لا يبدو غادي آيزنكوت، رئيس حزب “يشار” ( مستقيم) الوسطي المعارض والمرشح لرئاسة الحكومة في الانتخابات الإسرائيلية المُزمعة في 27 من تشرين الأول الحالي، من السياسيين الذين يبحثون عن الأضواء أو يراهنون على الصخب الإعلامي. حضوره أكثر هدوءاً، وخطابه أقرب إلى لغة المؤسسة العسكرية التي جاء منها: مقتضب، محسوب، وخالٍ من الاستعراض. وفي مشهد سياسي إسرائيلي تتسع فيه مساحة الخطابات الحادة والمناكفات الإعلامية والسعي المستمر إلى صناعة “الترند”، يقدّم آيزنكوت نفسه بصورة مغايرة. فهو يدخل المعركة السياسية محمّلاً بانضباط رجل عسكري تولّى رئاسة الأركان، وبأسلوب يوحي بأن الرسالة لا تحتاج دائماً إلى كثير من الكلام حتى تكون مسموعة.
لكن الهدوء، في السياسة الإسرائيلية، لا يعني بالضرورة غياب الموقف. وعلى العكس، قد يتحول الصمت في لحظات الأزمات والانكسارات الكبرى إلى موقف سياسي قائم بذاته، خصوصاً عندما يصدر عن شخصية تخوض سباقاً مباشراً على رئاسة الحكومة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو قلة كلام آيزنكوت مجرد سمة شخصية، بل جزءاً من صورته السياسية: رجل يريد أن يقدّم نفسه نقيضاً للضجيج، وأكثر ارتباطاً بفكرة المسؤولية والانضباط الأمني في لحظة إسرائيلية شديدة الاضطراب.
اليوم، وفيما تستعد إسرائيل لانتخابات كنيست مصيرية، يرتسم اسم آيزنكوت كأكبر تهديد يُحدق ببقاء بنيامين نتنياهو على مقعد رئاسة الحكومة الإسرائيلية. فالرجل الذي لم يتردد في الاستقالة من مجلس الحرب رفقة بيني غانتس، رافضاً تحويل المواجهة العسكرية إلى مماطلة وتأجيل القرارات بلا أفق سياسي واضح، يقود حزبه الوليد “يشار” (مستقيم) بخطى واثقة نحو صدارة المشهد. إنه يتجاوز تكتلات الوسط التقليدي ومخترق للحصون الجماهيرية التي ظلت لعقود محمية باسم “بيبي” نتنياهو.
“المؤخرة الحديدية” والجذور الأمازيغية
في اسم آيزنكوت مفارقة تختصر تركيبته المعقدة. باللغة الألمانية واليديشية يُقرأ الاسم كشعار للقسوة والصلابة: “المؤخرة الحديدية”. لكن أصول الرجل الحقيقية تجرّه إلى عمق جبال الأطلس الكبير في المغرب، حيث تعني الكلمة باللغة الأمازيغية “الغزالة”.
ولد أبوه في مراكش وأمه في الدار البيضاء، لنكون أمام أول رئيس أركان في تاريخ إسرائيل ينحدر من أصول مغربية شرقية.
هذه الجغرافيا العائلية ليست تفصيلاً فولكلورياً في حسابات السياسة الإسرائيلية. إنها السلاح السري لخوض معركة الهوية واختراق القاعدة الصلبة لليمين. إذ ظل الليكود لستة عقود يستمد قوته الانتخابية من مظلومية اليهود الشرقيين (المزراحيم) ضد المؤسسة الأشكنازية النخبوية. وآيزنكوت، ابن مدينة طبريا وأحد أبناء الطبقة العاملة الذين صعدوا عبر غبار لواء “غولاني” الشهير. وهو بذلك يجرّد نتنياهو من احتكار الوجدان الشرقي. إنه يدرك تماماً أن إزاحة اليمين التقليدي لن تتم بعطور أثرياء تل أبيب، بل برجل يشبه القاع الاجتماعي الذي ظل ينتخب اليمين لسنوات طويلة.
مهندس الدمار وصاحب المأساة
آيزنكوت ليس حمامة سلام ولا يحاول أن يدّعي ذلك في حملاته. فالرجل هو مهندس نظرية “عقيدة الضاحية” التي صاغها عام 2008، والتي تقضي باستخدام قوة تدميرية هائلة وغير متناسبة ضد أي بنية مدنية في لبنان يُشتبه باستنزافها لأمن إسرائيل. وهو بامتياز ابن المؤسسة العسكرية الصارمة التي ترى الأمن أولوية مطلقة لا تهاون فيها، ويمقت “حل الدولتين” بشكله التقليدي المعلن دولياً.
لكن المتغير الأكبر في بروفايل الجنرال جاء مطعّماً بدم العائلة. فقد دفع ثمن الحرب القاسية من داخل بيته. فَقَدَ ابنه الأصغر “غال” متأثراً بجراحه في غزة، ثم لحق به ابن أخته في المعارك ذاتها. لم يخرج آيزنكوت شاتماً أو خطيباً يستغل الفاجعة في المهرجانات السياسية، بل انزوى في حزنه، تاركاً للشارع الإسرائيلي أن يرى فيه الأب الثاكل الذي يدافع عن أبناء الآخرين بدلاً من أن يضحي بهم لحسابات ائتلافية شخصية. هذه اللحظة بالذات هي التي منحت كلماته ذنوعاً من المصداقية النادرة التي أخفق جميع سياسيي الوسط في تحصيله.
لماذا يُرعب نتنياهو؟
المشكلة الكبرى بالنسبة لنتنياهو ليست يائير لبيد ولا نفتالي بينيت، بل هذا الجنرال الصامت الذي يرفع في حزبه الجديد شعاراً واضحاً ومستقيماً: “كل من كان على رأس السلطة يوم 7 أكتوبر ينبغي أن يرحل، وتتعدل البوصلة الأخلاقية للدولة”.
يُدرك “بيبي” أن آيزنكوت يمتلك المعايير الصلبة نفسها التي جعلت من إسحاق رابين وآرييل شارون رقمين صعبين في التاريخ السياسي: أمنيون حتى العظم، أصحاب سيرة في الميدان لا تُطال بشبهات الفساد الإداري والمالي، ومستعدون لاتخاذ قرارات حاسمة بعيداً عن أيديولوجيا “اليمين الخلاصي” الذي يمثله إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش.
يدخل آيزنكوت المعركة متحالفاً مع قيادات أمنية واستخباراتية ثقيلة، وعلى رأسهم رئيس الشاباك السابق يورام كوهين، متسلحاً بورقة الدستور، وإجبار الجميع، بمن فيهم الحريديم، على أداء الخدمة العسكرية. وهو ما يضرب العصب الحيوي والوجودي للائتلاف الحاكم المفكك.
لعنة الجنرالات أم لحظة الاختراق التاريخي؟
تاريخ السياسة الإسرائيلية مليء بالجثث السياسية للجنرالات الذين أغرتهم أضواء الكنيست فسقطوا سريعاً عند أول اختبار سياسي، من أمنون ليفكين شاحاك إلى شاوول موفاز وصولاً إلى بيني غانتس الذي ابتُلع مراراً في تسويات بيبي الذكية والمتكررة.
لكن آيزنكوت يبدو من خامة مختلفة وقراءة أخرى. فهو ينطلق من واقع أن إسرائيل تعيش أزمتها الأعمق منذ تأسيسها. أزمة ثقة حادة في القيادة السياسية، وإنهاك طويل في المؤسسة العسكرية، واستقطاب داخلي حاد يهدد النسيج المجتمعي. يقدّم نفسه كطبيب جراح يحمل المبضع لا كخطيب جماهيري يطلق الوعود، وكخيار أمني صارم يضمن بقاء الدولة، لكنه يستعيد لها مفهوم “الاستقامة” (يشار) الذي فقدته في زمن الحسابات الفردية الضيقة.
بين ساحر سياسي يُتقن البقاء ويتغذى على إدارة الأزمات اسمه بنيامين نتنياهو، وجنرال صامت يحمل صرامة الضباط اسمه غادي آيزنكوت، تتجه إسرائيل نحو صناديق الاقتراع. وإذا كان للماضي أن ينبئنا بشيء، فإن معركة “المؤخرة الحديدية” ضد “الملك” نتنياهو ستكون واحدة من أعنف وأشرس محطات الصراع على روح الدولة ومستقبلها.
