تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • آندريه تاركوفسكي.. السينما التي تجعلنا نفكر
  • أدب وفن

آندريه تاركوفسكي.. السينما التي تجعلنا نفكر

المحرر Editor 4 يونيو، 2026

أوس حسن… جريدة المدى
لا يمكننا فهم سينما المخرج الروسي آندريه تاركوفسكي وفقا ًلنظريات السينما ومنهجها الأكاديمي، ولا يمكن أن نُخضع أفلامه للنقد الفني الجامد أو التفسيرات العقلية المنطقية.
يمكننا النظر لأفلام تاركوفسكي كمرايا للروح والأعماق القصية، تماما ًكما ننظر لأي لوحة فنية أو نقرأ قصيدة شعرية مؤثرة، فنشعر بعدها بلذة فكرية ومتعة جمالية عميقة. فما يميز تاركوفسكي هو هذا الأفق الشعري اللامتناهي الذي كان ينظر به إلى الحياة والعالم برمته.
كذلك فإن سينما تاركوفسكي لا تنشغل بما يُروى، بقدر ما تنشغل بما يتبقى بعد أن ينتهي كل شيء. هناك دائما ًشعور خفي بأن الصورة عنده ليست نهائية، وإنما تحمل بداخلها أثراً لما غاب أو تلاشى، كأنها تستعيد ما لا يمكن استعادته عبر الحلم أو الذاكرة. لهذا تبدو أفلامه أقرب إلى حالات داخلية بطيئة، تتكشف على مهل وتترك أثرها في النفس قبل أن تفهم على مستوى الفكرة.
ومن هنا يصبح الفيلم السينمائي عنده مسرحا ًللأحلام والهواجس والذكريات والأسئلة الوجودية الكبرى. فيغلب على أفلامه طابع اللقطات الطويلة ومظاهر الطبيعة، ليصبح الفيلم نفسه عبارة عن حياة داخل حياة، أو زمناً مجتزأ من الحياة نفسها داخل الزمن السينمائي.
وعلى هذا الأساس، لا نستطيع محاكمة أفلام تاركوفسكي محاكمة سينمائية تقليدية، لأن أفلامه ذاتها لا تخضع لعناصر السينما المتمثلة بالحبكة والبناء الدرامي والتوتر الانفعالي السريع.
يشعر الإنسان بالحياة الساكنة وإيقاعها البطيء قبل شعوره بالصراع والتغيير. فالسكون في حياة الإنسان هو ما نقله تاركوفسكي إلى السينما، لذلك فنحن لا ننتظر في أفلامه بداية أو نهاية أو تنامي درامي سريع، هناك دائما ًحدث كما هي الأحداث التي تمر في حياتنا اليومية، وما يرافقها من تحولات في العالم الخارجي.
الزمن عند تاركوفسكي
لا يبُنى الفيلم عند تاركوفسكي على تعاقب الأحداث، بل على تراكب الحالات الشعورية، وعلى بطء زمني يسمح للأفكار بأن تنمو داخل اللقطة نفسها. بحيث يتمدد الزمن وينكمش ويصبح مادة قابلة للتشكيل وليس مجرد إطار محايد للوقائع والأحداث. لذا نراه يركز كثيراً على الفكرة وإيقاعها، لأنه يرى وفقاً لمنظوره الفني والفلسفي أن حيواتنا اللامرئية التي تمتد في أفكارنا من تأملات ورغبات وطموحات وعوالم ميتافيزيقية، هي حياة حقيقية ومتركزة بشكل مكثف في زمننا النفسي وشعورنا المستمر بالزمن. فالزمن هو العنصر الأساسي الذي يبنى عليه الفيلم عند تاركوفسكي، تماما ً كما الألوان عند الرسام، والكلمات عند الشاعر.
وهكذا كما في الأعمال الفنية والأدبية العظيمة يتحرر الزمن من مساره الكرنولوجي والخطي عند تاركوفسكي، ليصبح عبارة عن نقاط ودوائر متداخلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا هو تماما ًإيقاع أفكارنا الداخلية التي تشتبك فيها الأزمنة، ويجعلنا الصمت كائنات روحية متأملة خلف ظواهر عالمنا المادي والمحسوس.
شعرية السينما والبعد الفلسفي
تأخذنا كاميرا تاركوفسكي إلى شعرية السينما المتفردة، وإلى التفكير بواسطة الصور ورصد الظواهر الطبيعية رصداً دقيقاً، بحيث يصبح الإنسان نفسه أثرا ًعابرا ًوإشكالية وجودية حاملة للهم الميتافيزيقي.
ربما من الصعوبة أن نحلل أفلام تاركوفسكي برمزيتها وكثافتها الشعرية وفقا ًللسرد السينمائي المعتاد، أو البحث عن قصة ذات حبكة درامية لها بداية ونهاية. فلا مناص لنا أمام هذه الحالة سوى الاستسلام لرهبة الجمال، وجلال قدسية الفن وحده، وهذا ما سيمنحنا صفاءً ذهنيا ًللتفكير عن طريق العوالم الداخلية لشخصيات تاركوفسكي.
ألا يجدر بنا أن نقول إن تاركوفسكي كان صاحب هم معرفي وإنساني، وسيكولوجياً روحانياً لأزمة الإنسان المعاصر في حضارتنا الحديثة؟
وهذا سيتيح لنا قراءة تاركوفسكي كما نقرأ أي فيلسوف أو شاعر أو موسيقي، فسينما تاركوفسكي هي حياة مكثفة ومختزلة داخل الفيلم، تتداخل فيها القصيدة والسمفونية واللوحة والفكرة الفلسفية.
يرى تاركوفسكي أن وظيفة الفن هي وظيفة تطهيرية تطمح إلى الخلاص الروحي، وإلى فك قيد الإنسان من متعلقات العالم الخارجي وقيوده.
فالإنسان منذ فقد علاقته بالأرض والطبيعة، أصبح كائنا ًمشوها ًوممسوخا ًيطارد الأشباح والأوهام، ويعبد الأوثان.
والعالم عند تاركوفسكي ليس عالمنا المرئي والمرصود بحواسنا وإدراكاتنا، وإنما هناك عوالم لا مرئية غير مرصودة، وهذه العوالم يمكن ملامسة تخومها أو رؤيتها من خلال حواس غامضة ومضاعفة، قد تتمثل للإنسان في أحلامه ورؤاه الباطنية، أو من خلال قدرات استثنائية. أمّا العالم الذي نحياه فهو عالم رتيب وممل، عالم الظواهر السطحية الذي يخفي في أعماقه سحر اللامرئي واللامدرك.
تاركوفسكي والمفاهيم الوجودية
لم تكن سينما تاركوفسكي مجرد حقل بصري منفصل عن الأسئلة الكبرى التي شغلت الفكر الإنساني في القرن العشرين. فالكثير من أفلامه تشكلت في سياق ثقافي وفلسفي معقد، وبمحاولات الإنسان الحديث إعادة تعريف علاقته بالعالم بعد انهيار اليقينيات الكبرى، كما أنه تأثر بالفلاسفة الوجوديين، وبالروح الدينية الشرقية ولا سيما تأثره الشديد ببوذية الزن والكنفوشوسية والتاوية. لذا فالإنسان عنده كائن باحث عن المعنى ومتجاوز لتكوينه المادي والفسيلوجي المتمثل بالغرائز والحاجات. وبالمقابل تصبح الصورة عند تاركوفسكي وكأنها تحمل عبئاً ميتافيزيقيا ًيتجاوز وظيفتها التمثيلية.
وعلى هذا الأساس يعتبر تاركوفسكي أن الفن الذي حل محل الدين، وجد لتلبية غريزة الإنسان الروحية وربطها بالكمال المطلق، والجوهر اللامتناهي. والفن هو الطريق الذي يؤدي بالإنسان في نهاية المطاف إلى الحرية عن طريق فكرة العلو أو التسامي.
أما المفاهيم الوجودية فهي حاضرة عنده، كالعدم والقلق، والحرية والمسؤولية، إلا أن هذه المفاهيم لا تتمركز حول الذات بقدر ما تعتبر حركة عابرة في مسيرة الإنسان الروحية وتساميه فوق عالم المادة. ونمط الوجود الذي تخلقه الصورة عند تاركوفسكي، هو وجود أصيل ومتعالٍ، وكينونة لا تعرف الثبات ولا الاستقرار.
يرى تاركوفسكي في كتابه « النحت في الزمن» أن إحساس الشخص بالمسؤولية تجاه المجتمع يجب أن يكون مبنياً على اقتناع باطني بالدور الذي يتعين عليه أن يؤديه.
إن حرية الإرادة تعني بأننا نمتلك القدرة على النقد وعلى تقييم الظواهر الاجتماعية، بالإضافة إلى علاقتنا مع الآخرين، القدرة على القيام باختيار حر بين الخير والشر، لكن الحرية يجب أن لا تكون منفصلة عن الضمير.
الفن والصدمة
ما يجعل سينما تاركوفسكي فريدة، هي أنها تفكك يقيننا وتتركنا في حالة خصبة من القلق. مجموعة من العناصر الجمالية والفكرية تؤثر في بنية لا وعينا، وتخلق شرط التفكير نفسه دون أن تعطينا أي فكرة واضحة.
يقول تاركوفسكي: «إن السينما لها علاقة بالحاجة الإنسانية لمعرفة وفهم العالم، فالشيء الذي يذهب الفرد عادة لأجله إلى السينما، هو الزمن الضائع أو المبدد ليرى هناك تجربة حية. فالزمن المطبوع في أشكاله وتجلياته الواقعية، هو الفكرة الأسمى للسينما بوصفها فناً يقودنا إلى التفكير.»
وعلى هذا الأساس لا يصنع تاركوفسكي أفلاما ًفقط، وإنما يخلق حالات نعيشها وحيوات باطنية لها عوالمها وأزمنتها الخاصة. ففي هذا الأفق يتحول الفيلم إلى تجربة تعاش من الداخل؛ حيث تتداخل الصور مع الأحاسيس، ويتحول التأمل إلى نوع من المواجهة الصامتة مع الذات، ومع ذلك الفراغ الذي يرافق الإنسان كلما حاول أن يمنح حياته معنى.
أخيراً، يمكننا القول إن السينما عند تاركوفسكي ليست متعة ولا ترفاً جمالياً، إنها البحث الدائم عن الحقيقة، وطاقة الانكشاف التي تتركنا في حالة من الصدمة والذهول.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: عائدون إلى الساحات
التالي: العمودالثامن: رأس المواطن العراقي

قصص ذات صلة

  • أدب وفن

عندما تتلاطم اللغات

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم الكاتبة الكورية ترى أن مساعدة شخص واحد تكفي

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
6262-7-3
  • أدب وفن

الادب والذكاء الاصطناعي الى أين؟

المحرر Editor 2 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • الجغرافيا السورية: الأرض “بتِتْكلِّم عربي”
  • عندما تتلاطم اللغات
  • الحمض النووي يكشف هوية مفقودين في الرقة كيف توصّل المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى النتائج؟
  • ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً
  • حين تختطف الميليشيات راية فلسطين.. أزمة اليسار العربي

لربما فاتك

عبير نصر (3)
  • مقالات رأي

الجغرافيا السورية: الأرض “بتِتْكلِّم عربي”

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

عندما تتلاطم اللغات

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-mafqoodeen
  • الأخبار

الحمض النووي يكشف هوية مفقودين في الرقة كيف توصّل المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى النتائج؟

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-ta3atof
  • مقالات رأي

ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.