
اساس ميديا إسلام آباد
– تنظر باكستان بقلق متزايد إلى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب انعكاساته على أمن المنطقة، وإنما أيضاً لأن أي توسع للصراع ليشمل المملكة العربية السعودية قد يضع إسلام آباد أمام واحد من أكثر الاختبارات تعقيدا في سياستها الخارجية منذ سنوات.
فالقيادة الباكستانية تدرك أن انتقال المواجهة من دائرة الاشتباكات المحدودة إلى استهداف مباشر للسعودية أو لمرافقها الحيوية لن يكون حدثا إقليميا عاديا، بل تطورا قد يفرض عليها إعادة تقييم حساباتها الإستراتيجية، في ظل العلاقات الدفاعية الوثيقة التي تربطها بالرياض، وما يرافقها من التزامات سياسية وأمنية يصعب تجاهلها.
ويأتي هذا القلق بالتزامن مع تصاعد التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر، وإعلان جماعة الحوثي توسيع ضغوطها على الموانئ السعودية، وهو ما تعتبره إسلام آباد مؤشرا على احتمال انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعا، يكون فيها أمن الخليج جزءا من ساحة الصراع المباشر.
وفي هذا السياق، أعربت وزارة الخارجية الباكستانية، الأربعاء، عن “قلق عميق إزاء المحاولات الرامية إلى جر المملكة العربية السعودية إلى الحرب في الشرق الأوسط”، مؤكدة في الوقت نفسه دعم باكستان “الثابت لأمن المملكة العربية السعودية وسيادتها ووحدة أراضيها وازدهارها”.
◄ يبدو أن القلق الباكستاني لا يرتبط فقط باحتمال اندلاع حرب جديدة في الخليج، وإنما بالخوف من أن تتحول السعودية إلى بوابة لتوسيع الصراع
ولا يعكس هذا الموقف مجرد تضامن سياسي مع حليف تقليدي، بل يستند إلى شبكة واسعة من العلاقات الدفاعية والعسكرية التي تطورت على مدى عقود، وجعلت من التعاون الأمني بين البلدين أحد أبرز ركائز العلاقة الثنائية.
وتنظر الدوائر الإستراتيجية في إسلام آباد إلى أي محاولة لاستهداف السعودية باعتبارها تطورا قد يضع الاتفاقيات الدفاعية القائمة أمام اختبار عملي، حتى وإن ظل شكل الاستجابة الباكستانية في النهاية رهنا بالقرار السياسي وتقدير طبيعة التهديد وحجمه.
ولهذا السبب، ترى باكستان أن محاولات توسيع دائرة الحرب لتشمل المملكة لا تستهدف الرياض وحدها، بل قد تجر بصورة غير مباشرة شركاءها الأمنيين إلى معادلة إقليمية أكثر تعقيدا، وهو ما يفسر حرصها على توجيه رسائل ردع مبكرة تؤكد رفضها لأي خطوات من شأنها نقل المواجهة إلى الخليج.
ويعتقد محللون أن إسلام آباد لا تخشى فقط احتمال الانخراط العسكري، وإنما تخشى كذلك فقدان هامش التوازن الذي حافظت عليه طوال السنوات الماضية في علاقاتها مع مختلف أطراف المنطقة، إذ ترتبط بعلاقات وثيقة مع السعودية ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تحرص على عدم الوصول إلى مواجهة مباشرة مع إيران، بحكم الجوار الجغرافي والحدود المشتركة والتداخلات الأمنية في إقليم بلوشستان.
ويجعل هذا التوازن الدقيق القيادة الباكستانية أكثر حساسية تجاه أي تطور قد يفرض عليها الانحياز الكامل إلى أحد طرفي الصراع، وهو سيناريو تسعى إلى تجنبه قدر الإمكان، دون أن يبدو ذلك تراجعا عن التزاماتها تجاه الرياض.
كما تدرك إسلام آباد أن أي حرب واسعة في الخليج ستنعكس مباشرة على اقتصادها الذي يعاني أصلا من ضغوط كبيرة، إذ تعتمد بصورة أساسية على استقرار إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة، كما تستضيف السعودية واحدة من أكبر الجاليات الباكستانية العاملة في الخارج، والتي تمثل تحويلاتها المالية موردا حيويا للاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اضطراب طويل في أمن الخليج أو في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الباكستاني، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع التحويلات أو تعطل حركة التجارة.
◄ إسلام آباد لا تخشى فقط احتمال الانخراط العسكري، وإنما تخشى كذلك فقدان هامش التوازن الذي حافظت عليه طوال السنوات الماضية
ولا يقل البعد الأمني أهمية عن البعد الاقتصادي، إذ ترى باكستان أن استهداف الموانئ والمنشآت الحيوية السعودية لا يقتصر تأثيره على المملكة وحدها، بل يهدد أمن خطوط التجارة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، بما يحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى تحد ذي أبعاد دولية.
وتعتبر إسلام آباد أن استمرار الهجمات عبر الوكلاء أو تصاعدها يرفع احتمالات سوء التقدير بين الأطراف المختلفة، ويزيد من فرص انزلاق المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواؤها لاحقا، خاصة إذا امتدت إلى الممرات البحرية الإستراتيجية.
ولهذا تكثف الدبلوماسية الباكستانية اتصالاتها مع شركائها الإقليميين والدوليين للتأكيد على ضرورة منع انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة، انطلاقا من قناعة بأن احتواء الأزمة لا يخدم أمن الخليج فقط، بل يحمي كذلك استقرار جنوب آسيا الذي قد يتأثر بصورة مباشرة بأي انفجار إقليمي واسع.
وتحاول إسلام آباد في الوقت ذاته توجيه رسالة مزدوجة؛ فهي تؤكد التزامها الثابت بأمن السعودية وسيادتها، لكنها تشدد أيضا على أن أفضل السبل لحماية هذا الأمن هو منع توسع الحرب، وليس الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تفرض على الجميع خيارات أكثر تعقيدا.
وفي هذا السياق، تدعو باكستان المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية لمنع استهداف السعودية أو تهديد الملاحة الدولية، باعتبار أن احتواء التصعيد في هذه المرحلة يمثل مصلحة جماعية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وفي المحصلة، يبدو أن القلق الباكستاني لا يرتبط فقط باحتمال اندلاع حرب جديدة في الخليج، وإنما بالخوف من أن تتحول السعودية إلى بوابة لتوسيع الصراع، بما يضع إسلام آباد أمام معادلة صعبة تجمع بين الوفاء بتحالفاتها الإستراتيجية والحفاظ على استقرارها الداخلي وتوازناتها الإقليمية. ولذلك تبدو الرسالة الباكستانية واضحة: دعم أمن المملكة التزام ثابت، لكن منع استدراجها إلى الحرب يظل الخيار الأكثر أهمية لتجنب انفجار إقليمي قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا بأكمله.