
إن معظم أفلام الرقص الناجحة اكتسبت خصوصيات من انتشار الرقص ومدى تجذره كموضة في ثنايا جسد المجتمع. على هذا الأساس، يعتبر عديد من نقاد الفن أن السينما أدت دوراً بارزاً في التعريف بثقافة الـ”هيب هوب” وتكريسها كشكل فني له خصائص الفنية وميزاته الجمالية التي تجعله يكون لنفسه أفقاً فتياً مغايراً، بسبب السلطة الرمزية التي مارستها موسيقى الـ”هيب الهوب” ورقصاته على وجدان المتفرج، ودفعته إلى الانخراط بصورة كلية في هذا الشكل الفني من طريق الذوق الموسيقى وشكل اللباس.
في السنوات الأخيرة، بدأت أفلام الرقص ينطفئ وهجها مقارنة بسنوات قليلة تعود إلى بداية الألفية الجديدة، حيث كانت أفلام الرقص تحظى بأهمية بارزة داخل السينما الهوليوودية، إذ يعثر المتابع للفيلموغرافيا الأميركية على نماذج سينمائية مضيئة جعلت من الرقص طاقة تعبيرية في بناء علاقة بصرية مع المشاهد. وحققت هذه الأفلام إيرادات عالية جعلت المؤسسات الإنتاجية تراهن عليها باعتبارها من الأنواع الفيلمية التي تخلق الدهشة بالنسبة إلى المتلقي.
وعلى رغم الطابع المركب الذي تتميز به هذه الأفلام والجهد المبذول من ناحية الكتابة والتصوير والإخراج وكاستينغ اختيار الممثلين وتركيب الرقصات وفق أشكال كرنفالية، كما يحدث في السينما البوليوودية، فإن شركات الإنتاج السينمائي حرصت دائماً على تشجيع هذا النوع من الأفلام، إذ تجد فيها مساحة لاستمالة الأجيال الجديدة والدفع بها صوب صالات السينما.
وتتنوع هذه الأفلام ورقصاتها الفنية وأشكالها الجمالية بتغيير خطية الحكاية، ذلك أن هذا العنصر يتحكم في بنية الرقص ولقطاته داخل الصورة السينمائية ويوجهها وفق طريقة يصبح فيها النص هو الذي يخلق المعنى للفقرات الخاصة بالرقص، بيد أن هذه الأخير، لا يأتي كنوع من الرقص، وإنما كشكل تعبيري يحرر الصورة السينمائية من سلطة النص نفسه ويفتحها على تخوم غير مفكر فيها بطريقة يغدو معها الرقص شكلاً من أشكال التواصل مع المشاهد.
بهذا المعنى اكتسبت الأفلام قيمتها الفنية، لأنها لا تتعامل مع فعل الرقص بطريقة ميكانيكية تجعل المخرج يضع مجموعة من الرقصات داخل مشاهد سينمائية وفق آلية تلقائية، بل إن الأمر أعمق من ذلك، إذ يروم المخرج خلق حوار بصري فعال بين أجساد الممثلين مع متخيل المتلقي. ونظراً إلى الطابع الاحتفالي لسيرة هذه الأفلام فقد جعلها مشهورة في لحظات تاريخية معينة وتستمد مشروعيتها الجمالية انطلاقاً من التطور الذي يعرفه الرقص المعاصر بصورة عامة.
جماليات الإيقاع
إن الأشكال الجديدة التي تبرز على سطح المشهد الموسيقي، والتي تصبح بمثابة موضة لجيل ما، غالباً ما يتم استلهمها داخل أفلام سينمائية، كما حدث الأمر مع “بريك دانس” و”الهيب هوب” و”تيكتونيك” و”إلكترو دانس”، ذلك أن النوعين الأخيران برز نجمهما في الشوارع الفرنسية، وقام عديد من المخرجين باستلهام معالمهما داخل الأفلام، لكن بطريقة محتشمة.
وتعتمد هذه الأنواع على الموسيقى الإلكترونية السريعة التي لا تقف عند جماليات اللغة أو اللحن أو الصوت، بل يستمد الرقص معناه من سرعة الإيقاع ومدى قدرة الجسد الراقص/ الممثل على خلق تناغم جمالي، بين الإيقاع الموسيقى والجسد المفتون بالرقص المحموم. أما نوع “بريك دانس” فنعثر عليه في مجمل الأفلام الأميركية كما هي الحال في “احفظ الرقصة الأخيرة” (2001) للمخرج توماس كارتر، و”ستيب آب” (2006) للأميركية آن فليتشر، ثم الفيلم الهندي الشهير “أي شخص يستطيع الرقص” (2013) للمخرج ريمو دي سوزا.
لكن بالرجوع إلى مشاهدة هذه الأفلام السينمائية والسياق التاريخي الذي برزت فيه، سنجد أن جماليات الفيلم لا تتأتى من جاذبية الإخراج وقوة أداء الممثلين، بل من الزخم الذي تعرفه الموسيقى وانتشار هذا الشكل التعبيري (الرقص) في العالم بطريقة ينتشر فيها الفيلم ويمارس سلطته الرمزية على ذائقة المتلقي. إن نجاح الفيلم له علاقة بموضة الرقص، إذ يستفيد المخرج السينمائي من انتشار الشكل الفني، بما يجعله يحقق شهرة، بخاصة إذا نجح السيناريست في إيجاد توليفة بصرية بين عمق الحكاية وجماليات الأداء.
إن معظم أفلام الرقص الناجحة اكتسبت خصوصيات من انتشار الرقص ومدى تجذره كموضة في ثنايا جسد المجتمع. على هذا الأساس، يعتبر عديد من نقاد الفن أن السينما أدت دوراً بارزاً في التعريف بثقافة الـ”هيب هوب” وتكريسها كشكل فني له خصائص الفنية وميزاته الجمالية التي تجعله يكون لنفسه أفقاً فتياً مغايراً، بسبب السلطة الرمزية التي مارستها موسيقى الـ”هيب الهوب” ورقصاته على وجدان المتفرج، ودفعته إلى الانخراط بصورة كلية في هذا الشكل الفني من طريق الذوق الموسيقى وشكل اللباس.
لقد أدرك صناع هذا الفن مركزية السينما وقدرتها كوسيط بصري شعبي في رفع منسوب الاهتمام به، لذلك انخرط مجمل صناعه في كتابة أغان وتركيب رقصات من أجل وضعها في قوالب سينمائية خاصة بأفلام بعينها. ونجحت هذه الطريقة في التعريف بهذا اللون الفني، إذ يعثر المشاهد لسلسلة أفلام “step up” على شكل جمالي جديد، لا يتعامل مع الرقص بطريقة تلقائية أو كهدف غايته ترك الانطباع بزخم الفيلم وجمالياته، بل نجح السيناريست في العثور على عنصر جمالي يتمثل في “المعارك” التي تنتسج بين الفرق الغنائية، والتي تضيف نوعاً من الدراما على الفيلم وتجعل المتفرج يستمتع بلذة الحكاية وجماليات التصوير وقوة الأداء(الرقص) الذي يغدو من خلال الجسد في كامل بهجته.
فلسفة النقد
حققت أفلام الرقص نجاحات كبيرة، سيما داخل الأجيال الجديدة ممن وجدت نفسها تعيش في خضم الرقص المعاصر، بوصفه نمطاً تعبيرياً قوياً ومؤثراً في المتلقي داخل الفضاءات العمومية. إذ يعد الرقص أكثر الفنون التعبيرية قدرة على اختراق الفضاء العمومي بتعبير هابرماس، بعدما جعله بمثابة المسرح الآسر الذي فيه تتبلور الأفكار والمواقف والتعبيرات الفنية بمختلف أشكالها السياسية وتجلياتها الاحتجاجية. من ثم، يغدو الرقص وسيلة لإدانة الواقع ورؤية فنية أصيلة تمتحن الجسد وتجعله ينخرط في دوامة الحياة اليومية، لأن الرقص إذا ما ظل بعيداً من واقعه يكون محض خرافة وهباء. لهذا يرى عديد من الأنثروبولوجيين أن الرقص المعاصر يتأسس على نغمة وجودية شكلاً وتعبيراً، إذ يتجاوز كونه مجرد حركة رياضية ليغدو سلاحاً بصرياً يمتلك رسالة. وهذه الأخيرة لا تتحقق جمالياتها إلا بقدرة الممثل على خلق المعنى لحركات جسده وأصالتها داخل المشهد السينمائي.
لكن على رغم الاحتفاء الذي حظي به الرقص من لدن بعض علماء النفس والأنثروبولوجيا داخل الثقافة الغربية، لا نعثر له على أثر داخل كراسات النقد السينمائي، فهو نقد خارج مدارات التاريخ ويتعامل مع الفيلم وفق آلية تعريفية تقدم معلومات حوله أو تحليل لقطات بصورة تقنية من طريق الأداء والإضاءة والمونتاج والحكاية. لم يستفد النقد السينمائي من المناهج التي ظهرت في العلوم الإنسانية ونظيرتها الاجتماعية، والتي تجدد النص النقدي وتجعله منفتحاً على أصالة المعنى، بقدر ما ظل متقوقعاً في “التحليل الفيلمي” الذي يجعله مجرد وسيط بين الفيلم والمتلقي لا أكثر.
يمتلك النقد السينمائي خاصية فريدة، فهو الخطاب الذي يرافق الفيلم ويشرح صوره ومشاهده وتقنياته ولغته بطريقة حداثية تقرب الفيلم من الجمهور، وتدفعه في آنٍ واحدٍ إلى الانخراط النقدي في مضامين الفيلم وجمالياته، بيد أن اهتمام النقاد بعنصر الخطاب الفيلمي جعلهم ينسون عمق العناصر الأخرى المكونة للصورة السينمائية أو التي ترتبط ببعض الفنون “الدخيلة” على الصورة مثل الرقص والغناء. فهذه العناصر الفنية تمتلك لغة خاصة لها إيقاعها المختلف داخل العملية النقدية، لكونها تدفع الناقد إلى الدخول في معترك فكري جديد.
هذا الأخير، يجعله يجدد لغته ومفاهيمه ونظرياته، بعيداً من لغة النقد الأدبي، صوب الاهتمام بما بات يسمى “فكر الصورة” الذي لم يتبلور بعد داخل الفنون العربية المعاصر. إن تجديد الخطاب النقدي يؤدي دوراً كبيراً في تحديث النقد السينمائي ويمنحه إمكان فهم الرقص المعاصر والطريقة التي بها يشتغل داخل الصورة السينمائية. فثقافة الرقص لا تكتسب بالنقد السينمائي، بل بالعودة إلى تاريخ الفن بمختلف أشكاله التعبيرية، وهو أمر يدفع الناقد إلى تأصيل ثقافته ومحاولة بلورتها على شكل خطاب يقرأ الإرث الفني على ضوء الفيلم وتحولاته البصرية.
ففي وقت كانت تحظى فيه أفلام الرقص بشهرة واسعة، كانت الكتابات النقدية تقف عند حدود قصة الفيلم ومساربه الحكائية. لذلك يجد القارئ نفسه أمام كتابة أدبية أكثر من كونها فنية، كون الناقد يعتبر أن فهم فيزيونومية الرقص وتمثلاته الجمالية بعيداً من اختصاصه، مع العلم أن النقد السينمائي يتكون من خطاب مركب يرغم صاحبه على ضرورة ضبط ميكانيزماته وفهم تعبيراته وأنواعه وإيقاعاته والطريقة التي بها يتحول إلى عنصر جمالي داخل الفيلم السينمائي. فغالب النقاد الكبار لم يكتسبوا عمق تحليلاتهم انطلاقاً من ثقافة الفيلم فحسب، بل أيضاً بالسفر في مجاهل العلوم الإنسانية، لأن الفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا تمنح الناقد لغة خاصة وقدرة أصيلة على تأصيل فعل الكتابة. لهذا يصبح خطاب الناقد متجاوزاً سطح الفيلم وعتباته البصرية الأولى، صوب الاهتمام ببنية الفيلم وكل العناصر اللامفكر فيها.
في الرقص تتحرر اللغة السينمائية من “قيودها” البصرية ومعانيها الأدبية، وتصبح عبارة عن مشروع جمالي ينحت لغته الخاصة وبها يبني عوالمه داخل إطار الحكاية ومسالكها داخل النص السينمائي. غير أن الرقص في مجمله داخل كل الحضارات يحوي شحنة فلسفية روحية تدفع الجسد إلى اختراق الممكن البشري. لذلك يبدو الرقص في العمل السينمائي طاقة خلاقة تحرر المشاهد من رتابتها البصرية ونسقية حواراته وتجعلها منفتحة على النغم والحركة. بهذه الطريقة يمنح الرقص بهجة حقيقية للعين ويدفعها إلى الاستمتاع بتوحيد الأشكال الفنية داخل شكل تعبيري واحد (السينما).