدم على مستوى الحقوق في سورية دون تغيير في البنية الدولية. هذا مأساوي وليس بشارة خير بحال، إذ أنه يُنذِرُ بمعاناة مفتوحة لا تنتهي في البلد المنكوب. والمَخرَج الوحيد الذي ينفتح عليه ارتطام مطلب امتلاك البلد ببنية محلية ودولية متحجرة لا تسمح بتحقُّقه هو تكسُّر سورية الراهن، المرشح للترسخ مع تماديه في الزمن.

وظاهرٌ في الواقع أن التكسُّر السوري مرعيٌ دولياً. فإحدى السوريات الأربعة القائمة اليوم السيادةُ فيها للأميركيين، وإحداها السيادةُ فيها للأتراك، والسيادةُ في «سورية الأسد» للإيرانيين والروس، وتسيطر هيئة تحرير الشام ذات الأصول السلفية الجهادية على محافظة إدلب وبعض مناطقها. وهذا دون نسيان مرتفعات الجولان المحتلة منذ عام 1967، وقد ضمّتها إسرائيل منذ عام 1981. وهذا يعني أن ما يَحولُ دون ملكية السوريين لبلدهم لا يقتصر على السلطنة الأسدية، بل يشمل كذلك تلك القوى الدولية والإقليمية النافذة، التي كان أثرُ وجودها في سورية هو المزيد من نزع ملكية السوريين لسورية والمزيد من تغريبهم عنها، بالمعنيَين الحرفي والاصطلاحي لكلمة تغريب.

هل، إذن، لا مَخرَج؟

مقتضى التحليل يُرجِّح ذلك، وهو ما يترك الكاتب مُوزَّعاً بين الأمانة لتحليله وبين فتح نافذة صغيرة للأمل. لكن استقرَّ أمرُ كاتب هذه السطور بعد تجارب قاسية خلال جيلين على أن الأمل، ومثله اليأس، مسألة اختيار، وليس شيئاً يُستخلَص من تحليل معطيات الواقع. واختياري هو النظر إلى الواقع بعين الأمل وليس اليأس، وهو ليس خياراً بلا سند وإن لم يكن سنداً تحليلياً. سند الأمل هو المفاجئ الذي لا يكفّ عن الحدوث، بل المستحيل الذي يبدو أنه يقع أكثر من غيره، وهو ما يعني أنه مهما يكن الواقع سيئاً، فإنه غير مغلق ولا أحد يتحكم به.

في هذا ما يحرر مطلبَ المعرفة من دواعي خدمة المعنويات وراحة النفوس. لكن فيه كذلك ما يحرر الأمل من مقتضيات المعرفة واعتباراتها المستقلة عن المشاعر ومراعاتها. نأمل لأننا نُفضِّلُ الأمل على اليأس، وليس لأننا نستنتج الأمل من شيء آخر. ونعرف لأننا نريد أن نفهم ونتوجه في العالم بسداد.

استطراد

كُتِبَ مَتنُ هذا النص قبل غزة بأسابيع طويلة. وبنظرة إلى ما جرى ويجري طوال أكثر من شهر ونصف، يبدو التشكُّك في مبدأ حقوق الإنسان منفصلاً عن الجماعات السياسية المنظمة أكثر وجاهة. لنا حقوق فقط إن كان لنا حق في الحقوق، والمساواة أمام القانون لا تقوم على غير المساواة وراء القانون، أي المساواة السياسية. وهذا ما يُنال بالنضال، يعطيه الناس لأنفسهم، ولا يعطيه لهم أحد. والنضال يمكن أن يخسر بسبب تناقضاته الداخلية أو يُهزم أمام أعداء أقوياء. ونحن نعرف الخسارة والهزيمة في تجربتنا السورية، وفي التجربة الفلسطينية كذلك، وهما تجربتان عالميتان، وإن بصورتين مختلفتين. ولذلك فإن النضال من أجلهما عالمي، ويمكنه أن ينتصر إذا تعلَّمَ من تجاربه، ونظم قواه وعمل مع شركائه في العالم، ونسق بين مناهجه وأهدافه، وتحلى بالدأب الصبر.

هناك سلفاً تَغيُّرات مهمة: في إطارنا العالمي، يظهر كل يوم أننا نعرف خصومنا وأعداءنا أفضل مما يعرفوننا (لم يكن الحال كذلك حتى وقت قريب)، أننا أكثر تحرراً من مركبات النقص مما هم متحررون من مركبات التفوق، وأن شركاءنا في العالم أفضلُ أخلاقياً وفكرياً وسياسياً من شركاء أعدائنا. ثم أننا لا نخسر بالمفاجئ السيء لنا بقدر أن يخسر أعداؤنا بالمفاجئ السيء لهم، لأن لدينا في الأصل القليل لنخسره، والكثير لنكسب.