في الثامن عشر من كانون الثاني – يناير كتبت مقالا بعنوان “السوريون بصوت واحد: هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، ومقول القول هو عبارة خرجت من قلب مواطن تونسي قبل خمسة عشر عامًا لتصبح شعارًا للأمل والصبر الطويل. سمحت لنفسي بأن أستعير العبارة لأرحب باتفاق أولي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم يثمر. واليوم يطل اتفاق ثانٍ يبدو أكثر شمولًا، حيث أعلنت دمشق وقسد، للمرة الثانية خلال أقل من أسبوعين، عن اتفاق شامل وصفته واشنطن بأنه محطة تاريخية. هذا الاتفاق، الذي يأتي بعد سنوات من الحرب والانقسام، يطرح السؤال الكبير: هل آن الأوان، حقًا، للاحتفال بهذه اللحظة، أم أن الوقت لم يحن بعد؟
الاتفاق الجديد ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية الكردية في الدولة، وعلى انسحاب القوات من نقاط التماس ودخول قوات وزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، وعلى تشكيل ألوية عسكرية من قسد ضمن الجيش السوري. هذه البنود ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تحمل دلالات عميقة على أن الدولة السورية الجديدة تحاول أن تعيد بناء نفسها على أسس مختلفة، وأنها تسعى إلى استيعاب تنوعها بدلًا من قمعه.
التجارب السابقة علمتنا أن الاتفاقات قد تنهار إذا لم تُبنَ على الثقة المتبادل وإذا لم تُرافقها إصلاحات سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة
الاتفاق يضع حدًا لآمال الأكراد في الحفاظ على إدارة ذاتية مستقلة، لكنه في الوقت ذاته يمنحهم اعترافًا غير مسبوق بلغتهم وثقافتهم، من خلال المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع باعتبار اللغة الكردية لغة وطنية وعيد النيروز عيدًا وطنيًا، وينصف آلاف الأكراد الذين حرموا من الجنسية السورية لعقود طويلة. هذه الخطوات تحمل رمزية كبيرة، فهي تقول إن سوريا الجديدة تريد أن تكون دولة جامعة لا دولة إقصاء، وإنها مستعدة لتجاوز إرث الحرب والانقسامات الطائفية والسياسية.
لكن السؤال يبقى: هل يكفي هذا الاتفاق ليكون بداية لمسار وطني شامل؟ إن قرار دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري وقرار تثبيت الموظفين المدنيين في مؤسسات الدولة يمثلان خطوة مهمة، لكن نجاح هذه الخطوة يعتمد على التنفيذ الفعلي وعلى وجود ضمانات دستورية وقانونية تحمي حقوق الأقليات وتضمن توزيعًا عادلًا للموارد. فالتجارب السابقة علمتنا أن الاتفاقات قد تنهار إذا لم تُبنَ على الثقة المتبادلة، وإذا لم تُرافقها إصلاحات سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة.
إن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة هو أن الاتفاق لم يأتِ فقط نتيجة تفاهم داخلي، بل جاء أيضًا بدفع خارجي من الولايات المتحدة وفرنسا، اللتين رحبتا به واعتبرتاه محطة تاريخية. هذا الدعم يعكس أهمية سوريا في المعادلات الإقليمية والدولية، لكنه يطرح أيضًا تحديًا: هل يمكن لسوريا أن تبني وحدتها واستقرارها اعتمادًا على نفسها، أم أنها ستظل رهينة لتوازنات الخارج؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل البلاد، لأن أي اتفاق لا يترجم إلى إرادة وطنية جامعة سيبقى هشًا أمام الضغوط والتدخلات.
الاتفاق يفتح الباب أمام الأقليات الأخرى في سوريا لتجد فيه نموذجًا يضمن لها خصوصياتها ضمن دولة جامعة. الدروز في الجنوب، الذين حافظوا على دورهم التاريخي في حماية التنوع السوري، يمكن أن يروا فيه فرصة لترسيخ خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية دون شعور بالتهميش. العلويون في الساحل، الذين ألقت الحرب عليهم بظلال الطائفية، يمكن أن يجدوا فيه فرصة لدعم دولة تقوم على المواطنة لا على الولاءات الفئوية. المسيحيون والأرمن والتركمان واليزيديون والإسماعيليون، كلهم يمكن أن يجدوا في هذا الاتفاق دعوة للانخراط في مشروع وطني جديد يضمن لهم مكانًا في سوريا الجامعة.
الاحتفال الحقيقي لم يحن بعد، والطريق ما زال طويلًا، والنجاح لن يتحقق إلا إذا تحولت هذه اللحظة إلى مسار وطني شامل يضم الجميع، ويجعل من التنوع قوة لا ضعفًا، ومن الوحدة مشروعًا لا شعارًا
ومع ذلك، هذا لا يلغي أن التحديات كبيرة. إرث الحرب خلق انقسامات عميقة، ومخاوف الأقليات من فقدان خصوصيتها أو نفوذها لا تزال قائمة. هناك من يخشى أن يكون الاتفاق مجرد وسيلة لإعادة إنتاج المركزية القديمة، وهناك من يرى فيه تهديدًا لاستقلالية محلية حافظوا عليها خلال سنوات الحرب. هذه المخاوف يجب أن تُواجه بضمانات واضحة، مثل تعديل الدستور ليشمل حقوق الأقليات الثقافية والإدارية، وإنشاء آليات مراقبة دولية لضمان التنفيذ العادل.
إن المستقبل الممكن لهذا الاتفاق يعتمد على مدى تضامن المكونات السورية معه. فإذا انخرط الجميع في دعمه، يمكن أن يتحول إلى نواة لعقد اجتماعي جديد يقوم على مبدأ الشراكة لا الإقصاء، ويعيد توزيع الموارد بشكل عادل، ويضمن تمثيلًا متوازنًا في المؤسسات. لكن إذا بقي مجرد اتفاق جزئي بين دمشق وقسد، فإنه قد يعيد إنتاج التوترات القديمة ويترك الباب مفتوحًا أمام عودة الصراع.
اليوم، يقف السوريون أمام لحظة تاريخية. الاتفاق بين الشرع وقسد ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسار جديد يمكن أن يعيد لسوريا وحدتها واستقرارها، شريطة أن يصبح التضامن الوطني ضمانة لنجاح أي تسوية. هذه اللحظة تذكّرنا بأن سوريا بتاريخها العريق وتنوعها الغني قادرة على تجاوز أزماتها إذا شارك الجميع في صياغة الحل بعيدًا عن الانقسامات والاحتكار، وأن المستقبل السوري لن يُبنى إلا بأيدي أبنائها جميعًا، في دولة تكون للجميع ومن الجميع.
إنها لحظة تستحق أن نقول فيها “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، لكننا ندرك في الوقت ذاته أن الاحتفال الحقيقي لم يحن بعد، وأن الطريق ما زال طويلًا، وأن النجاح لن يتحقق إلا إذا تحولت هذه اللحظة إلى مسار وطني شامل يضم الجميع، ويجعل من التنوع قوة لا ضعفًا، ومن الوحدة مشروعًا لا شعارًا. سوريا الجديدة لن تُبنى بالاتفاقات وحدها، بل بالإرادة الوطنية التي تجعل من كل مكون شريكًا في المستقبل، وتجعل من الدولة بيتًا جامعًا يحمي الجميع ويحتضنهم.