التوقيع يعطي أيّ اتّفاق اسمه، لكنّ التفعيل هو الذي يعطيه قيمته. تنقل تجارب الترتيبات الأمنيّة الإقليميّة والدوليّة أنّ الاتّفاقات لا تصبح مؤثّرة بمجرّد توقيعها. قوّتها تبدأ عندما تتحوّل الالتزامات إلى مؤسّسات، والمؤسّسات إلى آليّات، والآليّات إلى قدرات يمكن اختبارها عندما تقع الأزمة… والعين على اتّفاقية مكّة الثلاثيّة.
ما جرى في مكّة في السابع من آب كان لحظة تأسيس، وأمّا ما جرى في إسطنبول في 31 آب فكان بداية الاختبار. اجتمعت الدول الثلاث للمرّة الأولى، بعد التوقيع، ضمن اللجنة الاستراتيجيّة والسياسيّة والدفاعيّة، وبدأت وضع الاتّفاقية على طريق المأسسة: أمانة عامّة في الرياض، وأمين عامّ باكستانيّ في السنوات الثلاث الأولى، وتوجّه نحو تعاون أوسع في الصناعات الدفاعيّة والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.
بين التوقيع والتفعيل مسافة لا تختصرها البيانات: مؤسّسات يجب أن تعمل، وآليّات يجب أن تتشكّل، وقدرات يجب أن تصبح قابلة للاستخدام.
ما بعد إسطنبول
دخلت اتّفاقية مكّة مرحلة مختلفة مع لقاء إسطنبول. فالاجتماع الأوّل للّجنة الاستراتيجيّة والسياسيّة والدفاعيّة نقل الاتّفاقية من مستوى الإرادة السياسيّة إلى بداية البناء المؤسّسيّ. إنشاء أمانة عامّة في الرياض، واختيار أمين عامّ من باكستان للسنوات الثلاث الأولى يعنيان أنّ الدول الثلاث بدأت تمنح الاتّفاقية أدوات للاستمرار والمتابعة، لا مجرّد آليّة للاجتماع في الظروف الاستثنائيّة.
تبدو هذه الترتيبات إداريّة في ظاهرها، لكنّها تحمل دلالة سياسيّة واستراتيجيّة أكبر. فالترتيب الذي يملك مؤسّسة دائمة يصبح قادراً على برمجة نشاطاته، تفعيل هيكليّته، إعداد جدول أعماله، متابعة تنفيذ قراراته، وتوسيع مجالات التعاون بين أطرافه.
مع تطوّر العمل المؤسّسيّ تبدأ اتّفاقية مكّة في تكوين ذاكرة مؤسّسيّة للاتّفاق: اجتماعات دوريّة، متابعة للقرارات، وتراكم في الخبرة المشتركة. وهنا تتشكّل المسافة بين اتّفاقية تبقى وثيقة سياسيّة وترتيب أمنيّ قادر على إنتاج حراك مشترك.
من الالتزام إلى القدرة
الاتّفاق الدفاعيّ يحدّد الالتزام، لكنّه لا يصنع وحده القدرة على تنفيذه. فالقوّة الفعليّة لأيّ التزام دفاعيّ تبدأ عندما تصبح طريقة التعامل مع الأزمة معروفة قبل وقوعها. وهذا يتطلّب بناء آليّات واضحة للإنذار المبكر، تبادل المعلومات، التنسيق بين المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة، والتدريب المشترك، وصولاً إلى تحديد كيفيّة اتّخاذ القرار والتحرّك عند تعرّض إحدى الدول لتهديد. الفارق هنا كبير بين ثلاث دول تتعهّد بالتعاون وثلاث دول تعرف كيف تجمع قدراتها في لحظة واحدة. وإذا استطاعت اتّفاقية مكّة بناء هذا المستوى من التوافق التشغيليّ، فإنّها تمنح الالتزام السياسيّ مصداقيّة ميدانيّة، وتحوّل الردع من فكرة معلنة إلى قدرة فعليّة.
القفزة الأهمّ قد تبدأ عندما يتحوّل التعاون من تبادل الخبرات واستخدام القدرات إلى إنتاجها. فالتعاون في الصناعات الدفاعيّة والتكنولوجيا والإنتاج المشترك يعني أنّ الدول الثلاث تستطيع بناء جزء من قوّتها المستقبليّة معاً، وأن تجعل العلاقة الدفاعيّة قابلة للتراكم اقتصاديّاً وتكنولوجيّاً وعسكريّاً. هنا لا تعود الشراكة مرتبطة بقدرات جاهزة، بل تصبح مرتبطة بمشاريع يمكن تطويرها وإنتاجها وتحديثها. ومع الوقت، يمكن لهذا المسار أن يمنح الاتّفاق قاعدة مادّيّة أكثر ثباتاً، ويجعل التعاون الدفاعيّ جزءاً من عمليّة بناء القوّة لا مجرّد آليّة لإدارتها.
من الصّيغة الثّلاثيّة إلى التّوسّع الإقليميّ
المسألة الأهمّ في مستقبل اتّفاقية مكّة قد لا تكون بعدد الدول التي تنضمّ إليه، بل في قدرتها على الانتقال من صيغة ثلاثيّة إلى إطار إقليميّ أكثر اتّساعاً من دون أن تفقد تماسكها. فالتوسعة تضيف موارد وقدرات وخبرات جديدة ومتنوّعة، لكنّها تحمل معها أيضاً احتمالات تضارب المصالح إذا لم تواكبها منظومة من القواعد والأسس الواضحة والشفّافة والملزمة التي تحكم حركة التكتّل وتحافظ على تماسكه.
مع تطوّر العمل المؤسّسيّ تبدأ اتّفاقية مكّة في تكوين ذاكرة مؤسّسيّة للاتّفاق: اجتماعات دوريّة، متابعة للقرارات، وتراكم في الخبرة المشتركة
يبدأ الاختبار الأبعد للاتّفاقية عندما تتحوّل القدرات التي تبنيها الدول الثلاث إلى عنصر مؤثّر في حسابات الإقليم. فالقوّة لا تنتج تأثيراً لمجرّد وجودها، وإنّما عندما تصبح قابلة للاستخدام، ويصبح الآخرون مضطرّين إلى أخذها في حساباتهم عند تقدير المخاطر والفرص. عند هذه النقطة تنتقل الاتّفاقية من بناء القدرة إلى ممارسة التأثير، وتتحوّل من اتّفاقية تنسّق مصالح ثلاثة أطراف إلى عامل يمكن أن يساهم في إعادة ضبط الكثير من التوازنات الإقليميّة. وهذا هو المعنى الأعمق للردع: أن يصبح احتمال استخدام القدرة كافياً لتغيير الحسابات قبل الوصول إلى لحظة استخدامها.
لا تنطلق جهود السعوديّة وتركيا وباكستان من فراغ. لكلّ دولة منها وزنها السياسيّ والعسكريّ والاستراتيجيّ، وما تفعله الاتّفاقية هو جمع هذه الأوزان داخل إطار واحد قادر على إنتاج قدرة أكبر على الردع والتنسيق والتأثير. لذلك، فإنّ السؤال الأهمّ بعد اتّفاقية مكّة ليس من سينضمّ إلى الاتّفاقية، بل ماذا ستفعل الدول الثلاث بما بنته معاً؟
إذا نجحت في تحويل التنسيق الدفاعيّ إلى قدرة مشتركة على منع التهديد، وإلى شراكات في الصناعات الدفاعيّة والاستخبارات والأمن البحريّ، فإنّ الاتّفاقية قد تصبح نواة لترتيب إقليميّ جديد لا يقوم على الاستقطاب، بل على امتلاك الدول المعنيّة أدوات أكبر لحماية مصالحها وصياغة خياراتها.
الاختبار الحقيقيّ لاتّفاقية مكّة هو أن يشعر الخصوم قبل الحلفاء بأنّ هناك كلفة جديدة لأيّ محاولة لاختبار أمن إحدى دولها، وأن تدرك القوى الكبرى أنّ هذه الدول لم تعد تكتفي بردّ فعل على التحوّلات الإقليميّة، بل بدأت تمتلك معاً القدرة على التأثير في حساباتها.
* كاتب تركي وأستاذ جامعي
