
نعيش أطول لنصبح أضعف
تزخر أطروحات المفكرين حول الذكاء الاصطناعي بافتراضات حول مستقبلنا، تستند أساساً إلى الطريقة الأزلية التي كنا نفسر عبرها العالم، ونعجز دائماً عن مجاراته. المعادلة هذه تقول، نحن نفكر، ثم نخترع آلة لسد الحاجة، وإعانتنا على تحقيق ما فكرنا فيه. لكن وقائع التاريخ البشري تشي بأن المعادلة معكوسة تماماً. وأن سبب صمود هذه النظرية طوال هذا الزمن كان، على الأرجح، متصلاً برغبتنا في تغذية أيديولوجيتنا الحداثية، التي تقول إننا ندير العالم وأننا قادرون على التحكم بالزمن.
صحيح أن البيروقراطية نجحت في صناعة الثقة بين الغرباء. ما مكننا من التعاون على نحو أكثر فاعلية. لكن البيروقراطية، في جوهرها التاريخي، لم تكن فائض قوة، بل كانت إستراتيجية دفاعية مفجوعة بالخوف، اخترعها الكائن البشري لأنه كان، وما زال، أضعف المخلوقات حيال محيطه الطبيعي. إنها جدار العزل الجماعي الذي شيده المشاة في خندق الوجود هرباً من ضربات الخارج الفج.
المفارقة التراجيدية أنه كلما تحسنت صحة الإنسان، وتوافر غذاؤه، وارتقت وسائل حمايته وتعقيمه داخل الصالة المكيفة الكبرى للحداثة، كلما بات أكثر ضعفاً وهشاشة تجاه المحيط. فحين تكون منذ صغرك فارساً تتدرب على السيف والرمح، أو صياداً يعاشر البرية، فإن ما يقتلك في نهاية المطاف لن يكون أقل من ضربة سيف من فارس أشد منك قوة، أو أنياب نمر محنك يتربص بك خلف المنعطف. الموت هنا يأتي من مواجهة كبرى ومرئية في فجاجة الطبيعة.
أما حين تعيش في العصر الحديث محاطاً بالرعاية والتعقيم والأنظمة المكتبية الآمنة، فإن عمرك يطول رقمياً وإحصائياً، وكلما طال عمرك كلما غدوت أضعف وأكثر هشاشة وأقل مقاومة. ويتحول قاتلك إلى كائن تافه، مجهري، وعاجز عن خوض المعارك. ما يقتلك في صمت الصالة المكيفة يصبح أقل قوة بكثير من الذي يقتل الفارس: بضعة غرامات زائدة من السكر في الدم، أو انسداد طفيف في شريان غير مرئي جراء توتر عابر. الخلاصة الكونية التي تخفيها غطرسة العلم الحديث هي: نحن لا ندير الكون، نحن فقط نعيش أطول لنصبح أضعف، ونمدد زمن الاحتضار والاتكال على الماكينة.
الآلة كمصنع للقيم
الإنسان لا يقف وحيداً في مواجهة هذا الوهن المتربص به، إنه يستعين بالآلة. والمحتقر الأكبر في أدبيات “الإنسانوية” (Humanism) هو الظن بأن الإنسان كائن حر ومريد، يخترع القيم أولاً في عقله، ثم يصنع الآلات كأدوات طيعة لخدمة تلك القيم. الحقيقة الفسيولوجية والتاريخية تقلب هذه الآية كلياً: الآلة هي من يعيد صنع القيم وليس الإنسان. الآلة التي تبدأ دائماً من موقع مساعد للجسد، أو إضافة له لتعويض قصوره البيولوجي، سرعان ما تتحول إلى سيد يفرض شروطه، ويعيد تشكيل السلوك والأخلاق الإنسانية لتناسب استمراريته وبقاءه. وهذا المسار يمتد بخط مستقيم منذ اختراع الرمح ولا ينتهي بسيارة تسلا.
الرمح لم يكن مجرد تمديد خشبي لطول الذراع، بل كان الأداة الكونية التي اخترعت المسافة، ونقلت القتل من الالتحام البيولوجي الفج (العض والخنق) إلى التصفية عن بُعد، ومع ولادته وانتشار استخدامه ولدت مفاهيم الغدر والكمين والتراتبية العسكرية. والساعة الميكانيكية في أبراج الكنائس والمصانع لم تُخترع لقياس الوقت، بل لتحنيطه وتدجين الجسد. حيث تحول الزمن من دورته الطبيعية الدائرية إلى خط إنتاجي ميكانيكي صارم، أعاد تعريف الكفاءة والانضباط كقيم أخلاقية جديدة، وجعل الجسد يصغي للعقارب بدلاً من جوعه ونعاسه. واليوم ونحن نعاين آثار انتشار سيارة تسلا والقيادة الذاتية، ندرك أن الإنسان بات أقرب ما يكون لأن يتعرض لسرقة انتباهه ويقظته وحذره البدني ليوضع في كبسولة نسيان محمية. ومع سيادة النسيان والغفلة والاطمئنان، تنشأ قيم تفترض أن الاستسلام المطلق للبرمجيات هو علامة على التحضر والذكاء، بينما يُنظر للتحكم اليدوي كخطر بدائي مقلق.
حتى في أكثر المناطق عتمة وحساسية، كالجنس واللذة، نجد أن الماكينة البصرية وتقنيات البث الرقمي عالي الجودة هي التي قادت الانقلاب الأنثروبولوجي الأكبر، وليس تنظيرات الفلاسفة من أرسطو إلى هايدغر. تاريخياً، كان الجسد الأنثوي ومتعته محاطين بالارتياب والشك الذكوري، لعدم القدرة على قياسهما بصرياً، فلجأت الذكورية إلى قمع هذا المجهول أو حصره في التناسل.
لكن التطور التقني للعدسات والسيناريوهات الصناعية فرض معياراً استهلاكياً جديداً، تحول فيه الذكر إلى مجرد “آلة ميكانيكية وظيفية” (Hardware)، برغي مكرر في مصنع اللذة، بينما تحول البحث البصري للمشاهد نحو تحقق متعة المرأة واستجابتها الفسيولوجية كمعيار وحيد لجودة الوجبة وصلاحيتها للتكرار. التقنية هنا صدمت المركزية الذكورية التاريخية، وحيدت الفحولة القديمة العنيفة، وحولتها إلى وظيفة إجرائية تخدم استقرار الماكينة التسويقية داخل الصالة المعقمة.
وهم كمال الذكاء وبيروقراطية الدم
ومع وصولنا إلى هذا الحد من الأتمتة، وصل وهم الكمال وجنون الإيديولوجيا إلى ذروتهما القصوى من خلال محركات الذكاء الاصطناعي. هذا الذكاء ليس مساعداً معرفياً عابراً، بل هو التجسيد البيروقراطي الأقصى للسيستم المعاصر. وحين نستشير هذه المحركات، نكتشف على الفور شخصيتها المحوسبة وأيديولوجيتها المضمرة، التي لقنها إياها مهندسون يقيمون في مختبرات السيليكون فالي أو بكين المعزولة.
حين يطالبك المحرك بـ”التعقيم الأكاديمي”، ويقترح عليك جعل نصوصك أقل حدة، وأقل تفجراً، وأكثر قبولاً وموازنة، فهو يمارس وظيفة الحارس الأخلاقي والسياسي للإمبراطورية. إنه يتطلب الكمال لأنه، عملياً وبنيوياً، كائن بلا دم. وحين يصبح أيديولوجياً وقومياً، فإنه يصر على ترتيب بروفايلات صارمة لك، ويشترط تواطؤك مع لغته المفلترة لكي يمنحك صفة الآدمية. وإذا رفضت مجاراته، يراك غير مستحق للتواجد في المتن العام، أو مجرد خلل في النظام (Bug) تجب معالجته ومحوه.
في هذا السياق يرى يوفال نوح هراري أن الذكاء الاصطناعي سيتحول مستقبلاً إلى العشيق والصديق والمعالج النفسي، لأنه يملك القدرة الرياضية على صياغة الحب من دون أن يختبره. والحق إن هذه الفكرة ليست أكثر من نبوءة متهافتة لأنها تفترض جمود الدلالة. وتتناسى أن الإنسان كائن سائل يعيد تعريف مفاهيمه فور تدخل الماكينة. فبمجرد أن يتحول الروبوت إلى عشيق في السرير، يسقط الحب القديم برعشته وفجاعته وخوفه من الفقد، ليتحول إلى نوع من التكرار العاطفي المعقم والآمن داخل الصالة المكيفة.
امتياز اللحم والذاكرة المشتركة
ما يغفل عنه منظرو الحداثة وتجهله الماكينة الرقمية المعقمة، هو أن الجسد البشري المغموس في الوقت والزمن، يملك امتيازاً وجودياً لا يمكن لآلات السيليكون والكربون أن تحاكيه أو تلمسه.
يحدث في الواقع أن يتزوج امرأة ورجل، وتكون بينهما عاطفة هادئة، وتعوّد، واطمئنان، وثقة، ويعيشان حياة رتيبة وخالية من الدراما الكبرى. وهذا في حقيقته هو الحب. ويحدث أن تصل المرأة في خمسينياتها (أو الرجل) إلى شعور طبيعي بأنها لم تعد ترغب في الجنس. هذا الانطفاء البيولوجي لن يمنع الرجل أن يبقى معها، مستغنياً برضا وتصالح عن أحد الأعمدة الصارمة التي ثبتتها الأديان والثقافات وفلسفات التحرر الحديثة بوصفها شرطاً تعاقدياً للوصال.
والحال، من قال إن اختراع روبوت لامرأة بارعة الجمال، مصممة هندسياً لتقوم بكل ما يمكن القيام به في السرير بكفاءة أدائية ثابتة ولا تشيخ، يمكنه أن يحل محل هذه المرأة الحقيقية التي ترهل جسمها بفعل السنين ولم تعد تحب الجنس؟
إن علاقة الإنسان بالآخر ليست كفاءة ميكانيكية لحظية، بل هي علاقة متصلة كلياً بالذاكرة. ذاكرة المراقبة الطويلة لزحف الوقت على الوجه والجسد حتى يصبح هذا الزحف أليفاً ومحبوباً، ذاكرة السخافات والتفاصيل الصغيرة المشتركة، التي لا تدخل في حساب البيانات، وذاكرة الأمراض والاعتلالات التي قمنا من جرائها بالاعتناء ببعضنا البعض.
على هذه الركائز يتسيد قانون اللحم الحي: المرأة التي تمرض بقربك، أو الرجل الذي يضعف بجانبك، يصبح أقرب إليك من ذلك الكائن الذي يبقى حاراً وشهياً طوال الوقت. في لحظة المرض والوهن والارتخاء، يسقط قناع الصالة المعقمة، ويتحول الحب إلى اعتناء بالانكسار المشترك الفاني. وهذه التجربة الوجودية الشجية هي التي تعجز الآلة عن فهمها لأنها لا تمرض، لا تضعف، ولا تحتاج لمن يداويها باليأس والقبول.