ملخص
ترمب في حرب مع إيران بلا إستراتيجية متكاملة ولا إستراتيجية خروج. وهو يطلب اليوم من مساعديه ما تجاهله قبل الحرب وخلالها، إعداد إستراتيجية “اليوم التالي” بعد الحرب على إيران. والظاهر من خطوطها العامة هو العمل على مراحل.
ليس قليلاً عدد السيناريوهات المعدة تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد في شرق أوسط قديم لا يكاد يعرف نفسه. وكل سيناريو يولد في العتمة مثل الفطر، ويقترب من الموت في الضوء حين ينسخ حدث كبير حدثاً كبيراً آخر جاء به، فيصطف الى جانب سواه من السيناريوهات فلا يكتمل أي منها
والسجل طويل. من طبعة ما بعد “اتفاق أوسلو” و”سلام كامب ديفيد” و”معاهدة وادي عربة” إلى طبعة ما بعد الثورة الإسلامية في إيران ورهان الإمام الخميني على “تصدير الثورة”. ومن طبعة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وصعود الأحادية الأميركية إلى قمة العالم، إلى طبعة ما بعد ثورات “الربيع العربي” وعودة التعددية القطبية بصعود الصين واستعادة روسيا لدورها. والجديد اليوم هو طبعة ما بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وسط أحلام “إسرائيل الكبرى” و”إيران العظمى” و”تركيا العثمانية الجديدة”.
والكل محكوم بما ينتهي إليه صدام الإستراتيجيات، ذلك أن الرئيس دونالد ترمب يلعب كل الأوراق في وقت واحد من دون التركيز على ورقة واحدة إلى النهاية. حرب من أجل صفقة، سلام يحتاج إلى حرب، هيمنة بالإجبار من دون “الجاذبية والدفع” بحسب روبرت كيهان وجوزف ناي في كتاب “نهاية القرن الأميركي الطويل”. فهو في حرب مع إيران بلا إستراتيجية متكاملة ولا إستراتيجية خروج، وهو يطلب اليوم من مساعديه ما تجاهله قبل الحرب وخلالها، إعداد إستراتيجية “اليوم التالي” بعد الحرب على إيران. والظاهر من خطوطها العامة هو العمل على مراحل.
مرحلة الانتهاء من مضاعفات ما بعد “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وحروب غزة ولبنان وإيران، بالتالي تنفيذ خطة ترمب في القطاع، ومرحلة التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل وتنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل، ومرحلة توسيع “اتفاقات أبراهام” بين إسرائيل والدول العربية، ومرحلة بناء نظام أمني إقليمي بين حلفاء أميركا في المنطقة لاحتواء إيران. لكن “حرب ما بعد الحرب أصعب من الحرب” كما يرى الخبير الإستراتيحي الأميركي أنطوني كوردسمان. وإستراتيجية ترمب لـ”اليوم التالي” تواجه أربعة تحديات لا مجال للهرب منها ولا من السهل إيجاد حلول لمشكلاتها.
التحدي الأول هو الرقم الفلسطيني “الناقص” في المعادلة، فأي نظام أمني إقليمي من دون دولة فلسطينية ليس نظاماً أمنياً، بل وصفة للصراعات والحروب.
والثاني هو الدور الإسرائيلي “الفائض” في اللعبة، فالدولة التي تتصرف كأنها قوة إقليمية عظمى تبني “إسرائيل الكبرى” تتغول على غزة والضفة الغربية وتصر على إقامة “مناطق عازلة” في الجنوب اللبناني والجنوب السوري. وإسرائيل غير الآمنة ضمن خطوطها والمحتاجة إلى احتلال أراضٍ عربية إضافية كيف تطمئن شركاءها في “اتفاقات إبراهام” على أمنهم؟ وكيف يمكن الاطمئنان إلى نظام أمني إقليمي إذا كانت استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي تفرض، لا فقط مواجهة تهديدات ملموسة بل أيضاً شن حروب وقائية لمنع أية قوة عربية من تطوير قدراتها العسكرية؟
والثالث هو أن حرب إيران توقفت قبل الوصول إلى الحسم، ومن تمارين العبث رسم سيناريو لليوم التالي بعد حرب غير محسوبة. فكيف إذا كانت طهران تعلن أنها منتصرة، وتصر على إكمال مشروعها الإقليمي الذي يشكل العالم العربي المسرح الوحيد له في إطار يتجاوز الهيمنة والسطوة والابتزاز؟ وكيف إذا كانت المعادلة غير مألوفة في الحروب، أميركا تضرب إيران، وطهران تضرب دول الخليج والأردن؟
والرابع هو الجدل داخل أميركا حول حرب إيران وما حدث فيها حتى اليوم، إضافة إلى الحرب الاقتصادية والحصار. فالزميل ومدير دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في “معهد إنتربرايز” الأميركي كوري شاك يتحدث في مقالة نشرتها “فورين أفيرز” عن “خطأ ترمب” وتجاهله لمبدأ وزير الدفاع کاسبار واينبرغر لخوض الحروب والذي رسم خطوطه الأولية الجنرال كولن باول. وأستاذ العلوم السياسية والقضايا العالمية في “جامعة جورج واشنطن” مارك لينش يقول في مقالة نشرتها المجلة نفسها إن “الشرق الأوسط الأميركي انتهى”، ويسجل أن “النظام الإقليمي الذي نجح منذ عام 1991 صار من ضحايا الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران”.
ولا شيء يحول دون أن يفكر المتشددون في الحرس الثوري في شن هجوم عسكري واسع على القوات الأميركية ودول الخليج، وأن يقول رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف لأميركا إن “قواعد اللعبة تبدلت”، ولا بالطبع دون أن يرى ترمب ونتنياهو نهاية قريبة لإيران وبداية شرق أوسط جديد بعد حرب إيران. لكن الواقع أن المنطقة تعاني صدام الإستراتيجيات في حروب ناقصة وأزمات بلا حلول. وكل شرق أوسط جديد في صدام الإستراتيجيات يعيدنا للشرق الأوسط القديم وما فيه من نواقص ونكبات. ولا أحد يعرف أيهما الأخطر، القديم أو الجديد.
