ملخص
تقترب قدرة العالم على استيعاب فائض الإنتاج الصيني من حدودها، مما يهدد بتحويل نموذج التصدير الذي صنع أكبر فائض تجاري في التاريخ إلى مصدر أزمة عالمية تمتد آثارها من الصناعة الأوروبية إلى الاقتصادات المعتمدة على الطلب والتمويل الصيني. وتفادي هذه الصدمة يقتضي إعادة توازن تدريجية للاقتصاد الصيني نحو الاستهلاك وتقليص فائض الإنتاج والدعم، قبل أن تؤدي الحمائية وتشبع الأسواق إلى إغلاق مزيد من المنافذ أمام الصادرات الصينية.
لم تنقطع في السنوات الأخيرة الشكاوى من فائض الطاقة الإنتاجية في الصين، فإصرار بكين على تعزيز الصادرات وتوسيع فائضها التجاري، مهما تطلب الأمر من وسائل، يقوض الطموحات الصناعية لدى الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كما يضر بطموحات البلدان النامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وعلى رغم اتساع الإجماع العالمي اليوم حول طبيعة هذا التحدي أكثر من أي وقت مضى، فإنه لم يترك أثراً يذكر في السياسات الصينية.
فعلى مدى العقدين الماضيين، حققت الصين أكبر فائض تجاري مسجل في التاريخ. وفي عام 2025، اقترب هذا الفائض من 1.2 تريليون دولار، بعدما نما بوتيرة تعادل ثلاثة أضعاف نمو تجارة السلع العالمية. وقد خدم هذا النموذج الصين استراتيجياً وأسهم، على المدى القصير، في كبح التضخم في بقية أنحاء العالم، لكنه غير قابل للاستمرار سياسياً وبنيوياً، فيتحول إلى مصدر خطر متزايد يتهدد الاقتصاد العالمي بأسره، من دون أن يحظى بالاهتمام الكافي.
تمكنت الصين من سلوك هذا المسار اللافت من التنمية الاقتصادية طوال العقود الماضية بفضل بيئة دولية مواتية، كانت فيها الدول الأخرى مستعدة لقبول السلع المصنعة المنخفضة الكلفة في مقابل سلاسل إمداد أكثر كفاءة ومكاسب أكبر للمستهلكين، لكن تلك البيئة انقلبت اليوم إلى بيئة معادية لهذا النموذج. فالرغبة السياسية في تحمل تراجع التصنيع محلياً وأوجه الاعتماد الخطرة التي يخلقها تدفق الواردات الصينية محدودة وتتراجع باستمرار. ومع استمرار هذه الاتجاهات، يرجح أن تتصاعد الحمائية، فتضيق أمام المصنعين الصينيين سبل الوصول إلى الأسواق، وهو ما قد يقوض بدوره استراتيجية “الدورة المزدوجة” التي طرحتها بكين عام 2020، والقائمة على الجمع بين تعزيز الاكتفاء الاقتصادي الذاتي في الداخل ومواصلة الانخراط في الأسواق الدولية.
غير أن التحدي لا يقف عند حدود السياسة، فثمة أيضاً معضلة تفرضها الأرقام، فعندما كان الاقتصاد الصيني أصغر بكثير، كان من الممكن دفع الصادرات إلى النمو بوتيرة تعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف النمو الاقتصادي العالمي، لأن الطلب الخارجي كان واسعاً بما يكفي لاستيعابها. أما اليوم، وقد أصبح الاقتصاد الصيني أكبر بكثير، فلم يعد في إمكانه مواصلة المسار نفسه إلى ما لا نهاية من دون أن يصطدم في نهاية المطاف بحدود الطلب العالمي. وبعبارة أبسط، تجاوزت بكين حدود النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه.
وعندما تتعطل آلة التصدير الصينية، ستكون الصين نفسها أول من يدفع الثمن، غير أن أي تباطؤ ملموس في اقتصادها سيرسل موجات صدمة إلى مختلف أنحاء العالم، ولا سيما إلى شركائها التجاريين الرئيسين، ليس في آسيا والمحيط الهادئ فحسب، بل أيضاً إلى دول أخرى باتت اقتصاداتها متشابكة بعمق مع الاقتصاد الصيني. ولن تكون الولايات المتحدة بمنأى عن هذه الصدمة، لكنها ستظل الطرف الوحيد الذي يمتلك القدرة الاقتصادية والمؤسسية اللازمة للمساعدة في تحقيق الاستقرار في الاقتصاد العالمي.
ومن ثم، فإن أكثر الطرق ضماناً لتجنب هذه السلسلة المكلفة من الأحداث هي إعادة التوازن للاقتصاد الصيني بصورة استباقية وتدريجية. وكثيراً ما كان هذا المسار أفضل خيار أمام الصين لتحقيق نمو أكثر استدامة، كما دعت إليه الولايات المتحدة منذ سنوات، لكنه لم يعد اليوم مجرد خيار حكيم كما كان في العقود الماضية، بل أصبح ضرورة.
العيب المطلق
تستأثر الصين اليوم بنحو 30 في المئة من الإنتاج الصناعي العالمي، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الحصة إلى 45 في المئة بحلول عام 2030، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2024. وباستثناء الاقتصاد الأميركي في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة، لا توجد سابقة تاريخية لمثل هذا التركز في القوة الصناعية. بل إن فائض الصين الحالي في السلع المصنعة، عند قياسه كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، يفوق مجموع فائضي ألمانيا واليابان في أي وقت خلال ثمانينيات القرن الماضي.
ولم ينشأ هذا الفائض الصناعي مصادفة، بل يعكس خياراً سياسياً متعمداً ومنسقاً. فقد قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الإعانات الحكومية تقف وراء 60 في المئة من المكاسب التي حققتها الصين في حصتها من سوق التصنيع العالمية. ولعل أهم أشكال الدعم، وإن كان ضمنياً، هو قدرة شركات التصنيع الصينية على الوصول إلى النظام المالي الذي توجهه الدولة، الذي يضخ ائتماناً هائلاً في القطاعات ذات الأولوية، بما يسمح لهذه الشركات بالتوسع من دون أن تخضع لضغوط الربحية والعائد نفسها التي تواجهها نظيراتها في الخارج. والنتيجة سباق هدام نحو القاع، تخفض فيه الشركات الأسعار إلى ما دون الكلفة، وتقبل بهوامش ربح بالغة الضآلة أو سالبة، وتواصل بناء طاقات إنتاجية جديدة سعياً إلى حصة أكبر من السوق. ويعمل اليوم نحو 30 في المئة من الشركات الصناعية الصينية بخسارة، في مقابل 20 في المئة قبل جائحة كورونا. وفي القطاعات التي تشهد أسرع وتيرة للاستثمار، ومعظمها من القطاعات التي أعطتها مبادرة شي جين بينغ “صنع في الصين 2025” أولوية في إطار السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات المتقدمة، ترتفع النسبة إلى 34 في المئة. وبدلاً من السماح للشركات المتعثرة بالخروج من السوق، تبقي الحكومات المحلية الشركات غير المربحة قائمة حفاظاً على الوظائف والإيرادات الضريبية، فيما تواصل المصارف المملوكة للدولة تمديد ديون المقترضين المعسرين. وإلى جانب إبقاء الرنمينبي دون قيمته الحقيقية بصورة مزمنة، بما يجعل الصادرات أرخص، يتيح هذا النظام للشركات الصينية البيع بأسعار تقل بما يصل إلى 30 في المئة عن أسعار منافسيها في الخارج.
ولا تقف تداعيات حروب الأسعار وفائض الطاقة الإنتاجية عند حدود الأسواق الخارجية، بل تمتد إلى الاقتصاد الصيني نفسه. ويعرف هذا النمط من المنافسة في الصين باسم “نيجوان” أو “الانطواء”، إذ تنخرط الشركات في سباق محموم يدفعها إلى بذل مزيد من الاستثمار والإنتاج والتصدير في مقابل عوائد تتضاءل باستمرار. وهي تواصل هذا السباق حتى عندما تهبط هوامش أرباحها إلى مستويات بالغة الضآلة أو تتحول إلى خسائر، مستندة إلى دعم الحكومات المحلية التي يرتبط استقرار أوضاعها المالية ببقاء المصانع قيد التشغيل. والنتيجة منظومة صناعية يصعب عليها التوقف أو حتى التباطؤ، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بحدود الطلب التي تحول دون استمرارها على هذا النحو إلى ما لا نهاية.
لكن الأزمة ليست حتمية، فالاقتصاد الصيني يتمتع الاقتصاد الصيني بقدر كبير من المرونة، وقيادته، على الورق في الأقل، تدرك وجود المشكلة وتبدي اهتماماً باتخاذ خطوات لمعالجتها. وقد أطلق الحزب الشيوعي الصيني في عام 2025 حملة لمكافحة “التنافس الاستنزافي”، كما تدعو خطته الخمسية الـ15، الممتدة من 2026 إلى 2030، إلى تعزيز الاستهلاك، ولا سيما في المناطق الريفية. واتخذ الحزب كذلك خطوات محدودة لتقوية شبكة الأمان الاجتماعي، بهدف تقليل الحافز لدى الأسر إلى الادخار بدلاً من الإنفاق.
غير أن القيادة الصينية لا تزال تحجم عن التغيير الأهم، وهو إعادة توجيه استراتيجية النمو جذرياً نحو نموذج أكثر استدامة. فبكين تواصل، في المجمل، كبح الاستهلاك المحلي سعياً إلى تعظيم الإنتاج الصناعي، سواء في القطاعات الاستراتيجية أم منخفضة القيمة. والنتيجة ما يسميه الاقتصادي ياشينغ هوانغ، اقتصاد “الميزة المطلقة”: اقتصاد ينافس الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية والإلكترونيات، وفي الوقت نفسه ينافس أفقر دول أفريقيا في صناعة المنسوجات والملابس والحاجيات المنزلية الزهيدة. وهذا يتحدى السوابق التاريخية، فضلاً عن المنطق الاقتصادي الأساسي للميزة النسبية الذي تتبعه معظم الدول الأخرى. فحتى الحكومات التي تبنت استراتيجيات تنمية تقوم على تشجيع الصادرات وحماية الصناعات المحلية، مثل كوريا الجنوبية وتايوان، تخلت عن الصناعات منخفضة القيمة المضافة مع ارتفاع الأجور المحلية.
ويرجع إحجام بكين عن تغيير المسار إلى أن نموذج النمو القائم على التصدير ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل هو في الوقت نفسه استراتيجية اقتصادية كبرى ومشروع سياسي، فـ”الدورة المزدوجة” تستند إلى مزايا الصين في التصنيع واسع النطاق والطاقة والبنية التحتية والعمالة والخبرة الهندسية، كما تعكس قناعة راسخة لدى شي جينبينغ بأهمية الصناعة. ففي خطاب ألقاه عام 2020، أكد أنه على رغم ضرورة “تسريع بناء الاقتصاد الرقمي، فإن الاقتصاد الحقيقي هو الأساس، ولا يجوز التخلي عن مختلف الصناعات التحويلية”. وكما كتبت الاقتصادية زونغيوان زوي ليو في “فورين أفيرز”، يرى الحزب أن الاستهلاك “انشغال فرداني يصرف الانتباه ويهدد بتحويل الموارد بعيداً من مكمن القوة الاقتصادية الأساسي للصين المتمثلة في قاعدتها الصناعية”.
ولا تقتصر المعضلة السياسية التي تفرضها إعادة الهيكلة على ميل شي إلى الصناعة، فلكي تعيد بكين التوازن بصورة صحيحة، سيتعين عليها إعادة بناء نموذج المالية العامة الذي تعتمد عليه كل مقاطعة وبلدية، وقبول ما سينجم عن ذلك من انهيار في إيرادات الحكومات المحلية وتسريح أعداد كبيرة من العاملين. وسيتطلب هذا التحول أيضاً مواءمة الحوافز مع هدف اقتصادي يختلف جذرياً عن ذلك الذي اعتاد المسؤولون والمؤسسات على مختلف المستويات السعي إليه طوال العقدين الماضيين. فترقيات المسؤولين المحليين ترتبط بتحقيق أهداف النمو، بصرف النظر عن استدامة ذلك النمو. ومن أجل بلوغ هذه الأهداف وتمويل الإنفاق المحلي، تبيع الحكومات الأراضي، وتعيد ضخ العائدات في أراض مدعومة للمصانع ومجمعات صناعية، وتحشد الائتمان من فروع المصارف المحلية وأدوات تمويل الحكومات المحلية، ثم تبني مزيداً من المصانع. ولأن المقاطعات والبلديات تعاني عجزاً مزمناً وتفتقر إلى مصادر بديلة تدر إيرادات بالحجم نفسه، تستمر هذه الحلقة المتمحورة حول الإنتاج بلا نهاية واضحة. والمشكلة معروفة جيداً في الصين، وكذلك حلها الرئيس المتمثل في نموذج اقتصادي أكثر اعتماداً على الاستهلاك، لكن معرفة الحل لا تجعل تنفيذه أسهل.
النذر واضحة
وفي الوقت الذي تناقش فيه بكين ما إذا كانت ستتبنى الإصلاحات الضرورية لتجنب الكارثة، من المرجح أن تحاول الدول الأخرى كبح تدفق الصادرات الصينية. وقد تؤدي تحركات كهذه إلى إغلاق شريحة واسعة من الأسواق الخارجية فجأة أمام الصين، فتسرع فشل نموذج النمو القائم على التصدير وترفع في الوقت نفسه احتمال اندلاع أزمة اقتصادية عالمية. ففي العقد الأول من هذا القرن، استطاعت الدول الغنية تحمل خسارة صناعاتها منخفضة الهوامش لمصلحة الشركات الصينية. أما اندفاع بكين أخيراً نحو الصناعات ذات القيمة العالية فيهدد استراتيجيات تلك الدول الاقتصادية مباشرة، ويمهد لموجة من الحمائية حتى في المعاقل التقليدية للتجارة الحرة.
وألمانيا مثال واضح على ذلك، فقد كانت طويلاً من أبرز المدافعين عن التجارة مع الصين ومن أكبر المستفيدين منها، لكن صادراتها السلعية إلى السوق الصينية هبطت في عام 2025 إلى أدنى مستوى لها منذ عقد، بانخفاض 9.3 في المئة عن عام 2024 و23 في المئة عن ذروتها المسجلة في 2022، وفق مجموعة “روديوم”. وفي المقابل، ازدادت حركة التجارة في الاتجاه الآخر. ففي الربع الثاني من عام 2025، ارتفعت الواردات الألمانية من الصين بما لا يقل عن 10 في المئة على أساس سنوي في 2241 فئة من المنتجات، بينها المواد الكيماوية وصناعة المركبات، وشكلت هذه الفئات مجتمعة أكثر من 60 في المئة من إجمالي واردات ألمانيا من الصين.
وتظهر أشد آثار هذه المزاحمة في صناعة السيارات، فحصة الشركات الألمانية من السوق الصينية تتقلص، فيما تتسع حصة الصين من سوق السيارات العالمية. وبين عامي 2022 و2025، انخفضت صادرات السيارات الألمانية إلى الصين 66 في المئة، بينما تضاعفت صادرات المركبات الصينية أكثر من مرة، لتصبح الصين أكبر مصدر للسيارات في العالم. ونتيجة لذلك، تجاوزت عمليات تسريح العاملين في قطاع السيارات الألماني مستوياتها خلال الأزمة المالية العالمية في 2008-2009 وجائحة كورونا، مما دفع جمعيات الأعمال الألمانية والأوروبية إلى المطالبة بفرض شروط أكثر صرامة للمحتوى المحلي من أي وقت مضى. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أفادت جمعية أصحاب العمل “غيزامت ميتال” بأن قطاع المعادن والهندسة الكهربائية في ألمانيا، وهو الأكبر في البلاد، يفقد نحو 10 آلاف وظيفة شهرياً. وفي الوقت نفسه، تدرس “فولكسفاغن” إلغاء ما يصل إلى 100 ألف وظيفة، أي نحو سدس قوتها العاملة، ووقف الإنتاج في أربعة مصانع داخل ألمانيا، فيما تنفذ “بي إم دبليو” و”مرسيدس-بنز” عمليات إعادة هيكلة واسعة. وقال محللون لصحيفة “فايننشال تايمز” إن صناعة السيارات الألمانية تنكمش الآن “على نحو مستدام ودائم”. وقد أجبرت هذه الصدمة المرتبطة بالمنافسة الصينية المستشارية الألمانية على التفكير في ما كان يصعب تصوره سابقاً: دعم مقترحات تدعو الاتحاد الأوروبي إلى النظر في آلية شبيهة بالمادة 301 من قانون التجارة الأميركي، بما يسمح بفرض رسوم تستهدف تخمة الصادرات الصينية وتشجع على رفع قيمة الرنمينبي. ولا تقف التداعيات عند الاقتصاد، فالخبير في شؤون الصين دانيال روزن وصف ما يحدث بأنه يعادل “‘مرثية هيلبيلي’ بسمات ألمانية”، أي تدمير صناعة تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الألمانية.
كثيراً ما كان الاتحاد الأوروبي، أيديولوجياً وخطابياً في الأقل، أكثر التزاماً من الولايات المتحدة بالتعددية والتجارة الحرة، بوصفهما عنصراً أساسياً في مشروعه التكاملي. لكنه، بعد سنوات من محاولة الموازنة بين الولايات المتحدة والصين، بدأ متأخراً وعلى مضض يحذو حذو واشنطن في إقامة حواجز تجارية أمام الصادرات الصينية. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وبعد تحقيق في الدعم الصيني على امتداد سلسلة إمداد المركبات الكهربائية، فرضت المفوضية الأوروبية رسوماً تعويضية تصل إلى 35.3 في المئة على المركبات الكهربائية المصنوعة في الصين. وفي مارس (آذار)، طرحت المفوضية “قانون تسريع الصناعة”، الذي يضع اشتراطات للمحتوى المحلي تحت شعار “صنع في الاتحاد الأوروبي”، ويجعل نقل التكنولوجيا شرطاً لإبرام الصفقات في القطاعات الرئيسة. كما تدرس قواعد أوسع لسلاسل الإمداد على مستوى الاتحاد، بينها تشريع يلزم الشركات الأوروبية بتنويع مصادر وارداتها بحيث يكون لديها ثلاثة مصادر في الأقل في القطاعات الحيوية.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه الصين على الولايات المتحدة وأوروبا، فعندما أظهرت بكين في عام 2025 استعدادها لاستخدام هيمنتها على معالجة المعادن الحيوية وإنتاج السلع المرتبطة بها، مثل المغانط، أداة للضغط، أثارت رداً عالمياً منسقاً. ويجسد “منتدى التعاون الجيوستراتيجي في مجال الموارد” الجديد، الذي دعت إليه إدارة ترمب وتدعمه عشرات الدول، هذا الرد، إذ يهدف إلى التوسع السريع في الاستثمارات العامة والخاصة في سلاسل إمداد للمعادن الحيوية لا تعتمد على الصين. وقد يكون ذلك نذيراً باحتمال أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى بكين، وهو أن تتعاون ائتلافات من الدول الراغبة على إغلاق الأسواق العالمية أمام السلع الصينية، وإجبار الصين على إعادة التوازن وفق جدول زمني يحدده الآخرون. وفي عدد من القطاعات الحساسة، مثل الاتصالات والمركبات الكهربائية والمسيرات، بدأت مثل هذه التكتلات تتشكل بالفعل، وفرضت حظراً وقيوداً على استخدام معدات شركتي “هواوي” و”زد تي إي” الصينيتين.
وهكذا بدأت الاقتصادات المستوردة الكبرى بالفعل توسيع استخدامها للرسوم الجمركية ومتطلبات المحتوى المحلي والاستثناءات القائمة على اعتبارات الأمن القومي. وإذا استمر هذا المسار، سواء في صورة تحرك منسق أم شبكة متشابكة من التدابير الأحادية، فقد تجد الصين نفسها أمام نقص مفاجئ ومستمر في الطلب الخارجي.
العالم لا يكفي
وإذا كان الاقتصاد السياسي للتجارة لدى شركاء الصين يضع نموذج بكين أمام تحد كبير، فإن قوانين الحساب تفرض تحدياً لا يقل صعوبة. ففي الشهرين الأولين من عام 2026، نما الفائض التجاري الصيني بأكثر من 20 في المئة على أساس سنوي، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي ألا يتجاوز نمو الاقتصاد العالمي 3.1 في المئة هذا العام. وهذا مسار لا يمكن استدامته، لأن الطلب العالمي لا ينمو بالسرعة الكافية لاستيعاب الصادرات الصينية بهذه الوتيرة، سواء في القطاعات الرئيسة أم على مستوى الاقتصاد ككل. وفي نهاية المطاف، ستنضب سوق المصانع الجديدة في الصين كما نضبت قبلها سوق العقارات، وقد ينهار الفائض التجاري الصيني تحت وطأة تضخمه الذاتي.
وتبلغ الاختلالات الحالية أشدها في القطاعات التي تعدها بكين الأكثر أهمية استراتيجياً، فقد بنت المصانع الصينية قدرة تتيح إنتاج نحو 1200 غيغاواط من تجهيزات الطاقة الشمسية سنوياً، أي نحو ضعفي ما ركب في العالم كله خلال العام الماضي. وقفز حجم الصادرات الصينية من الخلايا الشمسية، التي تصنع منها الألواح الشمسية، بنسبة 73 في المئة على أساس سنوي في النصف الأول من عام 2025، بينما انخفض متوسط سعر الوحدة منها بنحو 25 في المئة. وقد يكون توافر ألواح شمسية رخيصة ووفيرة مفيداً للدول التي تسعى إلى التحول في مجال الطاقة، لكنه ليس كذلك للدول التي تطمح إلى لعب دور في تصنيع منتجات الطاقة النظيفة.
وتزداد المشكلة حدة في قطاع المركبات الكهربائية، ففي عام 2025 ارتفعت صادرات الصين من المركبات 21 في المئة إلى 142 مليار دولار، وبلغت قيمة شحنات بطاريات الليثيوم-أيون 77 مليار دولار. ولتمكين هذا النمو الكبير، بنت الصين طاقة تتيح إنتاج نحو 25 مليون مركبة كهربائية وهجينة قابلة للشحن، في وقت استقر فيه الطلب المحلي لديها على مركبات الطاقة الجديدة عند نحو 12 مليون مركبة سنوياً، وفق تقديرات الاقتصادي براد سيتسر. وفي المقابل، لا يتوقع أن يتجاوز الطلب العالمي على المركبات الكهربائية 23 مليون مركبة هذا العام. وأصبحت الصين قادرة على إنتاج نحو 55 مليون سيارة، تشمل المركبات الكهربائية وتلك المزودة بمحركات احتراق داخلي، أي ما يعادل نحو 60 في المئة من السوق العالمية البالغ حجمها نحو 90 مليون سيارة. ومع ذلك، تواصل الاستثمار بكثافة في طاقات إنتاج جديدة للسيارات بوتيرة تفوق نمو الطلب العالمي، مما يرجح استمرار اتساع حصتها السوقية. لكن عند نقطة ما، قد لا يبقى ببساطة عدد كاف من المشترين لكل السيارات التي تستطيع الصين إنتاجها.
وإلى جانب انتهاء طفرة الإنفاق الرأسمالي التي أنشأت هذه المصانع ذات الطاقة الإنتاجية الفائضة، فإن نفاد الأسواق سيهيئ الظروف لأزمة لن تتحمل الصين وحدها كلفتها، بل بقية العالم أيضاً.
هل انتهت اللعبة؟
من المرجح أن تبذل بكين كل ما في وسعها لمواصلة نمو الصادرات، والحفاظ على فاعلية استراتيجية “الدورة المزدوجة”. وقد تلجأ إلى إضعاف الرنمينبي، وزيادة الدعم للقطاعات ذات الأولوية، بعدما استنزفت هذه الإعانات بالفعل تريليونات، كما قد تدفع بقوة أكبر نحو صناعات لم تفرض هيمنتها عليها بعد، مثل الطائرات التجارية ومعدات الذكاء الاصطناعي. وإذا أقام شركاؤها التجاريون مزيداً من الحواجز أمام الصادرات الصينية، فقد ترد بكين باستخدام أدوات للإكراه الاقتصادي، من بينها تقييد الوصول إلى المعادن الحيوية المكررة، في محاولة لإجبار الدول الأخرى على إبقاء أسواقها مفتوحة. وفي هذه الحال، قد يتضخم الفائض التجاري الصيني أكثر قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، متجاوزاً بكثير مستواه الحالي الذي يبلغ نحو اثنين في المئة في السلع المصنعة، لكن من غير المرجح أن يقبل العالم استمرار وضع كهذا طويلاً.
وسبق أن واجهت الصين انهياراً في الطلب الخارجي. ففي أثناء الأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009 وفترة التعافي التي تلتها مباشرة، دعا اقتصاديون مثل مايكل بيتيس ونيكولاس لاردي بكين إلى تسريع جهودها الموعودة منذ زمن لزيادة استهلاك الأسر، لكن بكين اختارت بدلاً من ذلك إطلاق حزمة تحفيز بنحو 586 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني في عام 2008، ووجهتها بالكامل تقريباً إلى البنية التحتية والبناء. ونجح العلاج الاستثماري إلى حد بعيد لأن العوامل الديموغرافية كانت لا تزال في مصلحة الصين: طبقتها الوسطى كانت تنمو وتزداد تمدناً، وعدد السكان في سن العمل كان يتوسع أيضاً. لكن تلك الظروف انعكست منذ ذلك الحين، فقد تباطأت الهجرة الداخلية الجماعية إلى المدن، وبلغ عدد السكان في سن العمل ذروته عام 2015، وبدأ إجمالي عدد السكان في الانكماش عام 2022.
وعندما بدأ قطاع العقارات الصيني المتضخم ينهار في عام 2021، أجلت بكين إعادة التوازن مرة أخرى، وهذه المرة عبر توجيه سياستها الصناعية نحو التصنيع مرتفع القيمة، من المركبات الكهربائية والبطاريات إلى الألواح الشمسية وأشباه الموصلات. وبحلول عام 2024، كانت الصادرات الصينية، وفق ما وثقه سيتسر، تنمو بوتيرة تزيد بأكثر من 10 نقاط مئوية على نمو التجارة العالمية، وفي عام 2025 أسهم صافي الصادرات بنحو 30 في المئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي.
لكن عندما تستقر هذه الطفرة الأخيرة أو تبدأ في الانحسار، قد تكون اللعبة انتهت بالفعل. فمن الصعب تحديد قطاع قادر على توليد 30 في المئة أخرى من نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين، فقطاع العقارات غارق في ركود طويل قد يمتد لما يقارب جيلاً كاملاً، ولم يعد قطاع البنية التحتية قادراً على استيعاب بناء خطوط جديدة وغير ضرورية للقطارات فائقة السرعة في مدن الدرجة الثالثة، بينما يلبي التصنيع الطلب المحلي بسهولة. أما الخدمات، التي تمتص عادة في الاقتصادات الأخرى العمالة التي تفقد وظائفها في الصناعة، فلا تزال ضعيفة لأن حصة الأسر من الاستهلاك منخفضة أكثر من اللازم لدعمها. وحتى الصناعات التي لا يزال في إمكان الصين تطويرها، مثل الطائرات التجارية ومعدات الذكاء الاصطناعي، أصغر من أن تسد هذه الفجوة.
صدمة الصين المقبلة
إذا تعرض النظام الصيني لصدمة، فقد تنتقل آثارها سريعاً عبر اقتصاد يعاني أصلاً اختلالات عميقة، فقد تنهار أعداد كبيرة من الشركات التي تعمل بهوامش ضيقة، وقد تضطر المصارف المملوكة للدولة إلى الاعتراف بالخسائر المتراكمة لدى الشركات غير القابلة للحياة اقتصادياً. وقد تواجه أدوات تمويل الحكومات المحلية سلسلة متعاقبة من حالات التعثر، فيما تنهار إيرادات المقاطعات مع تراجع مبيعات الأراضي والنشاط الصناعي. وقد تؤدي البطالة في المقاطعات الصناعية الساحلية إلى تصاعد السخط على بكين، إلى مستويات لم تواجهها منذ عقود.
وقد ترى بكين في التحفيز جزءاً من الحل، لكن الظروف اليوم تختلف جذرياً عما كانت عليه في عام 2008. فأية حزمة تحفيز تعتمد في 2026 ستضخ في اقتصاد مقيد لا في اقتصاد يتوسع سريعاً، مما سيجبر الحزب الشيوعي على إعادة التوازن في أسوأ الظروف الممكنة: إنتاج يتراجع، وأعباء ديون ترتفع، وشرعية تتعرض لضغوط متزايدة. وقد تواجه الصين نسخة من “العقد الضائع” الياباني، لكنها قد تكون أسوأ. فعندما دخلت اليابان عقدها الضائع عام 1991، كانت واحدة من أغنى دول العالم، وكان دخل الفرد فيها، بعد تعديله وفق القوة الشرائية، مقارباً لنظيره في الولايات المتحدة. أما الصين اليوم فأفقر بكثير نسبياً، إذ يبلغ دخل الفرد فيها، وفق المقياس نفسه، نحو نصف دخل الفرد في اليابان وثلث نظيره في الولايات المتحدة. كما أن آفاقها الديموغرافية أسوأ مما كانت عليه اليابان، وتفتقر إلى البنية المؤسسية التي أتاحت لطوكيو التعافي تدريجاً.
وستكون التداعيات الاقتصادية لمثل هذه الصدمة عالمية النطاق، فأي تراجع حاد في الطلب الصيني على صادرات الدول الأخرى، ولا سيما المواد الخام والسلع الوسيطة، ستكون له أصداء واسعة في الاقتصادات الكبرى المصدرة للسلع الأولية. وستكون البلدان الناشئة والنامية التي تمثل الصين أكبر شريك تجاري لها من بين الأكثر عرضة للخطر، فعندما تباطأ الاستثمار الصيني في الأصول الثابتة بين عامي 2012 و2015، هبطت أسعار النحاس بأكثر من 40 في المئة، والنفط بأكثر من 60 في المئة، وخام الحديد بأكثر من 70 في المئة. وأدى هذا الانخفاض الحاد في أسعار السلع الأولية إلى تراجع كبير في نمو البلدان الغنية بالموارد في أفريقيا جنوب الصحراء، فانخفض معدل نمو المنطقة من 5.3 في المئة عام 2013 إلى 1.3 في المئة عام 2016، وهو أدنى مستوى له في أكثر من عقدين. أما إذا تحولت الأزمة إلى صدمة تصديرية واسعة النطاق، فستكون العواقب أشد بكثير. فأستراليا والبرازيل وتشيلي توجه ما بين 25 و40 في المئة من إجمالي صادراتها إلى الصين، فيما تصل هذه النسبة إلى ما بين 45 و90 في المئة في أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومنغوليا وجمهورية الكونغو. وتعتمد قدرة اقتصادات هذه البلدان على الاستمرار على افتراض بقاء الطلب الصيني قائماً، فيما تعتمد بلدان أخرى كثيرة على هذا الطلب بدرجات متفاوتة.
وقد يتفاقم الوضع أيضاً إذا انكفأت رؤوس الأموال الصينية، فعلى رغم تراجع الإقراض الصيني العالمي عبر مبادرة “الحزام والطريق” عن ذروته المسجلة عام 2016، لا تزال الصين، بفارق كبير، أكبر جهة إقراض حكومية مباشرة للبلدان النامية. وإذا اضطرت بكين إلى تكريس مواردها لمعالجة أزمة داخلية، فقد تتوالى موجة جديدة من إعادة هيكلة الديون السيادية وحالات التخلف عن السداد في باكستان والإكوادور وزامبيا وغيرها.
ووفق بعض المقاييس، يبدو الاقتصاد العالمي اليوم في وضع أفضل بكثير مما كان عليه عام 2009، فالموازنات العمومية للمصارف أكثر متانة، والنظام المالي أقدر على رصد بوادر الضغوط، لكن الصورة تبدو أسوأ من جوانب أخرى. فقد دخلت الاقتصادات المتقدمة أزمة عام 2008 فيما بلغ متوسط ديونها العامة نحو 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أما اليوم فيناهز هذا المتوسط 110 في المئة. كذلك انتهى عصر الاقتراض الحكومي شديد الرخص، ومع تزايد كلفة خدمة ديون القطاع العام، ستتقلص الموارد المتاحة للحكومات للتعامل مع صدمات الاقتصاد الكلي.
وإذا تحقق أسوأ السيناريوهات، فقد نحتاج مجدداً إلى خطوط لمبادلة العملات يوفرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على نطاق مماثل لما وفره عامي 2008 و2020، إلى جانب موارد إضافية من صندوق النقد الدولي. وحتى هذه التدابير قد لا تكفي لمنع موجة من حالات التخلف عن سداد الديون السيادية، وقد تكون أقل فاعلية مما كانت عليه في عامي 2008 و2020.
المخرج
إذا واجه العالم أزمة منشؤها الصين، فمن غير المرجح أن تقود بكين الاستجابة إليها، فالصين لم تظهر حتى الآن قدرة أو رغبة في الاضطلاع بالدور الذي تؤديه واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، الذي يشمل قيادة الاقتصاد العالمي خلال أزمات مثل الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، التي امتدت إلى روسيا والبرازيل، ثم الأزمة المالية العالمية وأزمة منطقة اليورو التي أعقبتها بين عامي 2008 و2012. وحتى إذا كانت الأزمة المقبلة صينية المنشأ، فمن المرجح أن تقع مهمة احتواء تداعياتها، كما يحدث غالباً، على عاتق الولايات المتحدة والمؤسسات التي تشكل واشنطن ركيزتها.
وخلال معظم الأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009 وما أعقبها، كنت أشغل منصب نائب مستشار الأمن القومي للشؤون الاقتصادية الدولية، وأمثل الولايات المتحدة في التحضير لاجتماعات مجموعة الثماني ومجموعة الـ20. وهناك رأيت عن قرب كيف نجح التنسيق بين القادة السياسيين ووزارات المالية والمصارف المركزية، في إبعاد الأنظمة المالية العالمية عن حافة كساد محتمل. وفي قمة مجموعة الـ20 التي استضافتها لندن عام 2009، وافقت الصين على عدم خفض قيمة عملتها أكثر، بعدما أبقتها منخفضة بصورة مصطنعة نحو عام لحماية مصدريها، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الضغط الجماعي الذي مارسه قادة الولايات المتحدة ودول أخرى.
وفي تلك القمة، شاهدت الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، والرئيس الصيني هو جينتاو، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، يجتمعون في زاوية من القاعة لحسم التفاصيل الأخيرة للاستجابة إلى الأزمة المالية العالمية، ومن الصعب تصور مثل هذا النوع من التعاون اليوم. فقد تدهورت المؤسسات والأدوات وأعراف التعاون بدرجة كبيرة منذ عام 2008، كما تراجعت الثقة بالقيادة الأميركية. وفي استطلاع أجرته “بوليتيكو” في فبراير (شباط)، وافق ما بين 42 و57 في المئة من المشاركين في كندا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة على أن الولايات المتحدة “لا يمكن الاعتماد عليها في الأزمات”، وليس هذا بالتأكيد توقيتاً مثالياً لاندلاع أزمة جديدة.
ولتجنب النتيجة الأشد كارثية، يتعين على الصين أن تجري، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى الأخرى، عملية استباقية وتدريجية لإعادة التوازن لاقتصادها. ويمكن لمثل هذا النهج أن يستلهم روح “اتفاق بلازا” عام 1985، حين اتفقت فرنسا واليابان والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا الغربية على التدخل في أسواق الصرف لخفض قيمة الدولار الأميركي، الذي كان مقوماً بأعلى من قيمته بكثير، وتقليص العجز التجاري الأميركي الكبير. واليوم، تستطيع الولايات المتحدة البناء على الإجماع المتزايد حول طبيعة التحدي الصيني لتشكيل جهد منسق يهدف إلى الحصول من بكين على التزامات قابلة للتحقق برفع قيمة الرنمينبي وإعادة التوازن للاقتصاد الصيني، بما يشمل كبح الصادرات. ويمكن أن ترتفع قيمة الرنمينبي على مراحل، وأن تتراجع تدريجاً إعانات القطاعات ذات الأولوية، فيما تمضي بكين في إصلاح أوسع لنظام تسجيل الأسر بما يتيح قدراً أكبر من الحراك الاجتماعي والاقتصادي ويعزز شبكة الأمان الاجتماعي. وفي المقابل، يستطيع شركاء الصين التجاريون ضبط وتيرة إجراءاتهم الحمائية بما يتناسب مع حجم التحول، والتنسيق في ما بينهم حتى لا يتحمل اقتصاد أو قطاع واحد العبء كله. وهذه خطوات تعرف الصين منذ زمن أنها ضرورية لتحقيق نمو أكثر توازناً واستدامة، لكنها اختارت إلى حد بعيد تجاهلها. غير أنها إذا واصلت تأجيل المواجهة، فسرعان ما ستصل إلى نقطة لا يعود عندها التأجيل ممكناً.
وثمة إحباط عميق ومفهوم في الولايات المتحدة من مماطلة الصين في هذه القضايا طوال العقدين الماضيين. فعندما سئل الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير في وقت سابق من هذا العام عما إذا كانت واشنطن ستواصل الدعوة إلى إعادة التوازن باعتبارها جزءاً محورياً من الأجندة التجارية الأميركية الصينية، قال: “حسناً، ما مدى فاعلية ذلك؟ لقد سلمنا للتو بحقيقة أنه لن يكون هناك إصلاح شامل وضخم للطريقة التي يعمل بها النظام السياسي الصيني، بما في ذلك كل هذه العناصر الاقتصادية”. وبدلاً من ذلك، تركز الإدارة على إنشاء “مجلس للتجارة” لإدارة التجارة الثنائية في “السلع غير الحساسة”، بحسب تعبير البيت الأبيض، وعلى التفاوض لإبرام اتفاقات شراء وبيع تشمل فول الصويا وغيرها من المنتجات الزراعية ومنتجات الطاقة والطائرات.
وقد تكون مثل هذه الصفقات المحدودة مفيدة في حد ذاتها، لكنها لن تفعل كثيراً للحد من الأخطار الاقتصادية الأوسع التي تفرضها السياسات التجارية الصينية على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، ولن تعالج الأسباب الاقتصادية الكامنة وراء التوتر بين البلدين. وتستطيع واشنطن التأثير في المسار المستقبلي للسياسة الاقتصادية الصينية، لكن ذلك يتطلب تشكيل ائتلاف من الدول المستعدة للضغط على بكين ودفعها إلى إعادة التوازن إلى اقتصادها. وإذا نجح هذا المسار، فقد يسهم في إرساء توازن اقتصادي عالمي جديد، والأهم أنه قد يساعد في تفادي الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى المقبلة.
وتتمثل الفرصة الأوضح في قمة مجموعة الـ20 التي ستعقد في ميامي في ديسمبر المقبل، وهي المرة الأولى التي تستضيف فيها الولايات المتحدة القمة منذ عام 2009. وقد أوضحت إدارة ترمب بالفعل أنها تريد إعادة مجموعة الـ20 “للأساسيات”، فيما أظهر التاريخ أن المجموعة تكون أكثر فاعلية عندما تركز على إدارة الأخطار الاقتصادية العالمية. وهذا تحديداً ما تقتضيه المهمة الراهنة. فقد قال وزير الخزانة سكوت بيسنت في أبريل (نيسان): “إن التراكم البطيء للاختلالات العالمية بعد غياب نمو مستدام هو الخطر الأكبر، لا يستطيع العالم أن يتحمل صيناً بفائض تجاري قدره تريليون دولار”. ومخاوف بيسنت في محلها، ولذلك ينبغي للولايات المتحدة أن تضع الاختلالات الاقتصادية الصينية في صميم أعمال القمة.
لن يكون شيء من هذا سهلاً، لكن البدائل أسوأ بكثير. ففي هذه الأزمة المحتملة، ستعاني الصين أكثر مما ستعاني الولايات المتحدة، وهو ما قد يقوض بصورة لا رجعة فيها مسعاها إلى الوقوف بجانب واشنطن، ناهيك بالحلول محلها، بوصفها راعياً مسؤولاً للاقتصاد العالمي، كما قد يلحق الضرر بالعلاقات التي أمضت بكين عقوداً في بنائها مع البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض. لكن التداعيات لن تقتصر على الصين، بل قد تتوالى عبر الاقتصاد العالمي على نطاق لم نشهده منذ أزمة 2008-2009. وهذه هي “صدمة الصين” المقبلة الحقيقية، وهي التي ينبغي أن تكون في صميم العلاقات الأميركية – الصينية. ولدى الولايات المتحدة فرصة لجعلها محور تلك العلاقات، ومصلحة واضحة في أن تفعل ذلك.
مترجم عن “فورين أفيرز” 13 آب (أغسطس) 2026
مايكل بي جي فرومان رئيس مجلس العلاقات الخارجية. شغل منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة بين عامي 2013 و2017، ومنصب نائب مستشار الأمن القومي للشؤون الاقتصادية الدولية من عام 2009 إلى عام 2013.
