ملخص
لا تزال هذه المسألة من أكثر المواضيع الجيوسياسية جدلاً في واشنطن، بين من يرونها سياسة ناجحة أضفت جرعة ضرورية من الواقعية على السياسة الخارجية الأميركية، وركزت على حماية المصالح الداخلية واستعادة هيبة أميركا ومكانتها، وبين من يرون أنها ألحقت ضرراً بالغاً بمكانة أميركا العالمية بتقويضها القوة الناعمة والتحالفات وإضعاف الردع العسكري المشترك.
وسط نشوة احتفالات أميركا باستقلالها عن بريطانيا قبل قرنين ونصف القرن، والتذكير بالبذرة الأولى التي رسخها الآباء المؤسسون للانعزالية والتركيز على المصالح الداخلية وتجنب الصراعات الخارجية، تُثار تساؤلات عدة حول ما إذا كان شعار الرئيس دونالد ترمب “أميركا أولاً” وسياسته عززا أو أضعفا النفوذ الأميركي حول العالم، إذ لا تزال هذه المسألة من أكثر المواضيع الجيوسياسية جدلاً في واشنطن، بين من يرونها سياسة ناجحة أضفت جرعة ضرورية من الواقعية على السياسة الخارجية الأميركية وركزت على حماية المصالح الداخلية واستعادة هيبة أميركا ومكانتها، وبين من يرون أنها ألحقت ضرراً بالغاً بمكانة الولايات المتحدة بتقويضها القوة الناعمة والتحالفات وإضعاف الردع العسكري المشترك الذي شكل تاريخياً الركيزة الأساس للهيمنة الأميركية العالمية.
البذرة الأولى
في حين أن الشعار السياسي الحديث المحدد في “أميركا أولاً” لم يكُن موجوداً في أواخر القرن الـ18 عند تأسيس البلاد بعد معارك طويلة مع القوات البريطانية، إلا أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الـ13 الوليدة، وضعوا البذرة الأولى للمبادئ الأساسية الكامنة وراء هذا الشعار، وهي الانعزالية وتجنب الصراعات الخارجية وإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية الأميركية فوق الشؤون العالمية.
وكانت السياسة الخارجية المبكرة للولايات المتحدة متجذرة بعمق في الأفكار التي تتوافق بصورة وثيقة مع هذا المبدأ، على رغم وجود اختلافات دقيقة في النية، إذ اصطف المؤسسون مع “أميركا أولاً” من ناحية رفضهم التحالفات والتشابكات الأجنبية، لحماية سيادة الدولة الفتية، فكانوا لا يثقون بسياسات القوى الأوروبية. ونصح الرئيس الأول جورج واشنطن خلال خطاب الوداع الشهير الذي ألقاه عام 1796، البلاد صراحة بالابتعاد من التحالفات الدائمة مع أي جزء من العالم الأجنبي، زاعماً أن أوروبا لديها مجموعة من المصالح الأساسية التي لا تهم الأميركيين، وأن التورط في منافساتهم لن يؤدي إلا إلى الإضرار بازدهار الولايات المتحدة.
أما الرئيس الثالث للبلاد توماس جيفرسون، فلخص في خطاب تنصيبه الأول عام 1801، رؤيته الشهيرة للسياسة الخارجية الأميركية في السلام والتجارة والصداقة مع جميع الدول، وعدم تشابك التحالفات مع أية دولة، مانحاً الأولوية للحاجات المحلية.
أدرك المؤسسون أن الولايات المتحدة كانت مفصولة مادياً عن أوروبا بمحيط شاسع، اعتبروه بمثابة رصيد جيوسياسي ضخم، واعتقدوا بأن البلاد يجب أن تركز بالكامل على نموها وبنيتها التحتية الاقتصادية واستقرارها الداخلي بدلاً من المشاركة في الحروب الخارجية.
ولهذا استخدموا الحمائية التجارية المبكرة لحماية الاقتصاد الهش حديث الولادة من الإمبراطوريات الأوروبية المهيمنة، ودافع ألكسندر هاملتون، بصفته أول وزير للخزانة، بقوة عن فرض التعريفات الجمركية لحماية الصناعات التحويلية الأميركية الناشئة من المنافسة الأجنبية والتي كانت مقدمة للحمائية التجارية الحديثة التي تجسدت في “أميركا أولاً”.
دوافع مختلفة
لكن على رغم أن العقيدة الحديثة لمبدأ “أميركا أولاً” يتطابق على السطح مع فلسفات المؤسسين أن دوافع القادة الأوائل كانت مختلفة، فقد بنيت على أساس استراتيجية الضعف مقابل القوة، إذ تجنب المؤسسون التشابكات الأجنبية بدافع الضرورة، فعام 1789، لم تكُن لدى الولايات المتحدة قوة بحرية حقيقية، ولم يتوافر سوى جيش نظامي صغير، وديون حرب ثقيلة، ولهذا كان من الممكن أن يؤدي التورط في الحروب الأوروبية إلى تدمير الولايات المتحدة بالكامل.
على النقيض من ذلك، تستخدم إدارة ترمب سياسات “أميركا أولاً” الحديثة من منطلق استحواذها على قوة عظمى عالمية ونفوذ اقتصادي وعسكري لا مثيل له في مواجهة خصوم وحلفاء أضعف، كما يختلف النهج المتبع في التجارة العالمية أيضاً، فبينما أراد المؤسسون تجنب العلاقات السياسية والمعاهدات العسكرية، إلا أنهم كانوا حريصين للغاية على بناء شبكات تجارية قوية وغير مقيدة مع كل دولة على وجه الأرض، بما في ذلك القوى العظمى العالمية. أما إدارة ترمب، فتعمل على نهج المعاملة بالمثل وتستخدم التعريفات الجمركية سلاحاً لتقييد التجارة كي تعمل لمصلحتها.
الصك الأول
كان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون (1915-1916) أول من صك عبارة “أميركا أولاً” كشعار لحملته خلال محاولة إعادة انتخابه عام 1916، لكنه استخدمها للتعهد بالحياد الأميركي خلال السنوات المبكرة من الحرب العالمية الأولى.
وبعد أربعة أعوام عقب الحرب العالمية الأولى، نجح السيناتور الجمهوري وارن هاردينغ في شن حملة انتخابية ناجحة للرئاسة على أساس برنامج “أميركا أولاً” الانعزالي والحمائي، فاستخدمه لمعارضة انضمام الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم بنجاح.
ومع ذلك، كان المظهر التاريخي الأكثر رسمية وتنظيماً للحركة هو لجنة “أميركا أولاً” التي تأسست رسمياً في الرابع من سبتمبر (أيلول) عام 1940 كمجموعة ضغط مؤثرة غير تدخلية مكرسة لإبقاء الولايات المتحدة خارج صراع الحرب العالمية الثانية، لكن اللجنة حُلت على الفور في الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد أيام من الهجوم الياباني على بيرل هاربور الذي أنهى فعلياً الاتجاه الانعزالي الأميركي الذي ساد لعقود من الزمن.
عودة قوية بعد غياب
تخلت أميركا منذ ذلك الحين عن انعزاليتها واختفى شعار “أميركا أولاً” بعدما أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية قوة فريدة من نوعها اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، وحافظت على قوتها وهيمنتها العالمية حتى الآن، ولم يظهر هذا الشعار من جديد في الخطاب السياسي سوى خلال تسعينيات القرن الماضي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة مع بزوغ نجم بات بوكانان كأحد أبرز رموز حركة المحافظين القدامى خلال حملاته الرئاسية الشعبوية في الأعوام 1992 و1996 و2000.
عارض بوكانان بشدة اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) والاتفاق العام للتجارة والتعريفات الجمركية “الغات”، محذراً من أن عولمة الشركات من شأنها أن تؤدي إلى تدمير الصناعات الأميركية.
كما دعا إلى بناء جدار حدودي ووقف الهجرة للحفاظ على أسواق العمل المحلية، وجادل كذلك بأن أميركا يجب أن تعود لكونها جمهورية وليست إمبراطورية، منتقداً بشدة توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو).
لكن بوكانان لم يصل أبداً إلى البيت الأبيض، بينما كانت الفرصة سانحة للرئيس ترمب ليعتمد الشعار بالكامل كعقيدة حكم حديثة خلال الحملة الرئاسية لعام 2016، ليحول تحذيرات بوكانان إلى واقع فعلي حاكم، فألغى الشراكة عبر المحيط الهادئ وأعاد التفاوض في شأن اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية في اتفاق الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا، وفرض تعريفات جمركية شاملة على معظم دول العالم، وشيد مئات الأميال من الجدار الحدودي وقيد الهجرة ورسخ استراتيجية السياسة الخارجية القائمة على المعاملات عبر مبدأ السلام من خلال القوة.
ومع ذلك، يختلف بوكانان الانعزالي الرافض للتدخلات الخارجية عن ترمب الذي يرفض صراحة وصف “الانعزالي”، وبدلاً من الخفض العسكري الكامل، تركز عقيدته على “السلام من خلال القوة”، ولذلك تعهد تاريخياً بزيادة الإنفاق الدفاعي ونفذ ضربات عسكرية عالية التأثير في فنزويلا وإيران هذا العام وهدد بغزو غرينلاند وبنما وكوبا وبقصف المكسيك ودعا كندا لأن تصبح ولاية أميركية، وبدلاً من التخلي عن حلف شمال الأطلسي أو التحالفات الثنائية، استخدم ترمب التهديدات الاقتصادية القسرية مثل المطالبة بحد صارم للإنفاق الدفاعي بنسبة خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لإجبار الحلفاء على دفع حصتهم العادلة مع الحفاظ على الهيمنة الأميركية.
تعزيز القوة الأميركية
لكن بعد التطبيق الفعلي لشعار “أميركا أولاً” من خلال سياسات ترمب، يسود الجدل في واشنطن بين المؤيدين والمعارضين لمبادئ هذا الشعار، إذ يرى المؤيدون أن نهج “أميركا أولاً” أضفى جرعة ضرورية من الواقعية على السياسة الخارجية الأميركية، محولاً التركيز من الحفاظ على إمبراطورية عالمية مكلفة إلى حماية المصالح الداخلية والاستراتيجية الأساسية بقوة.
ويشيرون في هذا السياق إلى تحديث الجيش الأميركي وإنعاش القاعدة الصناعية الدفاعية المحلية وتعظيم النفوذ الاستراتيجي واستخدام القوة بصورة انتقائية ومركزة للغاية.
ومن خلال مبدأ “السلام من خلال القوة” الذي نصت عليه استراتيجية 2026، رُسخ إطار سياسة “أميركا أولاً” في مبادئ ثابتة من خلال منشورات رسمية، تحديداً استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة في يناير (كانون الثاني) الماضي واستراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية الصادرة في مايو (أيار) الماضي.
وأدى ذلك إلى ترتيب الأولويات الأميركية بصورة جذرية من خلال التخلي عن “التوسع الاستراتيجي المفرط” السابق، وتحديد الدفاع عن الأراضي الأميركية وردع الصين كأولويات قصوى.
واقعية صارمة
لإضفاء طابع عملي على هذه الاستراتيجية، قنن وزير الدفاع بيت هيغسيث بصفته المؤلف الرئيس لاستراتيجية الدفاع الوطني الصادرة، الانتقال من النزعة الدولية إلى الواقعية الصارمة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لن تعوض بعد الآن أوجه القصور الأمنية لدى الحلفاء الناتجة من خيارات قادتهم، مطبقاً بذلك رسمياً معيار تقاسم أعباء التحالف بنسبة خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ودافع وزير الخارجية ماركو روبيو عن دبلوماسية الإدارة القائمة على المصالح المشتركة وإعادة تأكيد نفوذها في نصف الكرة الأرضية الغربي التزاماً منها بإعادة تأكيد “مبدأ مونرو”، محذراً من أنه على رغم أن واشنطن لا تزال تفضل الحل الدبلوماسي في كوبا، فإنها تحتفظ بقدرتها العسكرية الفورية على تنفيذ عمليات مباشرة ضد القادة هناك في حال تجاوز الخطوط الحمراء.
ويشير تقرير لـ”مؤسسة هيرتدج” اليمينية إلى أن دعم موازنة أميركية دفاعية ضخمة بقيمة 1.5 تريليون دولار وإقرار قانون الموازنة الفيدرالي الأخير الذي أطلق عليه ترمب اسم “القانون الكبير والجميل”، هما الإجراءان اللذان سيوقفان عقداً كاملاً من التراجع من أجل إعادة ترسيخ القدرات القتالية الفتاكة القادرة على ترهيب الخصوم.
الردع مقابل التصعيد
من وجهة نظر بعضهم، فإن الإجراءات الهجومية غير المتوقعة والتهديدات الصريحة، نجحت في استعادة الخوف الحقيقي من القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، مما أجبر على العودة للردع القائم على الواقع.
ويشير تقرير لـ”المجلس الأطلسي” إلى أن استراتيجية إدارة ترمب في التخلي عن عقود من التوسع الاستراتيجي المفرط وبناء الديمقراطية في الدول الأخرى كانت ناجحة من خلال تصنيف التهديدات بصورة صريحة وتنفيذ عمليات عسكرية مباشرة مثل العمليات الضخمة ضد البنية التحتية النووية الإيرانية الصيف الماضي، وتسليم رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، مما أرسى استراتيجية فاعلة تحت اسم الردع بالمنع أو الردع مقابل التصعيد.
وتسلط هذه الاستراتيجية الضوء على العمليات العسكرية والاقتصادية التي تهدف إلى تحييد الشبكات البحرية المدعومة من دول مثل إيران، عبر الاستخدام المكثف لعمليات اعتراض ناقلات النفط التابعة لـ”أسطول الظل” الإيراني، والعقوبات الموجهة لطهران كحرب اقتصادية تخنق قنوات تمويل الخصوم قبل أن يتمكنوا من تهديد المصالح الأميركية، قبل التوصل إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة مع إيران.
واقعية براغماتية
وعلى رغم الجدل حول اتفاق الإطار مع إيران، يرى أنصار “أميركا أولاً” أن الإدارة استخدمت سياسة واقعية نفعية ناجحة تمثل درساً نموذجياً في تسخير القوة الأميركية لتحقيق مكاسب فورية وملموسة في الأمن القومي والاقتصاد المحلي على اعتبار أن الهدف الرئيس من مذكرة التفاهم كان إنهاء نزاع إقليمي مدمر استمر 40 يوماً، واستعادة الملاحة التجارية من دون انقطاع عبر مضيق هرمز.
وفي إطار “أميركا أولاً”، فإن الحفاظ على خطوط الشحن العالمية وتجنب ارتفاع كارثي في أسعار الطاقة يُعدان مكسباً مباشراً للمستهلك الأميركي، ومن خلال استخدام الإدارة الأميركية النفوذ الهائل الناتج من الضربات العسكرية السابقة، أجبرت إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل إنهاء خطر البرنامج النووي الإيراني، وإن تخفيف العقوبات موقتاً عن إيران هو وسيلة عملية لكسب الوقت وإنجاز المهمة من دون توريط القوات الأميركية في حرب لا نهاية لها.
تقاسم الأعباء
يشير “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن إلى أن استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026 حوّلت هيكلياً مسؤولية الدفاع الأوروبي إلى الأوروبيين أنفسهم، فمن خلال فرض معيار صارم للإنفاق الدفاعي بنسبة خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على حلفاء “الناتو”، نجحت الإدارة في إجبار أوروبا على تمويل أمنها ومواردها الخاصة لمعالجة قضاياها الإقليمية مثل الحرب في أوكرانيا، بعدما سمحت عقوداً من التطمينات الأميركية للحلفاء بالتصرف كمعتمدين بدلاً من شركاء حقيقيين، مما أضعف الأمن العالمي.
وسيتيح هذا التغير الواضح في التعامل الأميركي مع الحلفاء الأوروبيين للأصول الأميركية الحيوية التركيز بصورة مكثفة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ والصين.
النفوذ الاقتصادي
بدلاً من اعتماد واشنطن على الإجماع متعدد الأطراف، استخدمت الإدارة الاميركية بقوة ضخامة السوق في الولايات المتحدة كوسيلة ضغط، فمن خلال التهديد بفرض تعريفات جمركية شاملة أو تطبيقها فعلياً ضد خصوم مثل الصين، وحتى ضد حلفاء تقليديين مثل كندا والمكسيك وأوروبا، نجحت الولايات المتحدة في إجبارهم على إعادة التفاوض حول الاتفاقات التجارية مثل استبدال اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية “نافتا” باتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
كما أدى تركيز السياسة الأميركية بصورة كبيرة على تخفيف القيود البيئية، ومن ثم إطلاق العنان لإمكانات الوقود الأحفوري والصخري الأميركي، إلى تحويل الولايات المتحدة إلى قوة عظمى عالمية في مجال الطاقة، ومصدر صافٍ للنفط والغاز الطبيعي المسال، مما منح واشنطن نفوذاً جيوسياسياً هائلاً، ولا سيما في ما يتعلق بتبعية أوروبا لها في هذا المجال.
إضعاف النفوذ الأميركي
في المقابل، رأى عدد كبير من الشخصيات التقليدية في مؤسسة السياسة الخارجية أن سياسة “أميركا أولاً” ألحقت ضرراً بالغاً بمكانة الولايات المتحدة العالمية على المدى الطويل، بتقويضها لأهم أصولها وهي القوة الناعمة والتحالفات.
كما أن الانسحاب من الاتفاقات والمؤسسات متعددة الأطراف أو تقويضها مثل اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية، أوحى للعالم أن الولايات المتحدة لم تعُد قائداً يُعتمد عليه، وأن النظام القائم على القواعد يتآكل بسرعة مما يؤدي إلى نشوء فراغات في قمة السلطة العالمية يمكن أن تستغلها قوى منافسة مثل الصين وروسيا.
توتر التحالفات
أدى تعامل الإدارة الأميركية مع الحلفاء القدامى بشك نفعي وفرض تعريفات جمركية عليهم، إلى نفور شركاء رئيسيين، والإضرار بتبادل المعلومات الاستخباراتية التعاونية والتوافق الدبلوماسي والردع العسكري المشترك التي شكلت تاريخياً الركيزة الأساسية للهيمنة الأميركية العالمية.
وتشير المديرة العامة لـ”صندوق مارشال” الألماني بوني غلاسر إلى أن الخطاب الهجومي للإدارة الأميركية ونهجها العملي للغاية تجاه الالتزامات الأمنية مع أوروبا، من المحتمل أن يجبرا الأوروبيين على زيادات محدودة وقصيرة الأجل في الإنفاق، ولكنهما في نهاية المطاف يهددان بتقويض الثقة المؤسسية الراسخة بين الطرفين، كما أن التهديد العلني للحلفاء ربما يضعف التماسك طويل الأمد اللازم لمواجهة تحالف الصين وروسيا بصورة هيكلية.
ويحذر خبراء أوروبيون من أن الجمع بين التعريفات الجمركية والمطالب الدبلوماسية المتكررة للإدارة في شأن غرينلاند، يخلق ثغرات خطرة في موثوقية التحالف يمكن أن تسيء موسكو أو بكين تقديرها وتستغلها بسهولة.
إضافة إلى ذلك، يحذر تقرير لـ”مركز ستيمسون” من أن تعامل الولايات المتحدة مع حلفائها كالتزامات مالية يشير إلى تشتت داخلي وإذا شعرت موسكو أو بكين بأن الضمانة الدفاعية الأميركية المهمة ضعفت بسبب المطالب السياسية، فإن خطر سوء التقدير والعدوان التكتيكي ضد حليف في “الناتو” أو حليف آسيوي سيزداد بصورة كبيرة.
كما أن الانفصال الاقتصادي القسري عن الولايات المتحدة يدفع الحلفاء الأوروبيين بنشاط إلى البحث عن شبكات تجارية بديلة ومستقلة مع دول مثل الهند والصين.
حدود القوة العسكرية
يشير محللون في “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” إلى أنه على رغم العمليات العسكرية الأميركية- الإسرائيلية المشتركة الضخمة ضد إيران، فقد تكشف أن للقوة العسكرية الأميركية حدوداً، وأنها تورطت بعمق في صراع شرق أوسطي لا يمكن التنبؤ به، مما يتعارض بصورة مباشرة مع هدف استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية المعلن عنها، والمتمثل في سحب القوات القتالية بسلاسة للتركيز على أولويات طويلة الأجل مثل الصين.
وأوردت دراسة نشرتها “مجلة التنمية والعلوم الاجتماعية” أن عقيدة الصدمة التي اتبعتها الإدارة الأميركية هي نموذج مدفوع بالكامل بالسرعة والإكراه والفوضى التي تستهدف إجبار الخصم على تقديم تنازلات سريعة، لكنها سياسة من شأنها أن تقوض هيكلياً النظام الدولي القائم على القواعد، مما يجعل الاتفاقات التالية غير مستقرة للغاية، وتعتمد على أهواء قائد واحد بدلاً من عقود متينة، كما أن الاعتماد على الضربات القصيرة والحادة والإكراه الاقتصادي يخلقان بيئات شديدة التقلب توقع الولايات المتحدة بسهولة في صراعات طويلة الأمد.
والأهم من ذلك، أن مذكرة التفاهم الأميركية مع إيران، نظر إليها بعضهم بمن فيهم صقور الأمن الجمهوريون على أنها تُعد بمثابة تراجع عن “سياسة الضغط الأقصى” التي استخدمتها إدارة ترمب لفترة طويلة، مما يقوض بصورة جوهرية السلامة الهيكلية لفلسفة “أميركا أولاً”.
وعلى سبيل المثال، يرى خبير الشؤون الدولية برايان هوك أن رفع الولايات المتحدة موقتاً الحظر المفروض على النفط الخام الإيراني والمنتجات البتروكيماوية حتى الـ21 من أغسطس (آب) المقبل، يعني أن الإدارة تخلت قبل الأوان عن أقوى نفوذ اقتصادي لديها، بينما يرى آخرون أن تقديم مليارات الدولارات كإغاثة فورية قبل ضمان تراجعها بصورة دائمة عن القدرات النووية، يمنح طهران شريان حياة مالياً حيوياً.
ويحذر باحثون في “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية” من أن الصياغة المبهمة لمذكرة التفاهم تسمح لإيران بتطبيق آلية رسوم فعلية على خطوط الشحن بعد انقضاء مهلة الـ60 يوماً، وأن السماح لخصم معادٍ بتغيير قواعد الملاحة الدولية عن طريق الترهيب، يُعد فشلاً ذريعاً للردع الأميركي.
قصور اقتصادي ودبلوماسي
يرى اقتصاديون كثر أن استخدام التعريفات الجمركية كسلاح على نطاق واسع أدى إلى فرض تعريفات انتقامية من دول أخرى وتعطيل سلاسل التوريد العالمية ورفع الكلف في نهاية المطاف على المستهلكين والشركات الأميركية بدلاً من سد العجز التجاري الأميركي فعلياً.
كذلك، أدى تحول الولايات المتحدة وفقاً لمبدأ “أميركا أولاً” من موقف استثنائي يدعو إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، إلى واقعية قومية بحتة تبحث عن مصلحتها الذاتية بصرف النظر عن المبادئ الأخلاقية، إلى إضعاف القوة الناعمة الأميركية، ومن دون صدقية القيادة بالقدوة، فقدت الولايات المتحدة نفوذاً دبلوماسياً عالمياً كبيراً.
