تحتمل تطوّرات اليمن رواج نظريّات المؤامرة التي تتوالد كلّ ساعة لتفسير وتبرير الحدث. تبدو الأسئلة ضروريّة بشأن أدوات هجوم جماعة الحوثيّ المباغت وإسقاطهم مدينة المخا وامتدادات أخرى على الساحل الغربيّ المطلّ على البحر الأحمر. تبدو أيضاً داهمةً لسبر أغوار الظروف التي أدّت إلى انهيار الدفاعات والانسحاب الجماعيّ للقوّات المولجة بالدفاع عن تلك المنطقة. وقد تطلّ تلك الأسئلة تتحرّى أجوبة بشأن مآلات للحدث يتسرّب منها هدف استراتيجيّ للنيل من المملكة العربيّة السعوديّة.
يُظهر التدقيق أنّ في الانخراط في نظريّات المؤامرة استسهالاً وتبسيطاً غير مفيد. فالعلاقات الدوليّة على مرّ التاريخ هي حكايات من مكائد وتقلّبات وكرّ وفرّ تقوم على خدمة المصالح لا صيانة النوايا الحسنة. وفي تمرين تشريحيّ للمشهد الإقليميّ والدوليّ الحاليّ قد تسهل المخاطرة في تفكيك أجندات اللاعبين وترتيب حيثيّات ما يتّخذونه من قرارات قد تأخذ أشكالاً ملتبسة وخبيثة ومفاجئة رغم عاديّتها في منطق صراع الأمم.
يجري مسرح الحدث الأساسيّ فوق الأراضي اليمنيّة. تفرج التطوّرات الدراماتيكيّة عن أخطار تهدّد المنطقة، لا سيما الخليجيّة، وخصوصاً السعوديّة. وفيما تبدو منظومة الأمن السياسيّة والأمنيّة الخليجيّة المنضوية داخل “مجلس التعاون” تخضع لإعادة قراءة وتقويم، وسقوط خيار منظومة الأمن العربيّ الجماعيّ منذ زمن، فإنّ الرياض لا تكتشف هذا الواقع هذه الأيّام، بل إنّها أدركته منذ عقود، وعملت، كما بعض دول “المجلس”، على الاهتداء إلى آليّات جديدة لتوفير أمن من خارج الدوائر التقليديّة المحيطة.
“حمامة السّلام” لن يتدخّل
لم يكن متوقّعاً أن يقبل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الانخراط في حرب جديدة في اليمن، وهو الذي يسعى لإقناع الناخبين هذه الأيّام بأنّه “حمامة سلام” يجهد لإنهاء حربه مع إيران ويعِد بذلك. لم يجد ترامب حرجاً في الفخر بوصلٍ مع الحوثيّين الذين وعدوا ناخبيه بعدم التعرّض لملاحة السفن الأميركيّة والإسرائيليّة، متوسّلين الأمان من واشنطن.
ليس دقيقاً أنّ الرياض التي تملك بوفرة معطيات المشهد الدوليّ قبل أن نهتدي نحن إلى قراءته، قد فوجئت بما صدر عن الرئيس الأميركيّ. وفيما أنّ ما يقوله الرجل أمام صحافة البيت الأبيض يختلف تماماً عمّا يحمله قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة براد كوبر إلى وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان والإفراج لاحقاً عن صفقة مقاتلات الـ F-35، فإنّ المملكة تتقن إدارة الأزمات واجتراح حلولها.
تتمسّك الرياض بأنّ الصراع يمنيّ-يمنيّ حتّى لو تقصّدت جماعة الحوثيّ أن يكون عابراً للحدود ليطال هذه المرّة أعياناً ومنشآت مدنيّة وسماء مكّة المكرّمة. تملك المملكة حقّ الردّ والدفاع وتختار الإيقاع والتوقيت وفق استراتيجية أولويّة سلّم تمسّكت بها منذ هدنة عام 2022. تدرك بوضوح أنّ ما يرتكبه الحوثيّون له خلفيّات تُطلق من طهران خدمةً لمستقبل صراعها مع واشنطن. وعلى هذا يقرأ صاحب القرار المشهد اليمنيّ، وفق أبجديّاته الدوليّة التي تجري في المنطقة وقرب الحدود مع السعوديّة.
الدّعم الصّينيّ والرّوسيّ
في المشهد أيضاً ما يصدر من تقارير مخابراتيّة عن دعم لوجستيّ ومخابراتيّ وتقنيّ توفّره الصين وروسيا لإيران وامتداداتها، لا حبّاً بالجمهوريّة الإسلاميّة وتوابعها في الشرق الأوسط، بل نكاية بالولايات المتّحدة وامتداداتها في العالم. يهمّ موسكو أن يبقى شريكها في طهران متماسكاً طالما أنّ هذا الغرب وتلك الولايات المتّحدة لا تذعن لما ترومه موسكو في أوكرانيا.
يهمّ الصين، التي تملك للمفارقة علاقات ميكيافيليّة حميمة مع إيران والعرب والإسرائيليّين، أن يطلّ زعيمها شي جين بينغ على واشنطن بعد أيّام وفي جعبته بعض مفاتيح المضيقين: هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر.
في المشهد أيضاً أنّ للسعوديّة تحالفات بدأت ثنائيّة مع باكستان وصارت ثلاثيّة مع تركيا، وهما تتشاركان مع الرياض الرؤى والمصلحة في مقاربة تحوّلات تهدّد بالعبث بخطوط التوازنات من إسلام آباد إلى الرياض مروراً بأنقرة وعواصم المنطقة. وإذ يربك الحدث اليمنيّ قواعد لعب واشتباك تتدحرج منذ “طوفان الأقصى” انتهاءً بالحرب في إيران، فإنّ السعوديّة تتطوّع في إبلاغ الشرق الأوسط بالعمل على بناء قواعد جديدة للأمن تأخذ بالاعتبار مصالح دول المنطقة الأساسّية ورؤاها، بمعزل عمّا يخطّط له ترامب ونائبه جي دي فانس في الوعد بإنهاء الحرب في إيران في أقرب وقت.
في المشهد أيضاً جلبة تنقلها صحافة الغرب عن تواصل إسرائيليّ يعرض على المملكة عوناً بحريّاً في موسم محنة اليمن. وفي المقلب الآخر من المشهد حديث عن فرصة ينتهزها ترامب لعلّ المملكة تقتنع بفضائل التطبيع مع إسرائيل في عزّ تعرّضها لنيران إيرانيّة تقذف بها الأذرع اللعينة من اليمن جنوباً ومن العراق شمالاً. وفيما تسخر صحافة إسرائيل نفسها من هذه الجلبة المقحمة، فإنّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو تهمّه مراقصة هذا الاحتمال لعلّه يحمل ماء إلى طواحينه الانتخابيّة هذه الأيّام.
القمّة – الحدث
فيما تتدافع التحليلات بدفق مكثّف وتستشرف الاحتمالات، فإنّ السعوديّة ومصر، وهما البلدان الرئيسيّان على البحر الأحمر، تنتقلان إلى موقع الفعل من دون ضجيج. تفصح القمّة بين الرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي ووليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان عن إرادة مشتركة للإمساك بزمام المبادرة ومنع العبث بالبحر الأحمر وممرّه المائيّ.
لا السعودية تسمح لمزاج إيران أن يحاصر منافذها على البحر ولا مصر تسمح لأن يصبح مصير قناة السويس مرتهناً لقرار الحرس الثوريّ في طهران وتكتيكات “جماعته” في اليمن. وفيما يخرج من نصوص الزيارة ما يكفي من أبجديّات التوافق، فإنّ الاجتماع المغلق للزعيمين أقرّ واقعاً لم يعلن وستكشفه الأيّام المقبلة.
