اختتمت تظاهرة “أفلام الثورة السورية- الدورة الثانية” التي استمرت من 19-23 من الشهر الحالي فعالياتها في دار الأوبرا بدمشق، بعد عروض لأربعة وعشرين فيلمًا بين الروائي والوثائقي والرسوم المتحركة (“أنيميشن”) والصامت، تلتها نقاشات مع صنّاع الأعمال والنقّاد وجمهور السينما. وجسّدت الأفلام المشاركة الطويلة والقصيرة مرحلة مفصلية من تاريخ سورية، في محاولة بصرية فنية لتقديم رؤى وسرديات متعددة حول الثورة السورية وما رافقها من تحولات اجتماعية وسياسية وإنسانية عميقة، والمساهمة أيضًا في حفظ الذاكرة الجماعية ونقل التجربة وتفاصيلها المؤلمة للأجيال القادمة والعالم أجمع.
تكمن أهمية هذه التظاهرة في كونها تعرض أفلامًا في بلدها الأم بعد أن جابت العالم، وأنها تجاوزت الترفيه لتشمل توثيق الواقع والحقائق، وتساهم في تشكيل الرأي العام، والتوعية بالقضايا الإنسانية والسياسية والتغيير والتثقيف، وأنها اعترفت بوضوح وصدق بمعاناة ضحايا الاستبداد وأعادت الاعتبار للشاشة الكبيرة كأرشيف حيّ لذاكرة السينما وسلاح يقاوم النسيان.
افتتحت الفعالية عروضها بفيلم “المترجم” الروائي الطويل، وهو من إخراج: أنس خلف ورنا زكزك، بطولة: ممثلين من سورية ولبنان وفلسطين والأردن، منهم: زياد بكري- يمنى مروان- فارس الحلو- سوسن أرشيد- ديفيد فيلد وميراندا تابسيل، وعُرض سابقًا في عدة مهرجانات عالمية ومنصات رقمية وحاز على جائزة أفضل مشروع سينمائي في مهرجان كانّ عام 2017. بدأت أحداثه في ثمانينيات القرن الماضي، حيث يشهد “سامي” بطل العمل وأخوه “زيد” الطفلان الصغيران مشهد اعتقال والدهما عام 1980 إثر احتجاجات شعبية تطالب بالحرية وإسقاط النظام، ويختفي أثره منذ ذلك الحين في معتقلات الأسد الأب وسجونه المظلمة. تنتقل الأحداث مباشرة إلى عام 2000 حيث يعمل “سامي” مترجمًا في دورة الألعاب الأولمبية بسيدني، وخلال ترجمته لسؤال يتعلق بتعديل الدستور السوري الذي جرى خلال دقائق لتوريث السلطة لبشار الأسد، يجري تعديلًا بسيطًا على النص، الأمر الذي يثير مخاوفه من العودة إلى بلده ويدفعه لطلب اللجوء والبقاء في أستراليا. يتابع تفاصيل الثورة السورية من مظاهرات واحتجاجات منذ بدء انطلاقتها ليصله خبر اعتقال شقيقه، فيقرر العودة إلى سورية بمرافقة صديقه الصحافي الأجنبي لينقذ أخاه، ولكنه ومنذ دخوله إليها يشهد دوامة عنف تبدأ بمقتل الصحافي والمصور السوري الذي استقبلهما عند وصولهما ويتعرض خلالها لإطلاق النار والقنص، ويكتشف أن أزلام النظام احتلوا منزل أخيه، فينخرط بالمظاهرات ويطالب عبر فيديو مسجل بالإفراج عن المعتقلين، ويُعتقل بعد وشاية من أحد أصدقاء شقيقه، ويتعرض للمساومة والابتزاز لكنه يرفض أن يتخلى عن مواقفه ويصرخ أمام جلاديه: “بدنا حرية. بدنا كرامة”، الشعار نفسه الذي ظهر في بداية الفيلم.
يُعتبر هذا العمل السينمائي أول إنتاج روائي يعرض تفاصيل الثورة السورية وتداعياتها من منظور إنساني وسياسي، ويؤكد على جدوى التمرد ويفضح استبداد النظام الأسدي موجهًا أسئلة حول جدوى التضحية في وجه القمع الممنهج، وجدوى المعارضة له.
| من تظاهرة “أفلام الثورة السورية” |
طغت الأفكار والمضمون على الشكل الفني في هذا الفيلم الذي لم يكن مبهرًا ونوعيًا وغير مألوف، وتميز الأداء فيه بالهدوء والانضباط بعيدًا عن الانفعالات المجانية والمبالغة. كان إيقاعه بطيئًا في بعض المراحل ومشاهده طويلة بلا مبررات درامية أو فنية، لكنه التزم بإظهار الحقائق كما هي وعرض مشاهد تم تصويرها وكأنها درامية، واستطاع بجدارة أن يجسّد الخراب السوري ومآسيه.
شارك في التظاهرة أيضًا الفيلم الوثائقي الطويل “على أنقاض حلم”، إخراج: هشام زعوقي، إنتاج: قناة الجزيرة الوثائقية عام 2019، وقد قدّم سردًا بصريًا لتجارب سوريين فقدوا منازلهم خلال الثورة، وما رافق ذلك من فقدان للأمان والاستقرار، اعتمد على شهادات مباشرة رواها نشطاء وربّات بيوت تحمل حكايات شخصية عن هذه المنازل وما تمثله لأصحابها من معنى يتجاوز كونها مكانًا للسكن لتغدو حاضنة للتفاصيل اليومية والذكريات العائلية وحالة وجدانية وهوية مهددة، في شهادة بصرية على واحدة من أبرز مآسي السوريين خلال تلك الفترة. يُبرز الفيلم أيضًا تشرد الملايين واضطرارهم إلى المخاطرة بحثًا عن طوق نجاة، ويعرض مشاهد صادمة للدمار الذي طاول أرجاء سورية، موضحًا البعد العاطفي لفقدان المنزل الذي هو رمز للطفولة والعائلة والانتماء ومشاعر الحنين، وذلك من خلال صورة بصرية قوية تعكس حجم التحولات الكارثية التي أصابت المكان من تخريب وحرق ونهب وإتلاف للمزروعات والأشجار المحيطة به وتحويلها إلى أطلال وأنقاض رغم أن “البيت غالي مثل الولد”، كما قال المتحدثون.
حضر الأطباء والكوادر الطبية الذين قدموا حياتهم من أجل إنقاذ المصابين وضحايا القصف الوحشي بالمدفعية والطيران والقنابل المحرمة دوليًا والكيماوي في الفيلم الوثائقي “ملائكة ثائرة” والذي نقل بالصوت والصورة تضحيات الأطباء والمسعفين والواقع المأساوي للمشافي الميدانية، مسلطًا الضوء على الاستهداف الممنهج للقطاع الطبي والاعتقالات التعسفية للكوادر الطبية والمصابين منذ الأيام الأولى للثورة وركز على قصص لأطباء عملوا بظروف بالغة الصعوبة تحت القصف وخطر الموت، ووثّقت كاميرا مخرجه هشام زعوقي الكثير من تفاصيل الحراك الثوري في سورية على مدى سنوات، والحياة اليومية للعاملين في المشافي وشُح الأدوية والتجهيزات والمعدات والتحديات التي عاشها الجميع يسابقون الزمن ضمن إمكانيات بسيطة وما تيسّر من أدوات من أجل البقاء وإنقاذ الناس. حرص الفيلم على توثيق قصف الطيران للمنازل والمدن وآلية نقل المصابين والجرحى إلى المشافي عبر سيارات الإسعاف أو الدراجات النارية، وصعوبة إسعافهم عبر مشاهد حقيقية قاسية، إضافة إلى الدمار الذي خلّفه النظام، واستعان في الشهادات بمجموعة من الأطباء للحديث عن عملهم أثناء الحرب، لإظهار الجانب العائلي لديهم بعد أن تركوا أسرهم ليقوموا بواجبهم. وفي الختام تُسدل الستارة السوداء الأخيرة ويُكتب عليها أنه حتى تاريخ 16 شباط/ فبراير عام 2015 بلغ عدد شهداء الثورة السورية من الأطباء 64 طبيبًا، وأكثر من 600 قيد الاعتقال 13 منهم قضوا تحت التعذيب، وأكثر من ألفي معتقل من العاملين في الحقل الطبي.
كان للفيلم الوثائقي الاستقصائي “الطريق إلى دمشق” حضور متميز في هذه التظاهرة، وهو من إخراج ماهر جاموس الذي شارك في كتابة النص والسيناريو له مع إيكي رحماني، إعداد وتقديم: ياسر أبو هلالة، تصوير: إبراهيم الشمالي، وهو توثيق لمسار الثورة السورية حتى سقوط النظام والتحرير. عاد إلى مجزرة حماة المروعة التي نفذها جيش النظام وسرايا الدفاع والقوى الأمنية للأسد الأب عام 1982 وراح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى تدمير المدينة القديمة وممارسة انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب. بدأ في مشاهده الأولى بلقطات حيّة للدمار والخراب الذي عمّ أرجاء سورية بعد الثورة، وصوت أحد المقاتلين وهو يخرج من بين الركام مشيرًا إلى الفرق الكبير بين من يخرج بالباصات الخضر كما حدث بالأمس، وبين من يعود إلى دياره عزيزًا شامخًا منتصرًا. وأظهر فيما بعد مشاهد نادرة حقيقية من داخل العمليات والمعارك التي قامت بها “قوات ردع العدوان” ابتداء من إدلب وصولًا إلى حلب وحماة وحمص ثم دمشق، وذلك بعد مرافقة صنّاع العمل للمقاتلين والمعارك وتوثيق كل ما يمكن رصده. وعرض أيضًا مقاطع فيديو تم تصويرها من قبل المقاتلين أنفسهم بكاميرا مثبتة على الرأس في نقاط الاشتباك الخطرة. ورصد الفيلم أيضًا ردود فعل السوريين المدنيين مع تقدم الثوار وسقوط المزيد من المدن والبلدات بأيديهم، ومشاهد لما خلّفه النظام من آليات عسكرية مرمية على الطرقات بعد هروب الضباط والعساكر والقوى الأمنية. وأبرز أيضًا التدريبات والتحضيرات العسكرية وحال المهجرين المأساوي والمظاهرات التي قام بها السوريون طلبًا للتغيير والعدالة وقمع النظام وإجرامه على هدير صيحات: “الشعب يريد إسقاط النظام”. ورصد محاولات إنقاذ المصابين والجرحى، وجالت كاميرته راصدة “بالدرون” حجم الدمار الهائل في جوبر تحت وقع أغنية تقول: “الشام لولا المظالم كانت فوق المدن جنّة”.
ضمّ “الطريق إلى دمشق” تصريحات لمسؤولين وقادة عسكريين تحدثوا عن التحضير الدقيق المدروس لمعركة التحرير، وأهمية توحيد القرار العسكري والسياسي، ومعرفتهم بانهيار النظام بعد إخفاق مشين، إضافة إلى تصريحات لعدد من السوريين تحدثوا عن علاقتهم بالثورة وفرحهم بالنصر وبسقوط “إمبراطورية بيت الأسد وطاغوت الشام”، كما قالوا.
تميز هذا الوثائقي السينمائي بأن المشاهد التوثيقية مأخوذة من المسافة صفر حتى في المعارك الطاحنة، وبالتسلسل الواقعي الدقيق للأحداث، وبحصوله على شهادات من قياديين على الأرض أغنت الموضوع، وبالغوص في تفاصيل يومية كحفر الأنفاق والقصف الكيماوي والمدفعي وما خلفه من مآسٍ وموت لعائلات بأكملها، وخروج المقاتلين مع أسرهم بالباصات الخضر إلى إدلب بمعنويات عالية وثقة بالعودة والنصر.
عُرض في مجال الأفلام الطويلة أيضًا كل من “اغتيال حلب”، وهو عن الواقع المأساوي الذي عاشته المدينة خلال الثورة وما تعرضت له من دمار هائل، ومعاناة السكان ونقص مقومات الحياة الأساسية، والجهود الكبيرة لعناصر الدفاع المدني السوري في عمليات الإنقاذ. و”مراسل حربي” وهو عن المراسلين الحربيين الذين ينقلون للعالم الحقيقة من قلب المعارك معرضين حياتهم للمخاطر الكبيرة والاستهداف من النظام المجرم. و”سورية قصة ثورة” وقد وثّق مجريات الثورة السورية منذ انطلاقتها في آذار/ مارس عام 2011 بدءًا من احتجاجات درعا وصولًا إلى المحافظات السورية كافة. و”أحمد ومريم” وهو دراما رومانسية إنتاج عام 2019 من إخراج وتأليف صالح جمال الدين، ويتناول قصة حب محظورة بين شاب وفتاة من ديانتين مختلفتين في ظل تحديات اللجوء والاندماج في أوروبا، مسلطًا الضوء على ضغوط المجتمع والخوف من الأهل والأقارب وتعقيدات الهوية والحب، وقد حاز على 6 جوائز وتم ترشيحه لـ 10 أخرى.
كما عرض فيلم “ذاكرة باللون الخاكي” من إخراج الفوز طنجور، الذي ابتعد عن التوثيق المباشر للحرب، ليغوص بالذاكرة السورية من زاوية شخصية وحميمة، ويستعرض أثر الاستبداد والخوف والمنفى على الإنسان وتفاصيل حياته اليومية، جامعًا بين السيرة الفردية والذاكرة الجماعية، بنبرة شاعرية هادئة بعيدًا عن الخطابة والميلودراما.
عمومًا عانت بعض الأفلام المشاركة من الضعف الفني والجمالي، ومن بعض الأخطاء الإخراجية والبصرية، ووُجهت لها انتقادات عديدة، لكنها لم تخضع للتقييم الفني والتمسك بمعايير الجودة والسوية الفنية العالية عند اختيارها، وتم التغاضي عن الشروط التقنية والنوعية أحيانًا. وكان المعيار الوحيد الذي خضعت له هو “مدى تعبيرها عن مسار الثورة السورية وعذابات السوريين، وفرحهم بالخلاص”، لا سيما وأنها صُنعت في غالبيتها بظروف صعبة، وبين نيران المعارك والقصف وبإمكانات مالية معدومة، وكانت التجربة الأولى لبعض المخرجين، لكنها في المحصلة استطاعت أن تكون شاهدًا وضميرًا لا يقبل النسيان ونافذة على حكايات موجعة لم تُروَ بعد، وما خفي أعظم.