(محمد شبعة)..
سمر يزبك… كاتبة سورية.. العربي الجديد
قبل أشهر من انتفاضة أيار الطلابية عام 1968 في فرنسا، نشر جورج بيريك روايته “النائم” عن شاب في الخامسة والعشرين يستيقظ ذات صباح ولا يذهب إلى امتحانه في الجامعة. لم يقع له ذلك اليوم أي حادثٍ يغيّر حياته. لا شيء يستحق الذكر، سوى أنه لم يعد يريد مواصلة حياته بالروتين نفسه. ومن هذا الامتناع الصغير الذي لا يتطلب شجاعة خاصة، يبدأ الشاب بهجر العالم.
في الرواية، لا يهرب البطل من خطر محدّد. إنه يتوقف عن انتظار الأشياء، ويترك أيامه تتشابه، ويمشي في باريس كما لو أنه يريد أن يصبح واحدًا من أرصفتها. لا يطالب الآخرين بشيء، ويريد منهم أن يتركوه وشأنه، وأن لا يطالبوه بدورهم بأي شيء. قد يبدو هذا الشاب اليوم مألوفًا أكثر مما كان عليه قبل ستين عامًا. وربما لو عاش في أيامنا هذه لاكتفى بإغلاق هاتفه، والخروج من مجموعات “واتساب”، والتوقف عن قراءة الأخبار. غير أن الرواية، في النهاية، لم تكن عن مجرد ضجر عابر، بقدر ما شرحت تجربة أكثر تطرفاً، حين يحاول الإنسان التخلص من كل ما يجعله عرضة للألم، بما في ذلك رغبته في أن تكون لحياته أهمية.
ثمة إغراء فلسفي قديم في هذا المشروع، فالرواقيون رأوا أن جانباً من حرية الإنسان يكمن في التمييز بين ما يخضع لإرادته وما هو خارج حدود إرادته. لكن بطل بيريك يذهب إلى أبعد من ذلك؛ إنه يتصرّف كما لو أن المشكلة ليست في تعلقنا بما لا نستطيع التحكم فيه، وإنما في التعلق نفسه. يريد أن يتخلص من الرغبة حتى لا يعود مضطراً إلى اختبار الخيبة. وهو بذلك يرتكب خطأ حين يخلط بين الاستقلال عن العالم والاستغناء عنه. ليس هذا خطأ نادراً. فالذين، مثلنا، أمضوا سنوات طويلة في انتظار حدث تاريخي، ثم اكتشفوا أن الحدث لا ينهي بالضرورة أسباب شقائهم، قد يجدون في الامتناع عن الانتظار خلاصاً شخصيّاً. ويصبح السؤال عن الطريقة التي يمكن بها الوصول إلى الغد بأقل قدر من الانفعال.
من السهل العثور على شيء من هذا المزاج في الحياة السورية، فالسياسة كانت تقتحم أكثر تفاصيل الإنسان خصوصية؛ الكتابة والمعارضة والانشغال بالشأن العام كانت تفرض إيقاعها على كل شيء؛ الإقامة، العمل، الدراسة، العلاقات العامة والأصدقاء، حتى العلاقات العائلية لم تكن تنجو أحياناً من هذا التأثير… ثم سقط نظام الأسد. وهو تحوّل جذري في تاريخ البلاد، لكنه لم يضع حدًّا تلقائيًّا لعلاقة السوريين المضطربة بالسياسة. صار مطلوبًا منهم أن يتابعوا شكل السلطة القادمة، وأن يناقشوا العدالة الانتقالية، والحقوق، وإعادة الإعمار، والتناقضات الأهلية والطائفية… وقد يفاجأ من ينتظر من الجميع حماسة متجددة بأن بعض الناس لم يعودوا يريدون شيئًا من هذه المناقشات.
هل يجوز لومهم؟ … يمكن للمرء أن يفهم إنسانًا لا يريد سماع نشرة أخبار أخرى، من دون أن يفترض أنه تخلى عن ضحايا المجازر أو عن حقه في الحرية. وربما يكون من القسوة أن نطلب ممن استُهلكت سنوات حياته في الخوف والشقاء والانتظار أن يلعب دومًا دور الثائر المتحمس، حاضرًا في كل نقاش، ومستعدًّا دائمًا للدفاع عن تصوّر متكامل للمستقبل. لكن المسألة تصبح أصعب عندما ننتقل من الحق الشخصي في الراحة إلى النتائج السياسية لهذا الانسحاب.
كانت حنّة آرنت شديدة الانشغال بفكرة العالم المشترك؛ ذلك الحيز الذي لا يوجد فيه الناس لمجرّد أنهم يعيشون متجاورين، بل لأنهم يستطيعون الكلام والفعل والاختلاف. والحرية السياسية، بهذا المعنى، ليست شعوراً داخليّاً نحتفظ به لأنفسنا، وإنما هي إمكانية تظهر حين نتصرف مع الآخرين. في المقابل، يذهب بطل بيريك إلى غرفته ليحمي استقلاله، فيكتشف تدريجيًّا أنه لم يصبح أكثر حرية. لقد تخلى عن الأشياء التي تقيده، لكنه تخلى معها عن قدرته على التأثير. واللامبالاة التي تخيلها سيادة على الذات تنتهي إلى شكل من العجز.
ليس كل انسحاب من السياسة لامبالاة؛ فقد ينسحب المرء لأنه لا يجد أثراً لوجوده، أو لأنه سئم المزايدات. ومن حق السوريين أن يستريحوا بعد كل ما أنهكهم. لكن حتى بطل بيريك لا يجد في عزلته الراحة التي أرادها. لقد ابتعد حقّاً عن العالم، لكن الابتعاد لا يعفينا من تحمّل نتائج المواقف التي يتخذها الآخرون.
