ملخص
كلما تراجع المشروع الإيراني، اتسعت محاولاته لنقل كلفة أزماته إلى المنطقة والعالم. من استهداف منشآت النفط السعودية إلى تهديد باب المندب وتحريك الجماعات المسلحة عبر العراق واليمن ولبنان، تبدو طهران وكأنها تعوّض خسارة النفوذ بتوسيع القدرة على التعطيل. فاستهداف خطوط الطاقة والممرات البحرية لا يحتاج إلى إغلاق كامل كي يرفع كلفة التأمين والشحن ويضغط على الأسواق العالمية.
كلما تراجع مشروع النظام الإيراني، اتسعت الجغرافيا التي يريد تحميلها كلفة خسائره. فاستهداف منشآت النفط السعودية والتقدم الحوثي نحو باب المندب وتحريك الجماعات المسلحة عبر الحدود تكشف عن منطق سياسي واحد: تحويل مأزق طهران إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي، حتى يصبح استقرار الأسواق ورقة تفاوض لتحسين شروطها. إنها محاولة لتعويض تآكل النفوذ بتوسيع القدرة على التعطيل، وتسويق القدرة على إيذاء الآخرين باعتبارها انتصاراً.
وتتضح الصلة أكثر في الهجمات على منظومة التصدير السعودية، ففي الـ27 من يوليو (تموز) الماضي، أعلن الحوثيون استهداف مواقع لنقل النفط بين شرق المملكة وينبع. وفي الـ11 من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلنت السعودية تعرض خط “شرق–غرب” لمسيّرات آتية من العراق، تسببت بإصابات وأضرار، فأوقفت تشغيله احترازياً. ويجب التمييز بين الواقعتين، لكن تكرار استهداف المنظومة نفسها من ساحات مختلفة يكشف عن الخطر الذي يهدد مخارج الطاقة الخليجية.
وثمة معطى أشد دلالة، إذ نقلت وكالة “رويترز” في الـ30 من يوليو الماضي، تقديرات سعودية وإقليمية عن مشاركة الحوثيين في هجمات على المملكة من الأراضي العراقية، بالتنسيق مع فصائل عراقية وتحت إشراف الحرس الثوري. وسبق أن اتهمت القيادة المركزية الأميركية “الحرس” بتوجيه هجمات على منشآت سعودية. وهذه التقديرات لا تحسم هوية منفذي اعتداء سبتمبر الجاري، لكنها تشير إلى تشابك عملياتي يتجاوز توزيع الأدوار التقليدي بين أذرع منفصلة. وتتيح هذه الشبكة توزيع المسؤولية بين جهات وبلدان مختلفة، وإرباك تحديد مصدر الاعتداء والرد عليه. وهكذا تستفيد طهران من أثر التصعيد، بينما تتبادل الأطراف روايات التنفيذ والإنكار، ويتحمل البلد المستضيف تبعات قرار لم تتخذه مؤسساته.
تكمن أهمية خط “شرق–غرب” في نقل النفط إلى البحر الأحمر متجاوزاً هرمز، فيما يتيح خط أبو ظبي– الفجيرة منفذاً إماراتياً عبر خليج عمان. إنها استثمارات تقلص قابلية الاقتصادات الخليجية للاحتجاز عند مضيق واحد. لكن طاقتها محدودة ولا تعوّض جميع تدفقات النفط والغاز، خصوصاً الغاز الطبيعي المسال. كذلك، فإن الحماية الأميركية للعبور قرب الساحل العماني، ضمن ترتيبات زمنية محددة، تؤكد استمرار الحاجة إلى تأمين المضيق. لذلك، فالأدق وصف التصعيد الإيراني بأنه توسيع لجغرافيا الابتزاز لتعويض تقييد أدواته، مع استمرار الخطر في هرمز.
وهنا تتكامل ملاحقة الأنبوب مع تهديد باب المندب، الأول يصيب البديل البري، والثاني يهدد بعض الشحنات بعد بلوغ البحر الأحمر. فصادرات ينبع المتجهة شمالاً إلى السويس لا تعبر باب المندب، بينما تواجهه الشحنات المتجهة جنوباً نحو آسيا. إنها ضغوط على حلقات متتابعة من سلسلة الإمداد، غايتها المحتملة إقناع العالم بأن تجاوز نقطة الخطر لن يحرره من الخطر نفسه.
ولا تحتاج هذه السياسة إلى إغلاق المضائق بالكامل، إذ يكفي احتمال الاستهداف لترتفع أقساط التأمين وتتغير مسارات السفن وتتأخر البضائع. فخلال أول شهرين من عام 2024، تراجعت التجارة عبر السويس 50 في المئة مقارنة بالعام السابق، وأضاف الالتفاف حول أفريقيا 10 أيام أو أكثر إلى متوسط التسليم. ومع ارتفاع كلفة الطاقة والنقل معاً، ينتقل الضرر إلى المصانع والأسواق والمستهلكين، فتغدو المنشأة السعودية المستهدفة جزءاً من أزمة تتجاوز المملكة والمنطقة. وهذه مفارقة القوة في الحروب غير المتكافئة، قد تكون كلفة إطلاق المسيّرة محدودة، بينما تصبح كلفة اعتراضها وتأمين الممر وتغيير مسار الشحنات أضعافاً مضاعفة. بذلك تسعى الجماعة المسلحة إلى انتزاع وزن تفاوضي يتجاوز حجمها الاقتصادي والعسكري.
في الحساب الإيراني المحتمل، يتحول المتضررون إلى قوة ضغط على واشنطن لتخفيف المواجهة. كذلك، يوسع استهداف الخليج الفارق بين كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وكلفتها المباشرة على شركائها، بما قد يدفعهم إلى طلب تسويات منفردة. والأخطر أن يتحول تهديد الملاحة إلى مطالبة بسلطة على العبور نفسه، وتناول تحليل لـ”معهد دراسة الحرب” و”مشروع التهديدات الحرجة” الأميركيَين احتمال سعي الحوثيين إلى فرض رسوم أو شروط مرور، وهنا تصبح حرية التجارة رهينة مساومة مع جماعة مسلحة.
ويتزامن هذا التصعيد مع تراجع البنية التي حملت التوسع الإيراني. والتقدم الحوثي مكسب عسكري حقيقي، لكنه لا يعيد لطهران شبكة النفوذ التي خسرتها في المشرق. ففي سوريا، أنهى سقوط بشار الأسد غطاء دولة وفّر لطهران مجالاً للحركة والإمداد ودعم “حزب الله”. وربما تبقى خلايا ومسارات تهريب، لكن العمل المتخفي لا يعوّض امتلاك حليف في السلطة. ومع ذلك، أعلن قائد الحرس الثوري آنذاك، بعد سقوط الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أن قوة إيران لم تتراجع. وتلك كانت صورة مبكرة للإنكار، خسارة تتغير معها الخريطة وخطاب يصر على بقاء الانتصار.
وفي العراق، دانت حكومة علي فالح الزيدي الاعتداء على السعودية وفتحت تحقيقاً وأعفت قائد عمليات ميسان بعد تأكيد انطلاق الهجمات من موقع في المحافظة. وهذه خطوات تتجاوز التضامن اللفظي، وتضع مصالح العراق وعلاقاته العربية في مواجهة حرية حركة الميليشيات. ولا تعني انتهاء النفوذ الإيراني، لكنها تفتح اختباراً جدياً، هل تستطيع الحكومة تحويل التحقيق إلى محاسبة، ومنع استخدام أراضيها منصة لحروب الآخرين؟ فكل تقدم فعلي يسحب من طهران جزءاً من قدرتها على مصادرة القرار العراقي.
أما لبنان، فيكشف عن الكلفة البشرية والسياسية لنموذج “الحماية” الإيراني. وطوال جولات التصعيد الأخيرة، لم يمنع سلاح “حزب الله” الضربات الإسرائيلية أو التوغل والتهجير والدمار، بل اتسعت العمليات الإسرائيلية مع اشتداد المواجهة، بينما بقي السكان يدفعون الثمن. فامتلاك القدرة على إطلاق النار لا يساوي امتلاك القدرة على حماية المجتمع، واستمرار التنظيم خارج الدولة يمنح إسرائيل ذريعة تستخدمها لتوسيع عملياتها. وتبقى إسرائيل مسؤولة عن أفعالها، فيما يتحمل الحزب مسؤولية إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للمواجهة.
في المقابل، أتاح مسار الدولة نتائج ملموسة: انتشار الجيش في زوطر الغربية بعد انسحاب إسرائيلي في يوليو الماضي، وإطلاق خمسة محتجزين مطلع سبتمبر الجاري ضمن جهود دبلوماسية أميركية. ونقلت “تايمز أوف إسرائيل” تأكيداً أميركياً لدور المفاوضات في الإفراج عن المحتجزين. إنها مكاسب محدودة لا تعني انتهاء الاعتداءات أو تحقق الانسحاب الكامل، لكنها تمنح اللبنانيين أساساً لقياس ما تستطيع المؤسسات والمفاوضات إنجازه، بعد أثمان باهظة لم تحقق الحماية الموعودة.
وتكتسب “المناطق النموذجية” قيمتها من تحويل انتشار الجيش وضبط السلاح وعودة السكان إلى وقائع قابلة للتحقق. فالمفاوضات المباشرة، مقترنة بانتظام أميركي جدي، تتيح الضغط لربط التنفيذ اللبناني بانسحاب إسرائيلي إضافي. ويقع على القيادة اللبنانية أن تستثمر الفرصة بحصر السلاح فعلياً وتقوية الجيش واستعادة الخدمات وإعادة الإعمار، مع المطالبة بجدول انسحاب واضح ووقف الاعتداءات. وضعف الدولة يجعل هذه المهمة ملحّة، ولا يمنح الحزب تفويضاً دائماً بالحلول محلها. وعلى واشنطن أن تضمن ألا تتحول الترتيبات الموقتة إلى غطاء لاحتلال دائم، فتعطيل الانسحاب واستمرار التدمير يقوّضان صدقية خيار الدولة، ويمنحان الحزب مادة لاستعادة روايته.
وتناول تحليل لـ”مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن هذا التحدي، نجاح الدولة في خدمة مجتمعها يهدد مبرر وجود “حزب الله”. فكلما أثبتت الدولة قدرتها على استعادة الأرض وحماية السكان، تراجعت حجة السلاح المستقل عنها. وكل قرية يستعيد أهلها حياتهم تحت سلطة الجيش تضع مشروع “الساحات” أمام سؤال جدواه. ولهذا فإن دعم المؤسسات اللبنانية والعراقية واليمنية يمس أساس النفوذ الإيراني، بالتوازي مع حماية الملاحة وملاحقة شبكات التمويل والتسليح.
وفي الداخل الإيراني تبدو كلفة الخيارات أشد وضوحاً، إذ أعلن الرئيس مسعود بزشكيان تراجع التجارة بما بين 25 و35 في المئة، وبلغ متوسط التضخم لـ12 شهراً 69.9 في المئة وفق الأرقام الرسمية المتداولة مطلع سبتمبر الجاري. لا تثبت هذه المؤشرات سقوطاً وشيكاً للنظام، لكنها تكشف عن فشل الوعد بأن التوسع الخارجي يوفر الأمن والازدهار. فحين تتدهور معيشة الإيرانيين، ويصبح تعطيل معيشة الآخرين وسيلة تفاوض، تنكشف الفجوة بين مصالح المجتمع وحسابات السلطة.
كان يمكن لهذا المأزق أن يدفع إلى مراجعة جدية، لماذا يخشى الجيران السياسة الإيرانية؟ وماذا حصدت البلاد من تمويل الأذرع وتحويل الدول إلى ساحات؟ لكن الاعتراف بالفشل يهدد امتيازات منظومة الحرس الثوري وشرعية خطاب المواجهة. وهنا يظهر منطق الحكم الاستبدادي المعزول عن المحاسبة، فتصبح المراجعة خطراً على السلطة، فيما يُحمَّل المجتمع والجوار كلفة الاستمرار. وكلما ضاقت الخيارات، صُوّر التصعيد دليلاً جديداً على الصمود.
ولم يكُن خيار المصالحة افتراضياً، فاتفاق بكين مع السعودية في مارس (آذار) عام 2023 أرسى التزامات احترام السيادة وعدم التدخل وتفعيل التعاون. وكان يمكن البناء عليه لتحويل الجوار إلى مصدر استقرار، لكن تسليح الجماعات العابرة للحدود يفرغ تلك الالتزامات من مضمونها. كذلك، يصيب اضطراب التجارة مصالح الصين التي رعت الاتفاق، ويحفز الجيران على تعزيز دفاعاتهم وشراكاتهم والبحث عن بدائل إضافية. وهكذا تصنع طهران بسياساتها بعض أسباب العزلة التي تشكو منها.
لقد انكشف مأزق المشروع الإيراني، ما بقي من قدرة على الإيذاء لا يعوّض خسارة الثقة واهتزاز النفوذ. والمطلوب منع تحويل تهديد السفن والأنابيب إلى مكافأة سياسية ودعم الدول في استعادة قرارها. أما النظام الذي يواجه إخفاقاته بتوسيع دائرة الفوضى، فإنه يؤجل المراجعة على حساب شعبه وجيرانه والعالم. ولن تمنحه الصواريخ إجابة عن السؤال الذي يهرب منه، كيف انتهى مشروع ادّعى حماية المنطقة إلى تهديد شرايين حياتها؟
كلام الصورة: تهديد هرمز وباب المندب وخطوط الأنابيب يعني الضغط على أكثر من حلقة في سلسلة إمدادات الطاقة العالمية
