
سؤالاً واسعاً داخل إيران وخارجها حيال شكل الجمهورية الإسلامية في عهد نجله مجتبى خامنئي، خصوصاً أن القائد الجديد لم يظهر علناً منذ انتخابه قبل أكثر من 4 أشهر، وسط حرب طويلة وهدنة مضطربة وتصعيد عسكري متجدد مع أميركا في مضيق هرمز والخليج.
غياب يثير التكهنات
يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر نظراً إلى غياب المرشد الجديد عن المشهد، إذ لم يظهر علناً، ولم تُنشر له أي صورة أو تسجيل صوتي طوال هذه الفترة. ويقال إنه أُصيب مرتين خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية، وتعرّض لإصابات بالغة، الأولى في 28 شباط/فبراير، في اليوم الأول للحرب، والثانية بعد أيام قليلة في أحد مستشفيات طهران، حيث كانت الإصابة أشد.
وأكد أحمد خاتمي، عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة، وهو المجلس المؤلف من 86 رجل دين واختار مجتبى خامنئي قائداً، الإصابات الخطيرة التي تعرّض لها، وأعلن تجاوز خطر بتر قدمه.
وخلال الأشهر السابقة، وجّه مجتبى خامنئي عدداً من الرسائل المكتوبة، وأكد مسؤولون إيرانيون أنه بصحة جيدة ويتولى زمام الأمور، وأن امتناعه عن الظهور يعود إلى اعتبارات أمنية للحفاظ على حياته. مع ذلك، كان الرأي العام الإيراني يتوقع حضوره في مراسم تشييع والده ودفنه، وربما إقامة صلاة الجنازة، إلا أن ذلك لم يحدث.
أدى ذلك إلى تجدد التكهنات بشأن مصيره وحالته الصحية. ويعتقد البعض أنه قُتل، أو أن شدة إصاباته أفقدته القدرة على الكلام. وحتى بعض المتشددين السياسيين الذين يعارضون أي مفاوضات أو اتفاق مع الولايات المتحدة، ويهاجمون الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، يلمحون إلى احتمال غيابه أو عجزه عن ممارسة مهامه، ويدّعون أن هؤلاء الثلاثة يستغلون غياب القيادة لتنفيذ برامجهم وسياساتهم في “الجمهورية الثالثة”.
هؤلاء الأشخاص والجماعات، الذين يقودون التجمعات الشعبية في ليالي ما بعد الحرب، وحملوا رايات “يا لثارات الخامنئي” خلال مراسم التشييع، ورفعوا شعارات الثأر والانتقام من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقولون إنهم لن يوافقوا على أي اتفاق أو هدنة إلا إذا صدرا عن مجتبى خامنئي بصورة مباشرة وعلنية.
ومن الشواهد الأخرى التي تعزز فرضية عجز مجتبى خامنئي عن القيادة أنه لم يصدر أي قرارات تعيين للقادة العسكريين في إيران، فيما لا تزال مناصب مهمة مثل رئاسة أركان القوات المسلحة وقيادة الحرس الثوري شاغرة، ويستمر النواب السابقون في إدارتها.
قيادة قليلة الكلام
يرى فريق آخر أنه حتى لو زالت التهديدات الأمنية عن حياة مجتبى خامنئي، وهي السبب الرئيسي المعلن لغيابه، فإن إيران لن تشهد قائداً يشبه علي خامنئي في دوره المحوري والعلني في السياسات والقرارات، وفي إلقاء الخطب المتكررة ولقاء الشخصيات السياسية والثقافية والاقتصادية داخلياً وخارجياً.
ويرى هؤلاء أن على الشعب والمسؤولين الإيرانيين الاستعداد لقيادة “غائبة وقليلة الكلام”، لأن الظروف في إيران تغيرت، وشخصية مجتبى خامنئي لا تشبه شخصية والده، إذ يفضل اتخاذ القرارات خلف الأبواب المغلقة وفي مجالس محدودة.
لكل من هذه الادعاءات شواهدها، غير أن إعطاء رأي قاطع في ما سيحدث فعلاً في المستقبل يبقى أمراً صعباً. ويمكن القول إن هناك سيناريوين رئيسيين أمام إيران في مرحلة ما بعد علي خامنئي وقيادة نجله.
استمرار النهج السابق
السيناريو الأكثر احتمالاً هو استمرار سياسات إيران السابقة في المرحلة الجديدة، مع استمرار التوتر مع أميركا وإسرائيل. وستكون النتيجة استئناف الحرب والاغتيالات، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاستياء الشعبي. وقد يلقى مجتبى خامنئي مصير والده في الهجمات والاغتيالات.
ويبدو هذا السيناريو أكثر احتمالاً لأن المسؤولين الإيرانيين، بعد الحربين الأخيرتين، اقتنعوا بأن قدرتهم على الصمود أمام أميركا كبيرة، وأن واشنطن وتل أبيب غير قادرتين على إسقاط النظام، ما يستدعي مقاومتهما أكثر من السابق. وأصبحت القاعدة الاجتماعية للنظام أكثر نشاطاً وتماسكاً بعد الحرب، وباتت تطالب باستمرار النزاع لطرد القوات الأميركية من الخليج.
مسار التغيير التدريجي
السيناريو الثاني أقل احتمالاً، لكنه غير مستبعد. ويقوم على تغييرات تدريجية في سياسات إيران ضمن 3 مجالات رئيسية: تخفيف التوتر في العلاقات الخارجية ولا سيما مع الولايات المتحدة، وتخفيف القيود السياسية والاجتماعية، وإصلاح الاقتصاد الوطني.
ويعتقد أنصار هذا السيناريو أن مجتبى خامنئي، من خلال عدم ظهوره العلني، وتفويض تنفيذ التغييرات إلى بزشكيان وقاليباف، يريد السير في هذا المسار بأقل تكلفة ممكنة، وتقليص المعارضة الداخلية تدريجاً، وإضعاف طاقات الخصوم مع مرور الوقت.
ذلك لأن واقع إيران يفرض على مجتبى خامنئي، سواء أراد أو لم يرد، اختيار مسار التغييرات الجوهرية. ومن دون هذا الخيار، قد يواجه خلال وقت قصير مصير والده.