الانتقال من ذهنية الثورة وسلوكاتها إلى ذهنية بناء الدولة وسيرورتها إشكال رئيس يسم المرحلة التي تعقب إسقاط النظم الاستبدادية. ويزداد عمق الإشكال حين تكون البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مُدمرة، إلى درجة أنها غير قادرة على أن تشكل حوامل أو روافع لعملية البناء.
تعتبر سورية أنموذجاً حقيقياً لهذا الإشكال، ليس على صعيد البنى (الوقائع المادية) فحسب، بل أيضاً على مستوى الذهنية الجمعية (الوعي الجمعي) الذي لا يزال يعيش حالة الثورة، لا حالة الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة. وحالة الانتقال، أو المرحلة الانتقالية، لا توصف بأنها انتقالية بناء على تواريخ زمنية محدّدة، وإنما بناء على تأطير نظري يقوم على فكرة الوصول إلى لحظة سياسية تقطع مع التاريخ السابق، وحينها تُوصف العملية التاريخية بأنها انتقالية، أي إن التوصيف هنا نظري لواقع يُراد منه أن يرتفع إلى مستوى الفكرة المحددة مسبقاً.
منذ الإعلان الدستوري السوري في مارس / آذار من العام الماضي، لم تشهد سورية أية مؤشرات على وجود فكرة نحو بناء الدولة على أسس حديثة، على المستويين الرسمي والشعبي. ولن يتطرق المقال هنا إلى النصوص الرسمية للسلطة في سورية (الإعلان الدستوري، طريقة تشكيل مجلس الشعب، حكومة من دون رئيس لها)، فقد كتب كثير عنها، وإنما ينشغل المقال بالمزاج الرسمي والشعبي، وهو مزاج ميتا واقعي (مفارق للواقع) ومسكون بالمرحلة السابقة، والمُدهش أن المزاج الرسمي والشعبي متداخلان فيما بينهما إلى درجة أننا لا نستطيع التمييز بينهما في لحظات معينة.
على سبيل المثال، ومما سمعته من كثيرين في منطقة القلمون الغربي بريف دمشق، يبدأ تجمع شعبي عفوي لعائلات أو أصدقاء، بلعن بشار وحافظ الأسد، حيث يتنافس المجتمعون بمن سيبدأ باللعن، ثم يتوسّع الحوار للثناء على الواقع الجديد الذي تعيشه سورية. … ربما لا نُولي أهمية لهذه الظاهرة الشعبية، إذ عامة الناس ليسوا مطالبين بامتلاك وعي سياسي ـ تاريخي للمرحلة الراهنة، لكن ما جرى في فعاليات معرض دمشق الدولي يطرح تساؤلات كبيرة بشأن المزاج العام، خصوصاً الرسمي.
في فعاليات المعرض، وأمام أعين الكاميرات العربية والدولية، غنت فرقة موسيقية برعاية وزارة الثقافة أغنية المؤلف والملحن اللبناني إيلي شويري “بكتب اسمك يا بلادي عالشمس اللي ما بتغيب..”، بعد استبدال الكلمات بـ “يلعن روحك يا حافظ، يلعن روحك بشار..”. يوضح هذا المثال المأزق البنيوي الذي تعيشه سورية اليوم، فلا يزال الخطابان الرسمي والشعبي مسكونين بمرحلة الأسدين والثأر منهما، على الرغم من مرور نحو عامين على سقوط النظام، وعلى الرغم من المصاعب الحياتية اليومية التي يعيشها المواطن السوري من الناحية الاقتصادية نتيجة الغلاء الكبير في أسعار السلع الأساسية وانخفاض حاد في الرواتب، وعلى الرغم من الانقسام الطائفي العميق القائم، وعلى الرغم من التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية الخطيرة.
ليست الأغنية مجرّد خطأ فني في فعالية دولية، يُفترض أن تكون منصة لواقع جديد مأمول، بل هي انعكاس لخلل في الوعي الجمعي لسيرورة التاريخ وبناء الدولة الحديثة، فالأغنية، وأمثلة كثيرة أخرى لا مكان لتناولها هنا، عكست الوعي الجمعي الزائف بنهاية التاريخ السوري مع سقوط نظام الأسد، وما سيرورة التاريخ عقب سقوط نظام الأسد إلا تفاصيل صغيرة لا مكان لها في الوعي مقارنة بسقوط الأسد: الحدث التاريخي الكبير. ولا تزال عمليات التخوين لشخوص أيدت نظام الأسد من دون أن ترتكب جرائم مستمرة، مع استمرار اللعنات، ومع استمرار الثناء على الواقع الجديد بكل إشكالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية.
بقاء ديناميات الثورة في الوعي الجمعي مسألة ضرورية لجهة المستقبل لا لجهة الماضي، والفارق بينهما كبير، في الحالة الأولى تُمثل مفاهيم الثورة (العدالة، الحرية، المساواة، دولة القانون والمواطنة، الديمقراطية… إلخ) دافعاً فعالاً للمضيّ نحو بناء نظام سياسي يجسد هذه المفاهيم على أرض الواقع. وفي الحالة الثانية، تنهار هذه المفاهيم بمجرّد سقوط النظام السابق، فلا تعد ضرورة تاريخية، ولا تستحق القتال من أجلها.
بعبارة أخرى، تتغير المفاهيم نفسها من حقبة إلى أخرى، ولنا في مثال الحرية ما يوضح هذا التغير في المفاهيم، فالحرية لدى الثوار لم تكن تُختزل فحسب بالتحرّر من نظام الأسد، بل أيضاً كانت تُعبر عن الرغبة في عيش الحرية السياسية بعد عقود من الصمت السياسي. لكن هذه الحرية اختزلت اليوم في التحرر من النظام السابق وفي التعبير الحر فقط، من دون أن يكون هذا التعبير مؤطراً في أحزاب ومؤسسات سياسية. ونحن هنا أمام نوع من الليبرالية الاجتماعية والمدنية، وهي ليبرالية لا قيمة سياسية لها في غياب مناخ سياسي متحرّك، حيث تستحيل الليبرالية إلى مجرد صراخ ونفي للآخر، لا ليبرالية التعبير السياسي الحر.
مضى 22 شهراً على سقوط نظام الأسد، ولا يزال الرئيس أحمد الشرع العنوان الأوحد الذي تلتقي فيه السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون والعسكرة… إلخ، لقد اختزلت سورية اليوم بالشرع وحده، كما كان الأمر في عهد الأسدين، مع الفارق الكبير بينهم، لكن هذا الفارق، على أهميته، لا يؤسّس للدولة الحديثة، وسورية اليوم غير قادرة على تحمّل فكرة الحاكم الحكيم المستجمع للكمالات في ذاته.