نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
بقدر ما كان إلغاء تظاهرة 20 حزيران/يونيو في باريس ــ في وقت كان فيه عشرات الآلاف على أهبة الاستعداد للمشاركة فيها ــ حدثاً يبعث على السخط والألم والغضب، فإنه كشف في الوقت نفسه الوجه البشع لدكتاتورية الشاه التي يحاول أيتامها عبثاً إحياءها، كما فضح أيضاً الوجه الكريه للنظام الإيراني. والأهم من ذلك أنه رفع الغطاء عن التحالف غير المقدس بين الطرفين في مواجهة نضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، الساعيين إلى القضاء المبرم على الدكتاتورية بوجهيها: الملكي والديني، في إيران إلى الأبد.
لقد سبق للمقاومة الإيرانية أن أعلنت مراراً وتكراراً عن وجود تعاون خفي بين أيتام نظام الشاه والنظام الإيراني ضد الشعب ومقاومته المنظمة، لكن اللافت للنظر أن المقاومة هذه المرة لم تكن هي من كشف هذا التعاون والارتباط المشبوه بينهما بالسياق الذي أشرنا إليه، بل إن المحكمة الإدارية في باريس هي التي أعلنت ذلك بصريح العبارة، لتفضح الطرفين أمام العالم أجمع، وتكشف عن معدنهما الرديء وحقيقة ما يضمرانه من عداء لإرادة الشعب الإيراني وتطلعاته.
إن تظاهرة 20 حزيران/يونيو، التي تأهب للمشاركة فيها أكثر من 100 ألف إيراني قدموا من دول عديدة في الاتحاد الأوروبي، كانت ستقام أساساً للتأكيد على أن الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة ماضيان قدماً في الصراع والمواجهة ضد النظام الاستبدادي القائم في طهران، وأنه لا أمن ولا سلام حقيقيين في المنطقة ما دام هذا النظام جاثماً على صدر إيران وشعوب المنطقة.
والملفت للنظر هنا أن بقايا النظام البائد كانوا يطالبون باستمرار الحرب، في الوقت الذي كان فيه النظام الإيراني نفسه يريد الحرب أيضاً، بل ويحرص عليها ويجد فيها متنفساً لأزماته ووسيلة لإطالة عمره. لكن المقاومة الإيرانية، وعلى النقيض من الطرفين، كانت تطالب بوقف الحرب، وترى فيها عملاً عبثياً لا جدوى منه سوى إلحاق الضرر والدمار بالشعب الإيراني. كما تؤكد أن مصدر الخطر والتهديد والتحدي الحقيقي يكمن في بقاء هذا النظام واستمراره، لأنه يستمد أسباب بقائه من إشعال الحروب، وإثارة الأزمات، ونشر الفوضى. ومن هنا، فإن سبيل استتباب السلام والأمن لا يكمن في استرضاء النظام الإيراني ولا في شن الحروب ضده، وإنما في دعم وتأييد النضال المشروع للشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من أجل الحرية وإسقاط النظام.
وقد كانت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في غاية الوضوح وهي تسلط الضوء على طبيعة هذا النظام وتكشف ماهيته العدوانية، وذلك في كلمتها التي ألقتها في مؤتمر “إيران الحرة 2026″ في 20 حزيران/يونيو في باريس، حين أكدت أن:
“السعي وراء إنتاج القنبلة الذرية، وإثارة الحروب، والتطاول على دول المنطقة، هي جزء من استراتيجية النظام الكهنوتي الحاكم في إيران من أجل البقاء، ولن يتخلى عنها. إن الحرب هي درع هذا النظام في مواجهة الانتفاضات الشعبية، والسلام ووقف إطلاق النار بالنسبة له بمثابة “السم“، كما قال خميني. إن إسقاط النظام يقع على عاتق الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، بمبدأ: لا يحك ظهري سوى ظفري، وهو مبدأنا الرئيسي منذ زمن بعيد.”
ثم أضافت، وهي تفضح التحالف والتعاون الخفي بين النظام وأيتام الشاه من أجل إيقاف مسار الانتفاضة والثورة من أجل الحرية:
“أما أولئك الذين امتلكوا ماكينة ضخمة لتصنيع الأكاذيب والتزوير وصرف المليارات، فقد سعوا إلى اختطاف الانتفاضة وتصويرها على أنها محاولة للعودة إلى دكتاتورية حكم الشاه، وكان ذلك عملياً في صالح خامنئي تماماً، وخدم سياسة قمع الانتفاضة وإجهاضها.”
وهكذا، فإن ما جرى لم يكن مجرد قرار إداري بإلغاء تظاهرة سياسية، بل كان مناسبة كشفت بوضوح حجم التلاقي بين مشروعين استبداديين يبدوان متناقضين في الظاهر، لكنهما يلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة: العداء للشعب الإيراني ولمقاومته المنظمة، والخوف من البديل الديمقراطي الذي يهدد وجودهما معاً. ومن هنا، فإن فضح هذا التحالف غير المقدس، والكشف عن أبعاده وأهدافه، يكتسبان أهمية مضاعفة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الصراع مع النظام الإيراني وحلفائه الموضوعيين.