
باحث في الاقتصاد السياسي… الثورة السورية ..دمشق
تضع الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات سوريا أمام اختبار اقتصادي يتجاوز مسألة تعديل سعر البنزين والمازوت والغاز؛ إذ جاءت الزيادة في وقتٍ ترتفع فيه أسعار مشتقات النفط عالميًّا، بينما لا يزال الإنتاج المحلي أقل من حجم الطلب. ورفعت الحكومة سعر المازوت بنسبة 40% إلى 175 ليرة سورية جديدة للتر، والبنزين 95 إلى 195 ليرة، في وقتٍ أكَّدت فيه وزارة الطاقة أن القرار مُؤقَّت، ويرتبط بارتفاع تكلفة المشتقات المستورَدة وعَمْرة مصفاة بانياس.
وبينما تستهدف الزيادة التعامل مع تكلفة تأمين الوقود، فإنها تَفْرض في المقابل عبئًا جديدًا على الأُسَر والقطاعات الاقتصادية التي تعتمد على المحروقات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
تتداخل في الأزمة عوامل خارجية وداخلية؛ فقد تجاوَز سعر النفط العالمي 100 دولار للبرميل، في بعض الفترات، ما رفَع تكلفة استيراد المشتقات وتأمينها ونقلها، فيما أدَّت أعمال الصيانة في مصفاة بانياس إلى زيادة الاعتماد على استيراد المشتقات الجاهزة. وفي الوقت نفسه، لا يزال الإنتاج النفطي المحلي دون مستوى الاستهلاك، بعدما تضرَّرت الحقول والآبار خلال سنوات النظام البائد، بينما ارتفع الطلب على الوقود بعد دخول أكثر من 100 ألف سيارة إلى الدولة.
وتؤدي هذه العوامل مجتمعةً إلى توسيع الفجوة بين المعروض والاستهلاك، وزيادة اعتماد السوق على الخارج في وقتٍ ترتفع فيه تكلفة الإمدادات العالمية.
لكن تقييم الزيادة لا يرتبط بالسعر العالمي وحده، بل بقدرة الأجور على استيعابها. ولذلك فإن مقارنة سعر الوقود بالأسعار العالمية لا تكفي لقياس أثر القرار؛ فالمعيار الأهم بالنسبة للأُسَر هو مِقْدار ما تُمثِّله تكلفة المحروقات من إجمالي الدخل، وما إذا كانت الزيادة يمكن استيعابها دون تقليص الإنفاق على الاحتياجات الأساسية. وفي ظل ارتفاع الفقر والبطالة وضعف الدخول، تصبح أيّ زيادة جديدة في تكاليف النقل والطاقة أكثر حساسية على مستوى الأسرة.
وهنا تظهر الفروق مع تجارب دول أخرى، سوريا ليست الدولة الوحيدة التي واجهت ارتفاع أسعار النفط أو لجأت إلى تعديل أسعار المحروقات؛ فقد اتجهت دول مثل الأردن والولايات المتحدة وألمانيا والهند إلى إجراءات مختلفة للتعامل مع ارتفاع تكلفة الطاقة، لكنّ قدرة كلّ اقتصاد على تحمُّل هذه الزيادات تختلف وَفْق مستوى الدخل، ووَضْع المالية العامة، وحجم الدعم المتاح. وفي الأردن، على سبيل المثال، جرى في تجارب سابقة تعديل الأسعار بصورة تدريجية، إلى جانب تقديم دَعْم نقدي للأُسَر ذات الدخول الأقل من مستوى محدَّد، فيما استُخدمت في إندونيسيا أسعار مدعومة لقطاع النقل للحدّ من انتقال تكلفة الوقود على الموظفين والمستخدمين.
اقتصاديًّا، تنتقل الزيادة من محطات الوقود إلى النقل والشحن والزراعة والصناعة والخدمات. ويرتفع معها سعر تشغيل الشاحنات والحافلات والآليات الزراعية والمعدات الصناعية، ثم تنعكس الزيادة على نقل المواد الأولية والمنتجات. وفي الزراعة تحديدًا، يُمثِّل الوقود جزءًا أساسيًّا من تكلفة تشغيل الآليات والري ونقل المحاصيل، ما يضغط على المزارعين والإنتاج الزراعي. وإذا أصبحت تكلفة الإنتاج أعلى من قدرة السوق على استيعابها، فقد يتراجَع النشاط الزراعي، وتزداد الحاجة إلى استيراد المنتجات الزراعية، فتتَّسع فاتورة الاستيراد ويزداد الضغط على الليرة السورية.
الأثر لا يتوقّف عند الأسعار؛ فالزيادة في تكلفة النقل والإنتاج تعني أيضًا تراجُع القدرة الشرائية للأُسَر؛ لأن جزءًا أكبر من الدخل سيذهب إلى التنقل والطاقة والسلع والخدمات. كما أن زيادة الاعتماد على استيراد المشتقات والمنتجات الزراعية تفرض طلبًا إضافيًّا على العملات الأجنبية. وقد تراجعت الليرة السورية مباشرةً بعد قرار رفع الأسعار بنحو 3%، ما يُضِيف بُعدًا نقديًّا إلى المشكلة، ويجعل استمرار ارتفاع تكاليف الاستيراد عاملًا ضاغطًا على الاقتصاد الوطني.
وقد ساعد توقيت القرار في زيادة صعوبة استيعاب أثره؛ إذ لم تكن الأُسَر مُستعِدّة لزيادةٍ بهذا الحجم بعد تصريحات حكومية سابقة اتَّسمت بالتفاؤل بشأن وضع القطاع النفطي. فقد جاءت تلك التصريحات في ظل الحديث عن استعادة السيطرة على غالبية حقول النفط، وتوقيع اتفاقيات مع شركات نفط دولية للعمل في سوريا، وتحسُّن الإنتاج.
وأدَّى ذلك إلى تكوين توقُّعات بأن قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من الوقود تتحسَّن، ولذلك بدا رفع الأسعار مفاجئًا عندما صدر القرار. ومن هنا تصبح دقة المعلومات الحكومية ووضوحها عن الإنتاج والاستيراد وتكلفة تأمين المشتقات عاملًا مهمًّا في إدارة السوق؛ لأن الفجوة بين التوقعات والقرارات الفعلية ترفع من صعوبة تقبُّل التغييرات السعرية.
التعامل مع الأزمة في المدى القصير يفترض تقاسم التكلفة بين الدولة والمستهلك؛ بحيث لا يتحمَّل المواطن وحده أثر ارتفاع تكلفة الوقود. ويبدأ ذلك من تقشُّف حكومي واضح يسبق تحميل الأُسَر أعباءً إضافية؛ من خلال خفض النفقات غير الضرورية، ومراجعة الإنفاق التشغيلي للمؤسسات العامة، والحدّ من المظاهر الرسمية مرتفعة التكلفة، بما في ذلك تقليص المواكب الكبيرة، واعتماد وسائل نقل جماعية لمسؤولي الدرجات الثانية والثالثة.
وبالتوازي، يمكن أن تتحمَّل خزينة الدولة جزءًا من تكلفة المحروقات، مع تعديل السعر الحالي بصورةٍ تُراعي أصحاب الدخل المحدود، ولا تؤدي إلى زيادة كبيرة في تكلفة المنتجات داخل السوق. كما يمكن توجيه الدعم بصورة مُحدَّدة إلى المحروقات المستخدَمة في التدفئة والزراعة والنقل، بدلًا من دَعْم شامل لا يُفرِّق بين طبيعة الاستخدام. ويُتيح هذا الأسلوب حماية الأنشطة الأكثر ارتباطًا بالإنتاج والأمن الغذائي، مع تقديم بدلات نقل نقدية للعاملين في المناطق البعيدة.
وتتطلب المعالجة كذلك شفافية أكبر بشأن تكلفة الاستيراد وحجم الإنتاج المحلي والمدة المتوقَّعة لأعمال عَمْرة مصفاة بانياس. فالمعلومات الدقيقة تساعد الأُسَر والمنتجين على تكوين توقُّعات واقعية، وتجنُّب تقديم تقديرات إيجابية لا تعكس حجم التحديات الفعلية. كما أن دراسة تجارب الدول الأخرى يمكن أن تساعد في اختيار آليات أكثر ملاءَمة، سواء من خلال التدرُّج في تعديل الأسعار أو الدعم النقدي المُوجَّه للأُسَر الأقل دخلًا أو تخصيص أسعار أقل للقطاعات التي يؤدي ارتفاع الوقود فيها مباشرة إلى رَفْع تكلفة النقل والإنتاج.
أما الحلّ المستدام، فيبدأ من زيادة الإنتاج المحلي، وصيانة الحقول والآبار، وإعادة تشغيل المصافي ورفع كفاءتها، وتفعيل الاتفاقيات مع شركات النفط الدولية؛ فاستعادة القدرة الإنتاجية والتكريرية تُقلِّل الحاجة إلى استيراد المشتقات، وتُخفِّف تعرُّض السوق السورية لتقلُّبات الأسعار العالمية. كما أنّ كل زيادة في الإنتاج المحلي تُوفّر جزءًا من الاحتياجات التي يجري تأمينها من الخارج، وتساعد على تخفيف الضغط على فاتورة الاستيراد والعملات الأجنبية