صبحي حديدي

 

في الولايات المتحدة، وعموم الغرب المناصر لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بدأ التوصيف تحت مصطلح «النزاع الإسرائيلي ـ العربي»؛ ثم انتقل، بعد صعود «فتح» وفصائل المقاومة منظمة التحرير الفلسطينية، إلى صيغة «النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني»؛ ومنذ فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة، وقبله نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006، استقرّ الاصطلاح على «النزاع الإسرائيلي مع حماس» خصوصاً لجهة ما تتيحه العبارة من استسهال تامّ في إلصاق صفة «الإرهاب» بالحركة الفلسطينية.
غني عن القول إنّ سلسلة من التحولات السياسية والعسكرية، الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، لم تكن فاعلة في استيلاد هذه المصطلحات، فحسب؛ بل أقحمت عليها، أو على كلّ منها إذا شاء المرء التدقيق أكثر، تبعات متعددة الأنساق والأشكال والوسائل، الجيو ـ سياسية والعسكرية والأمنية، من دون استثناء التفريعات الخطابية التي جرى تدريجياً تعميمها في مفردات الاستخدام اليومي لوسائل الإعلام ومراكز الأبحاث و«خزانات التفكير» هنا وهناك في المناطق إياها، أي الولايات المتحدة على نحو خاصّ ثمّ أوروبا الغربية استطراداً.
وإذا صحّ أنّ مفردة «نزاع» ليست في حدّ ذاتها قاصرة وركيكة ومنفصلة عن واقع الحال الذي تزعم التعبير عنه فقط، لكنها أيضاً تضليلية عن سابق قصد وتصميم؛ وهذا وجه أكثر خطورة في واقع الأمر، لأنّ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزّة ليس نزاعاً بين طرفين متخاصمين، بل هو احتلال في أوّل المطاف ونهايته، استناداً إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وهذا إلى جانب أنه نهج استعمار واستيطان ومصادرة أراض وتمييز عنصري وكيان يُنهض مقومات وجوده كـ»أمّة» على أساس المحتد الديني اليهودي، وليس المواطنة في حدودها الدنيا التي تعترف بها (ولا تكفّ عن التبشير بها) الديمقراطيات الغربية ذاتها، المناصرة لدولة الاحتلال.
عند هذا المستوى من السجال، لا يكون تجريد «حماس» من ركائز معمارها الابتدائي، كمنظمة سياسية واجتماعية وإيديولوجية وعسكرية في آن معاً، سوى اصطفاف أعمى خلف استراتيجية إسرائيلية قديمة ترتد إلى حقبة احتلال القطاع سنة 1967، لكنها دائمة التجدد والتنويع بوسائل شتى لا تبدأ من الحصار الخانق ولا تنتهي عند خمس حروب همجية سقط خلالها آلاف المدنيين الفلسطينيين وسًوّيت بالأرض أحياء كاملة في غزّة المدينة وبلدات ومخيمات دير البلح وخان يونس وجباليا ورفح والشاطئ. وأياً كان اختلاف المرء مع «حماس» الحركة، و«حماس» العقيدة الإيديولوجية، و«حماس» الحكومة في القطاع منذ 2007؛ ثمّ خيارات قياداتها السياسية في التذرّع بمبدأ «التواجد» لاتخاذ مواقف تحالف متقلبة من أطراف مثل نظام آل الأسد في سوريا ذات تاريخ دامٍ وخياني بصدد قضايا الشعب الفلسطيني… فإنّ اختزال «حماس» إلى مجرد تنظيم عسكري يجافي المنطق الأبسط في أية قراءة سياسية ـ اجتماعية تدّعي التبصّر والإحاطة، من جانب أوّل؛ كما أنّ ردّ الاختزال إلى مقارنات تبسيطية بين العلمانية مقابل الأسلمة والمجتمع المدني مقابل الحكم الإسلامي، إنما يُفقد المجتمع الفلسطيني حيوية أي اجتماع بشري من حيث الديناميات الداخلية الفاعلة.

الاختلاف مع «حماس» أمر لا يتطابق، أو هكذا يقول المنطق السليم، مع إغلاق العقل أمام حقائق الاجتماع السياسي الفلسطيني خلف العقيدة الإسلامية التي تعلنها الحركة؛ ليس في القطاع وحده، للإيضاح الحاسم، بل على امتداد فلسطين بأسرها

لا يُستغرب اللجوء إلى أيّ من طرائق الاختزال، وسواها، لدى الرهط ذاته المناصر لدولة الاحتلال في الولايات المتحدة والغرب عموماُ، وقد يصحّ هنا اقتباس كتاب ماثيو ليفيت «حماس: السياسة، الإحسان، والإرهاب في خدمة الجهاد» الذي صدر سنة 2006 عن منشورات جامعة ييل الأمريكية؛ ولا تأتي هذه السطور على ذكره إلا لأنّ كاتب المقدمة ليس سوى دنيس روس، دون سواه! ومنذ السطور الأولى في التقديم يعترف روس بأنّ انتصار حماس في الانتخابات التشريعية مطلع 2006 أبعدها عن موقع اللاعب الثانوي في المشهد الفلسطيني، وعزّز جاذبيتها لدى الفلسطينيين، لأسباب يسردها روس هكذا: «أنها ليست فاسدة في بحر الفساد الذي ميّز السلطة الفلسطينية» وهي توفّر «الخدمات، الطبية، ورعاية التلاميذ بعد المدرسة، ومراكز توزيع الأغذية» وهذا ما فشلت فيه السلطة الفلسطينية؛ كما أظهرت أنها «تستطيع إيذاء الإسرائيليين» الذين يواصلون إيذاء الشعب الفلسطيني.
الفقرات اللاحقة من المقدمة تنخرط في تأثيم «حماس» تحت التنميطات ذاتها التي تتكرر وتُستعاد في الأوساط الأمريكية والأوروبية المناصرة لدولة الاحتلال، غير أنّ اضطرار روس إلى البدء من واقعة الانتخابات التشريعية يتنامى في إشارات لاحقة نحو ما هو أشدّ خطورة وتسطيحاً وانحيازاً لصالح الاحتلال، ونحو المزيد من مستويات الاختزال بالطبع. وليس وارداً أن تكون ذاكرة روس، أو أيّ من نافخي الأبواق المماثلة في هذا الصدد، قصيرة حسيرة إلى درجة تتغافل عن حقيقة أنّ الانتخابات التشريعية الفلسطينية كانت «حرّة، ونزيهة، وديمقراطية» باعتراف منظمة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وبمصادقة وفد الاتحاد الأوروبي الذي راقب الانتخابات.
وما يُسمّى بـ «العالم الحرّ» ذاته الذي سكت في الماضي، ويسكت اليوم، عن جرائم الحرب الإسرائيلية ضدّ القطاع وأهله؛ هو الذي أحبط تجربة الانتخابات التشريعية الفلسطينية تلك، من جانب أوّل؛ واعتمد، من جهة ثانية، نهج الإفشال والتعطيل والحصار والمقاطعة، عامداً متعمداً. يومذاك لاح وكأنّ الناخب الفلسطيني قد تلقى الرسالة التالية من ذلك العالم، ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: لم يكن عليكم أن تمنحوا «حماس» هذه الأغلبية في المجلس، وممنوع عليكم في المستقبل أن تنتخبوا أغلبية لا تتفق معنا (أي: مع الإسرائيليين)؛ تحت طائلة تكرار ما جرى من حصار وتجويع وسفك دماء، وعواقب حروب عسكرية إسرائيلية خمس. ضدّ القطاع
جدير بالتذكير، إلى هذا، أنّ حكومة اسماعيل هنية كانت قد انقلبت إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الأمني ـ العسكري الحمساوي، الذي بلغ ذروة قصوى في إبطال القرار الشعبي الفلسطيني، ذاته الذي جاء بـ«حماس» إلى الحكومة؛ ولكن، في المقابل، كانت حكومة سلام فياض قد انقلبت لتوّها إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الرئاسي الذي سكت تماماً، لكي لا يُقال إنه شجّع، الذروة القصوى التي بلغتها أجهزة محمد دحلان، اقتفاء للغرض ذاته في الواقع: أي إبطال الفعل الديمقراطي الذي جاء بـ «حماس».
وليست خالية من المغزى هبّة عشرات الفلسطينيين في الضفة الغربية ضدّ سلطة عباس، بعد ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة المشفى المعمداني في غزّة، حين تعالى شعار «الشعب يريد «إسقاط الرئيس»؛ لأنّ اليوم الدامي هذا كان يذكّر بخطاب ناري ألقاه عباس أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في ذروة احتدام الصراع بين «فتح» و«حماس» حين وصف الأخيرة بأنها «إرهابية» و«انقلابية» و«تكفيرية». وإذا كان رئيس كلّ الفلسطينيين (وليس الزعيم الفتحاوي فقط، أخلاقياً ودستورياً على الأقلّ) أطلق هذه الصفات على أبناء شعبه ناخبي «حماس» فكيف يُستغرب من الخطاب الإسرائيلي أو الأمريكي وضع الفلسطينيين، جميع الفلسطينيين، في خانة الإرهاب؟
صحيح، بالطبع، أنّ عملية «طوفان الأقصى» ذكّرت بحضور «حماس» في قلب معادلات القضية الفلسطينية، ولكنها لم تفعل ذلك على مستوى العمل العسكري الصاعق وحده، ولا على أمدية صواريخ القسّام وحدها، بل على الأصعدة الأعمق للصراع العربي ـ الإسرائيلي في جانب أوّل؛ ولواحد من أوضح ميادين تمكين الحقّ أمام الباطل والقانون الدولي أمام غطرسة الانتهاكات الإسرائيلية، في عمق وعي الشعوب وضمائر الرأي العام العالمي وحركات المقاومة، من جانب ثانٍ.
والاختلاف مع «حماس» أمر لا يتطابق، أو هكذا يقول المنطق السليم، مع إغلاق العقل أمام حقائق الاجتماع السياسي الفلسطيني خلف العقيدة الإسلامية التي تعلنها الحركة؛ ليس في القطاع وحده، للإيضاح الحاسم، بل على امتداد فلسطين بأسرها، من البحر إلى النهر.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس