تمثل زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني إلى العاصمة السورية دمشق، أمس الاثنين، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الجانبين، باعتبارها أول زيارة رسمية لمسؤول كردي عراقي بهذا المستوى منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، كما أنها تأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، وسط استمرار الحرب في الخليج، وتصاعد التوتر الإقليمي، واستكمال مسار التفاهمات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
البارزاني يلتقي الشرع
واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع البارزاني في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون، ولا سيما في المجالات الاقتصادية، إضافة إلى تطورات الأوضاع الإقليمية وعدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وفق بيان صادر عن الرئاسة السورية، أكد أن المباحثات ركّزت على دعم الأمن والاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي.
من جهته، أعرب البارزاني في منشور على “إكس”، أمس، عن ثقته بأن “سورية قادرة بقيادة الرئيس أحمد الشرع على المضي نحو مزيد من الاستقرار والازدهار ومستقبل أكثر إشراقاً”. وأضاف: “أكّدتُ دعمنا لسورية مستقرة وموحدة، تُصان فيها حقوق جميع المكونات القومية والدينية، كما ناقشنا أهمية دور سورية في تعزيز السلام والأمن والاستقرار في المنطقة”.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة، كونها تأتي بعد سلسلة اتصالات ومباحثات بين دمشق وأربيل خلال الأشهر الماضية، شملت زيارة وزير التربية والتعليم السوري محمد تركو إلى أربيل (زارها الأسبوع الماضي للمشاركة في أعمال “منتدى كوردستان التربوي الرابع”)، ومباحثات لوفد من وزارة الخارجية السورية بشأن إعادة افتتاح القنصلية السورية في إقليم كردستان العراق، فضلاً عن لقاءين سابقين جمعا الشرع والبارزاني على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في عامي 2025 و2026.
الأكراد وتصعيد المنطقة
وتشير معطيات سياسية إلى أن زيارة البارزاني تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تتناول ملفات استراتيجية ترتبط بمستقبل العلاقة بين دمشق والأكراد في شمال شرق سورية، فضلاً عن قضايا الأمن الحدودي، والتنسيق الاقتصادي، والعلاقات السورية العراقية. وتحدثت شبكة رووداو التي تنشط في إقليم كردستان، عن أن الزيارة تأتي في إطار الجهود التي يقودها رئيس إقليم كردستان لدعم الحوار بين الحكومة السورية والقوى الكردية، ولا سيما مع استمرار المحادثات الخاصة بتنفيذ الاتفاق بين دمشق و”قسد”. وكشف مصدر كردي مطلع في دمشق لـ”العربي الجديد”، قبل اللقاء، عن أن المباحثات قد تتناول استكمال التفاهمات المتعلقة بحلّ “قسد” بصيغتها الحالية ودمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية. كما أفاد بأن البارزاني سيُطلع قيادة “قسد” والإدارة الذاتية على نتائج محادثاته في دمشق، فيما تتجه الأنظار إلى الملفات العالقة في اتفاق التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي (بين دمشق و”قسد” والخاص بالدمج)، وخصوصاً ما يتعلق بملفات الاندماج، والتعليم، والدستور.
ويرى ممثل “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد) في دمشق، عبد الوهاب خليل، أن الزيارة تحمل طابعاً تاريخياً، نظراً إلى توقيتها وما تمرّ به المنطقة من ظروف أمنية واقتصادية معقدة. ويقول لـ”العربي الجديد”، إن مثل هذه الزيارات سيكون لها أثر إيجابي في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، إلى جانب بحث ملفات اقتصادية تهمّ البلدين، ودعم الجهود الرامية إلى اندماج الأكراد ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يضمن لهم دوراً فاعلاً في بناء سورية المستقبل.
عبد الوهاب خليل: من النتائج المحتملة للزيارة إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل
ويضيف خليل أن من النتائج المحتملة للزيارة إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل، في ظل وجود رغبة مشتركة لدى الجانبين في تطوير العلاقات الرسمية. ويشير إلى أن إقليم كردستان كان حاضراً في اتفاق دمج “قسد” مع الحكومة السورية، ويؤدي دوراً في متابعة تنفيذ هذا الاتفاق، باعتباره معنياً بنجاحه واستكمال مراحله، مؤكداً أن الزيارة تندرج أيضاً في إطار بناء مسارات جديدة للحوار بين الأكراد والعرب، بما ينعكس إيجاباً على المجتمع السوري عموماً.
من جهته، يعتبر المحلل السياسي الكردي السوري عبد الحليم سليمان، أن زيارة البارزاني تشكل محطة تاريخية في العلاقات الكردية السورية، ولا سيما بين دمشق وإقليم كردستان العراق. ويقول سليمان في حديث لـ”العربي الجديد” إن الاستقبال الرسمي الذي حظي به رئيس الإقليم يعكس مستوى متقدماً من العلاقة بين الطرفين، مضيفاً أن البارزاني يمثل، بحكم موقعه، أحد أهم مفاتيح العلاقة بين سورية والعراق، وكذلك بين العرب والأكراد، سواء في بعدها السياسي أو الثقافي.
ويلفت سليمان إلى أن جدول أعمال الزيارة لا يقتصر على العلاقات الثنائية، وإنما يرتبط أيضاً بالسياق الإقليمي، في ظلّ استمرار التوترات الأمنية والحرب الدائرة في المنطقة، مشيراً إلى أن الهجمات الإيرانية التي استهدفت إقليم كردستان وسورية خلال الفترة الماضية تجعل من التنسيق بين الأطراف المتقاربة سياسياً وأمنياً أمراً ضرورياً.
ويرى المحلل السياسي الكردي السوري أن الملف الكردي السوري يحتل مكانة متقدمة في المباحثات، موضحاً أن البارزاني لعب خلال الأشهر الماضية دور الوسيط أو “العرّاب” في تقريب وجهات النظر بين دمشق و”قسد”، وأن هذا الدور لا يزال مستمراً مع اقتراب خطوات تنفيذ التفاهمات المتعلقة باندماج القوات والإدارة المدنية ضمن مؤسسات الدولة السورية من مراحلها الأخيرة.
أما المحلل السياسي فراس علاوي، فيربط الزيارة بجملة من المتغيرات الأمنية والإقليمية، معتبراً أن التنسيق الأمني وضبط الحدود يأتيان في مقدمة أسبابها، خصوصاً في ظلّ استمرار الهجمات الإيرانية على مناطق في سورية وإقليم كردستان، واحتمال توسع دائرة المواجهة الإقليمية، بما يفرض مستوى أعلى من التنسيق الأمني بين الجانبين.
ويضيف علاوي أن الملف الثاني يتمثل في التطورات المرتبطة باندماج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، إذ أصبحت الحكومة السورية الطرف الرسمي المقابل لإقليم كردستان في إدارة الحدود والمعابر، بعد أن كانت العلاقات الميدانية تتم سابقاً مع “قسد”، وهو ما يستدعي بناء آليات تنسيق مباشرة بين دمشق وأربيل.
كما يشير إلى البعد الاقتصادي للزيارة، ولا سيما مع تزايد الحديث عن إمكانية تصدير نفط إقليم كردستان عبر الأراضي السورية، بالتنسيق مع الحكومة العراقية، في ظلّ التحديات التي تواجه مسارات التصدير التقليدية نتيجة التطورات العسكرية في المنطقة.
ويضيف أن هناك بعداً سياسياً لا يقل أهمية، يتمثل في تقاطع سياسات إقليم كردستان مع ما يصفه بالمحور السوري ـ التركي ـ السعودي ـ القطري، الأمر الذي يجعل من الزيارة فرصة لتعزيز التنسيق السياسي بين هذه الأطراف في ظل التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن دمشق تسعى، في هذه المرحلة، إلى توسيع شبكة علاقاتها مع القوى الإقليمية الفاعلة، وبناء شراكات جديدة مع دول الجوار، بعد سنوات من العزلة، مستفيدة من التحولات السياسية التي شهدتها سورية منذ عام 2024. كما تسعى الحكومة السورية إلى تعزيز التعاون مع إقليم كردستان في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، باعتباره شريكاً مؤثراً في عدد من الملفات، وفي مقدمتها مستقبل شمال شرقي سورية.
في المقابل، تبدو أربيل معنية بإنجاح الحوار بين دمشق والقوى الكردية، ليس لضمان استقرار المناطق الحدودية فقط، وإنما أيضاً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، خصوصاً في قطاعات الطاقة والتجارة والنقل.
وبينما لم تعلن تفاصيل كاملة عن نتائج المحادثات حتى الآن، فإن المؤشرات الأولية توحي بأن زيارة البارزاني تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين دمشق وأربيل، تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي إلى بناء تفاهمات سياسية وأمنية واقتصادية طويلة الأمد، قد تنعكس بصورة مباشرة على مستقبل الحوار بين الحكومة السورية والقوى الكردية، وعلى شكل الترتيبات الجديدة في شمال شرق سورية، فضلاً عن إعادة رسم جزء من شبكة العلاقات الإقليمية في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى بالمنطقة.