يعوّل لبنان على اللقاء المُزمع عقده اليوم الإثنين بين رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في واشنطن، ونتائج لقائه يوم الخميس الماضي مع الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان الذي دعاه إلى ترشيح اسم سفيرٍ جديدٍ لطهران في لبنان. طُويت صفحة نيويورك من دون التوصّل إلى جواب حاسم حول مصير الجنوب بعد مغادرة “اليونيفيل”، في ظلّ تصعيد إسرائيليّ خطير مستمرّ ويتمدّد، وآخر جولاته ما قال جيش الاحتلال إنّه أتى ردّاً على “إطلاق “الحزب” ليل السبت مسيّرة مفخّخة باتّجاه قوّاته العاملة في “المنطقة الأمنيّة”.
حتّى الآن لا صدى للنداءات اللبنانيّة الرئاسيّة، ولا تتوقّع مصادر سياسيّة أن يخرج لقاء سلام وروبيو بنتيجة حول الإطار الدوليّ الذي سيحكم الوضع الجنوبيّ، بعدما أسقط الفيتو الأميركيّ والإسرائيليّ نهائيّاً التمديد لقوّات الطوارىء الدوليّة العاملة في الجنوب “اليونيفيل”، وفي مرحلة يصعب معها لجم الإسرائيليّ عن الاستمرار في ارتكاب جرائم الإبادة العمرانيّة في جنوب لبنان، وتحويل الجنوب إلى أرض محروقة، وتوسيع المنطقة المحتلّة.
يتقاطع خروج “اليونيفيل” مع واقع بالغ الخطورة يُترجَم ليس فقط من خلال تكريس إسرائيل للمنطقة العازلة المحتلّة جنوب الليطاني (منطقة عمليّات “اليونيفيل”) وجزء من شماله، بل أيضاً عبر تثبيت مساحة محروقة خارج الخطّ الأصفر يتولّى جيش الاحتلال راهناً تفجير منازلها وشوارعها، بعدما هجّر أهلها، وسحق كلّ مقوّمات الحياة فيها، من القطاع الشرقيّ إلى الأوسط والغربيّ، ما يوسّع رقعة الاحتلال الفعليّ باتّجاه صور والنبطيّة، ويخلق أمراً واقعاً شديد التعقيد والخطورة، خصوصاً أنّه يحصل تحت سقف “اتّفاق الإطار” الموقّع مع إسرائيل في 26 حزيران الماضي، ومن دون أيّ رادع أو ضوابط.
هو واقع يثير تساؤلات جدّيّة حول دور أيّ قوّة أوروبيّة محتملة قد ترث “اليونيفيل”، وصلاحيّاتها ونوعيّة مهامّها، في ظلّ توسّع المنطقة المحتلّة، والدور المرتقب للجيش اللبناني أمام واقع ميدانيّ لا سابق له في تاريخ الصراع مع إسرائيل.
من سيتسلّم الـ 50 موقعاً؟
تفيد المعطيات في هذا السياق بأنّ “اليونيفيل” دخلت مدار التحضير العملانيّ لتفكيك كلّ منشآتها ومراكزها جنوب الليطاني مع بداية العام المقبل، مع العلم أنّه منذ اليوم الأوّل لعام 2027 لا تعود هناك أيّ صفة لـ”اليونيفيل” في ممارسة مهامّها المعهودة، بل فقط إتمام مهامّ الانسحاب النهائيّ، وحتّى لن تكون بإمكانها مواكبة الجيش اللبنانيّ بأيّ دوريّة أو مُهمّة.
هنا سيُطرح السؤال الأكبر: من سيتسلّم الـ 50 موقعاً لـ”اليونيفيل”، ومعظمها يقع داخل المنطقة الأمنيّة المحتلّة؟ يُذكر أنّ هناك نحو أربعة مراكز فقط من أصل 50 بعيدة عن مناطق العمليّات العسكريّة، والبقيّة إمّا تخضع مباشرة للمنطقة الأمنيّة، أو يطالها الإسرائيليّ بالنار، ويدخل إليها ثمّ يخرج.
“اليونيفيل”: كيف يمكن تطبيق الـ1701 بغيابنا؟
في تصريحات متعدّدة في الأيّام الماضية كرّرت المتحدّثة باسم قوّات “اليونيفيل” كاندريس آرديل أنّ “اليونيفيل لا تزال تلعب دوراً مُهمّاً في التحدّث مع الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ، ورفع التقارير إلى مجلس الأمن لكي يَعرف ما يحدث في جنوب لبنان”. وأشارت إلى أنّ “دورنا الأساسيّ في هذه المرحلة التقويم والمراقبة”، مؤكّدة أنّ “هذا الأمر يُشكّل تحدّياً في الجنوب حيال القوّات الإسرائيليّة، إذ نراقب ما تقوم به إسرائيل من هدم أحياء، وهناك العديد من المشاكل التي تعرِّض حياة قوّاتنا للخطر، ومع ذلك نحن ما زلنا قادرين على ممارسة مهامّنا”.
تقول أرديل إنّ “بقاء القوّات الإسرائيليّة في جنوب لبنان، وهدم الأحياء والقرى والقصف المستمرّ، كلّ ذلك يمثّل انتهاكاً للقرار 1701”. السؤال الكبير، تضيف أرديل، “كيف يمكن تطبيق القرار 1701، برحيل “اليونيفيل”. هذه هي النقاشات الدائرة اليوم”.
قبل أيّام أكّدت القناة 12 الإسرائيليّة أنّ “الجيش الإسرائيليّ سيدخل في الأيّام المقبلة مرحلة قتاليّة جديدة في جنوب لبنان، عقب استكمال عمليّات التمشيط في مرتفع “عليّ الطاهر” وتدمير البنية التحتيّة لـ”الحزب” في المنطقة”، مشيرة إلى أنّ “هذه الأنشطة العمليّاتيّة للجيش الإسرائيليّ تتيح البدء بتقليص حجم القوّات، وإعادة تنظيمها على طول “الخطّ الأصفر”، مع إنشاء شبكة جديدة من المواقع العسكريّة المُصمّمة لتعزيز حماية سكّان الشمال”، فيما رأى الوزير الإسرائيليّ بتسلئيل سموتريتش “ضرورة ضمّ جنوب لبنان والأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في غزّة”.
لم يعد من أدنى شكّ في أنّ النشاط العسكريّ التوسّعيّ لقوّات الاحتلال الإسرائيليّ مستمرّ، وبأوجه مختلفة، لا سيما أنّ القصف المكثّف للمناطق المحيطة بمرتفعات عليّ الطاهر منذ سقوطها يشي بوجود نيّات توسّعيّة، وهو مسار لم تنجح المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في لجمه، ولا الاتّصالات الدبلوماسيّة مع أصحاب الشأن.
ما باتت تعرفه السلطة في لبنان ثلاثة معطيات أساسيّة، وذلك من خلال القنوات الدبلوماسيّة والأمنيّة الأجنبيّة:
1 ـ “اليونيفيل” بصيغتها الراهنة سقطت بالكامل، وإسرائيل تضغط بكلّ قوّتها لعدم خلق كيان أمميّ رديف، خصوصاً تحت مظلّة الأمم المتّحدة، مهما كانت صلاحيّاته.
2 ـ برز بوضوح تخوّف غربيّ وعربيّ وخليجيّ من استفراد إسرائيل، واستطراداً حليفتها واشنطن، بالساحة الجنوبيّة. ولذلك يضغط هؤلاء باتّجاه صدور قرار دوليّ، أو توافق دوليّ، ولو تضمّن ما يُفهم منه تكريس وجود قوّات دوليّة من مهامّها المساعدة في نزع السلاح، لكن مع تأمين ضمانات جدّيّة بعدم تعريض جنود هؤلاء الدول للخطر من جانب “الحزب” وإسرائيل في آن معاً. مع ذلك هناك تحفّظ عربيّ، خصوصاً من جانب مصر والأردن، عن المشاركة في قوّة دوليّة لها طابع أمنيّ وعسكريّ.
3 ـ تضغط واشنطن لتنسيق أمنيّ مباشر لبنانيّ-إسرائيليّ يمهّد لمرحلة يكون فيها الجنوب تحت سقف ثلاثيّة حصريّة بيروت-واشنطن-تل أبيب، ما يُسهّل أكثر هذا التنسيق الثنائيّ. لكنّ موقف الجيش اللبنانيّ حتّى الآن هو الرفض المطلق لهذا المسار. في السياق نفسه، تؤكّد معلومات “أساس” أنّ هناك تقاطع مصالح لبنانيّاً-إسرائيليّاً لعدم عقد جولة تفاوض الشهر المقبل، إلّا إذا ارتأى الجانب الأميركيّ خلاف ذلك، فلبنان بحكم المتأكّد أنّ إسرائيل لن تُقدِم على أيّ خطوة باتّجاه استكمال المناطق التجريبيّة أو بتّ آليّة التحقّق.
