السوري المتابع لأحوال بلاده، بل المرتبط والمقيّد بمشكلاتها من دون فكاك، لا بدّ أن تحاصره الأسئلة ويتوه في دوّامة اللاجدوى، أو العجز عن الفهم، خصوصاً لدى الغالبية العظمى ممّن هم في الداخل السوري. أمّا الذين ما زالوا خارج الحدود، أو في أماكن لجوئهم ومنافيهم وغربتهم، فلديهم أسباب أخرى أو إضافية لعدم الفهم، والانزلاق أيضاً إلى متاهاتٍ تمعن في إقصائهم عن التفكير الهادئ بعيداً عن الحساسيات والعصبيات بمختلف أنواعها، وما أكثرها لدى السوريين، وقد حملوها إرثاً ثقيلاً انبنى في الماضي على طبقات متراصّة، حتى أصبحت عبئاً ثقيلًا يبدو كما لو أنه التصق بأجسادهم.
صار الشعب السوري، في غالبيته، وتحت ضغط ظروفه المعيشية، وخروجه من حرب شرسة بعد عقود من القمع والاستبداد، يدور في فضاء بالغ الضيق، حول أي قضية عامة، أو حتى خاصة، يتوسّطه محور يحمل ما يمكن تسميته “مزدوجة” بذراعين، أو ثنائية هي “مع/ ضدّ” فتختصر كل القضايا الخلافية، أو أي قضية تصبح خلافيةً وفق هذه الثنائية.
ودائماً ما تصبح القضية، صغيرة أم كبيرة لا فرق، “ترنداً” تفجّره الخوارزميات مثل بركان يشعل العصبيات، ويدخل الجميع حلبة الصراع بأعتى ما لديه من أسلحة اللغة الشتّامة، والاتهامات الرامية إلى مسخ الآخر المختلف وتجريده من الوطنية، بل وحتى الإنسانية، ويصبح المجال العام ميداناً للنزاع، والحقيقة ملكاً حصرياً له، في نوع من الإثارة والاستقطاب، على حساب المعرفة والتحليل والموثوقية، بل نرى أن الروايات تنهمر على مواقع التواصل الاجتماعي، من دون توثيق، وإذا كانت موثّقة فلا تعييهم الأدوات للتشكيك في مصداقيتها وتفنيد بطلانها وضلالها، في وقتٍ تنعدم فيه الشفافية في معظم القضايا العامة التي تقع مسؤوليتها على الدولة والمؤسّسات المعنية. وهنا لا بد من السؤال: من يملك القدرة على تشكيل وعي مجتمعي بما يحدُث داخل الدولة؟
ربما جديد “الترندات” التي احتلت مساحة كبيرة من انشغال السوريين كانت حفلة المطربة أصالة نصري، ومن بعدها زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع الولايات المتحدة من أجل حضور الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي انشغل فيها الشارع السوري بالتركيز على كل حركة أو كلمة أو نشاط قام به الرئيس أو الوفد المرافق له، في مستوى أقل بكثير مما يتطلبه “الوعي السياسي” ثم “التحليل السياسي”، بل اضطرم المجال العام بفوضى الثنائية: مع/ ضدّ.
لا توجد مساحة حوار بشكل شبه تام، وإن وجدت فهي على مستوى شريحة صغيرة من السوريين الذين ما زالوا لا ستطيعون أن يكونوا مؤثرين في الوعي العام، خصوصاً أمام الدور الكبير للمؤثرين وأصحاب المحتوى، المالكين أعداداً كبيرة من المتابعين. فهل يمكن القول إن المجتمع السوري محكوم بنظام “تفاهة”، ليس بالضرورة مشروعاً سلطويّاً مقصوداً وهادفاً، من دون تبرئة السلطة منه، أو لا يمكن تأكيده ما دام أن المجال العام، كما أسلفت، متنازع عليه، ولم يصل بعد إلى مستوى فهمه؟ نظام لا يمكن تبرئة المجتمع منه أيضاً.
تركة الحرب وعقود القمع التي سبقتها، من دمار على مستوى الدولة والمجتمع، والانهيار الاقتصادي بشكل أساسي وتداعيات ذلك كله على الأفراد والمجتمعات، والتعب النفسي والحياتي، زاد هذا كله في حدة الاستقطاب السياسي، والعصبيات بكل أشكالها، وتغيّر علاقة الأفراد بالمجال العام، بل إن هذه الخسارات والتعب أوصلا الشعب في معظمه إلى نوع من “اللامبالاة” زاد في وطأتها تمكن اليأس من النفوس، وفقدان الثقة بأنهم قادرون على الفعل أو تغيير واقع بات يبدو مستحيل التفكيك، شعور اللامبالاة هذا أكثر قبولاً لدى الغالبية، فهو أخفّ على النفس من المشاركة العامة.
لكن هذا لا يعني أن اللامبالاة هذه يمكن أن تقلل من حدّة اشتعال الصراع “مع/ ضدّ”، خصوصاً أن السياسة تحوّلت إلى هويات ضيقة وشعارات تتخلّق باستمرار ويعلو ضجيجها، وصراعات بات كل منها يحمل رمزية تسمو إلى مراتب جليلة لدى الجماعات، ما جعل الحجّة مهملة أو معدومة، فهناك شريحة لا يمكن أن ترى قطرة ماء في الكأس، لأنها رافضة هذه السلطة بالمطلق (ضدّ) ولا تقبلها حتى أمراً واقعاً. وفي المقابل، شريحة أخرى تهلّل وتصفق لأي إجراء أو سلوك أو إدارة أزمة، بل ترضى بتردي المعيشة والاقتصاد، وتبرّر الأخطاء أو تنكرها لأنها “مع”.
لا يمكن نكران ظاهرة “التفاهة” أو “العبث”، خصوصاً في ظل “استبداد” وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصّات والتطبيقات، وتحويلها المجتمعات إلى كائناتٍ تهوى العيش على السطح، بينما البحر كله، بغنى أعماقه وثرائها وجمالها تحته، ما دامت الأجهزة الذكية صارت لا تفارق اليد، وهناك مؤثّر ومتابعون ورواية جاهزة باستمرار. وهناك خوارزميات نشطة، تحوّل ببساطة الصراع السياسي وغيره إلى استهلاك يومي، باتت غالبية الشعب واقعة تحت سيطرتها.
وهكذا، مثلما اشتعل الشارع السوري واحتدم الصراع حول حفلة أصالة نصري، واختصرت بأنها “وحّدت” السوريين من دون الغوص في المسألة الثقافية والسؤال عن دور الدولة وممارسات السلطة الحالية حولها، ثم انطفأ، سوف يشتعل باستمرار، وفي كل مرّة ستكون هناك فقاعة ملوّنة، تدخل الناس في حالة من الشعور الواهم بأنهم منخرطون في شؤونهم العامة، لكنهم في الواقع يتبعون الأشخاص المؤثرين بدلاً من مؤسسات الدولة وبرامجها، ويغرقون أكثر في الانتماءات الضيقة وفي الطائفية بدلًا من الوطنية الفعلية، ويستلهمون الماضي بدلاً من التفكير في المستقبل والتجهيز لبنائه.
ليس من السهل ملء الفراغ الذي تركه الإعلام وأسس السيطرة وتوجيه المجال العام في العقود السابقة، لكن الأهم والأكثر حساسية السؤال عمّن يمكن أن يملأ هذا الفراغ، في واقع نرى فيه أن هناك نماذج محدّدة تلعب في هذا المجال، تؤسس لوعي عام يدفع باتجاه رأي عام، غالباً ما يخدم الجهات التي تتنازع هذا المجال، هذه النماذج يبرز فيها المؤثر، الطائفي، البراغماتي. وهناك كثيرون من الشعب متعبون ولامبالون، أو يائسون، بينما المثقفون منقسمون أيضاً، ومع شديد الحزن والأسف، وفق مزدوجة “مع/ ضدّ”، مستقطبون، وأحزاب قديمة تداعت روحيّاً ونظريّاً ودخلت في العطالة، وأحزاب لم تولد ولم تصدر القوانين الناظمة لتشكيلها، علها تستقطب أجيال الشباب. .. وهناك، مشايخ الدين على مختلف مشاربهم وتصنيفاتهم، وهناك الأخطر: الخوارزميات.
