ملخص
تختار المرأة أحياناً أن تدخل مجال الحراسة الشخصية لتكون مدافعة عن الرجل، وإن لم يكن هذا من المشاهد المألوفة. وتختار بذلك مجالاً كثيراً ما كان حكراً على الرجل، على رغم كل التحديات في مجتمع ذكوري.
للمرأة صورة محفورة في الأذهان تظهر فيها رمزاً للأنوثة، وهذا لا يرتبط بالشكل الخارجي فحسب، إنما أيضاً بالسلوكيات والشخصية والطباع، فكلها عوامل تؤدي دوراً في تحديد مستويات الأنوثة لديها، لكن ماذا لو تغيرت هذه الصورة وأصبحت المرأة رمزاً للقوة؟ وماذا لو تحولت إلى مصدر الحماية والأمان للرجل؟
ثمة نساء اخترن أن يكسرن الصورة النمطية التي تضع الرجل في خانة معينة وتجعله حامي المرأة والمدافع عنها، فإذا بهن يخترن طريقاً مختلفاً عن ذاك الذي يرسمه المجتمع لهن. ذاك هو الطريق الذي تسلكه المرأة التي تختار مجال الحراسة الشخصية والأمن ليكون لها دور في المجتمع، ليس بتقليدي.
ويعتبر هذا الطريق شائكاً في مجتمع لا يزال الطابع الذكوري يغلب فيه، وتكثر التحديات التي يمكن أن تواجهها المرأة. إلا أن ثمة قصص نجاح، تؤكد أن هذه التحديات تزيد المرأة عزماً وقوة، وتعزز ثقتها بنفسها، فيما تثبت للكل قدراتها.
في حماية الرجل
ليس مشهداً مـألوفاً أن توجد المرأة في مجال كثيراً ما كان حكراً على الرجل، لكن ما قد يبدو مستغرباً أكثر، هو أن تسلك طريقاً تتخذ فيه دور الحامية للرجل والمدافعة عنه بما تتحلى به من قوة بدنية. فإذا كانت صورة المرأة المحفورة في الأذهان تتسم بالأنوثة والنعومة، إلى جانب المظهر الخارجي الجميل الذي تتمتع به، ليس مألوفاً أن تنقلب الأدوار وتتولى المرأة حماية الرجل والدفاع عنه في مواجهة أي خطر أو اعتداء، كما يحصل حين تدخل مجال الحراسة الشخصية. فبذلك، تبدو وكأنها تتخلى عن ثوب الأنوثة وعن صورتها المعتادة، فما الذي قد يقف وراء اختيار مماثل؟
تبدو قصة أول حارسة شخصية معتمدة، ومدربة أمن وحماية في لبنان والعالم العربي، سهام القصير، خير مثال على القدرات التي قد تتمتع بها المرأة، فتجمع بين القوة والأنوثة في آن، فيظهر أن ثمة ما قد يقود المرأة إلى طريق تختار فيه دوراً تدافع فيه عن الرجل.
منذ طفولتها لاحظت قصير أنها تتمتع بقوة بدنية تفوق شقيقاتها وأنها قادرة على حمل الأغراض الثقيلة. هذا إلى أن بلغت مرحلة استطاعت فيها أن تسحب طائرة وزنها ستة أطنان ثم صهريج ماء وزنه سبعة أطنان وسيارات. شيئاً فشيئاً استطاعت أن تكسر الصورة النمطية للمرأة في المجتمع، وكانت حريصة على ارتداء فستان أثناء سحب الطائرة، لتؤكد أن المرأة يمكن أن تكون مفعمة بالأنوثة، وقوية في الوقت ذاته.
في مرحلة لاحقة، وبعد التخصص في التربية البدنية، بدأت سهام قصير تتلقى تدريبات للحماية الشخصية في الولايات المتحدة وبريطانيا التي لم تكن متوافرة لبنان، إذ اكتشفت أنها تعشق حماية الآخرين والدفاع عنهم، وأن ما من امرأة أقدمت على هذه الخطوة من قبل، تقول “بعد التدريبات التي تلقيتها في الخارج، عدت إلى لبنان لأكون الأولى في هذا المجال وأحدث تغييراً في نظرة المجتمع إلى المرأة ولرفع مستوى نظام الأمن في لبنان، وأسست أكاديمية للتدريب على الحراسة الشخصية مع شهادات يحصل عليها المتدربون من الولايات المتحدة وبريطانيا ولبنان. أما المنضمون فهم من الرجال والنساء، كذلك أدرب عناصر جهازي أمن الدولة والأمن العام”.
قد تحاول المرأة في المجتمع الشرقي، جاهدة أن تثبت قدراتها وأنها لا تقل عن الرجل، لكن تبقى النظرة إليها مرتبطة بالصورة النمطية السائدة.
واجهت القصير صعوبات في مسيرتها، كونها أول امرأة في هذا المجال، ولم يكن سهلاً أن يتقبل عشرات الرجال أن توجد امرأة بينهم في مهمة لحماية شخصية ما.
ولم تخل مسيرتها هذه من بعض التنمر والاستخفاف بقدراتها، لكنها استطاعت أن تثبت جدارتها، خصوصاً أنها تحمل شهادات عدة في هذا المجال من الخارج وتلقت التدريبات اللازمة.
وتوضح قصير أنها باتت تطلب باسمها في مهام معينة اليوم، وأضحت النظرة إليها أفضل. وفي كل الحالات، حتى عندما يبدو البعض رافضاً لها، تؤكد أنها لا تكترث لهذه الآراء وهي لا تعني لها شيئاً، ولاحظت أن الرجال لا يعتبرون أن المرأة القوية تفتقد الأنوثة بل على العكس هي تجذبهم أكثر بعد.
رسالة مهمة تنقلها القصير إلى كل امرأة من خلال تجربتها وقصة نجاحها، فتؤكد أن “المرأة القوية لا تفتقد الأنوثة، بل يمكن أن تثبت قدراتها وتفصل بين عملها وحياتها الشخصية”. وعلى حد قولها “يمكن للمرأة أن تعمل في مجال الحماية الشخصية وتخرج في المساء بفستان وتكون أكثر النساء جاذبية بكل ما تتمتع به من أنوثة، لأنهما ميزتان لا تناقض بينهما”، وبالنسبة إليها بصورة عامة “من المهم أن تكون المرأة قادرة على الدفاع عن نفسها بالدرجة الأولى، وإذا كانت تحب ذلك يمكنها أن تدافع عن الآخرين أيضاً”.
تجربة ناجحة ثانية
اختارت لمى نصار الطريق ذاته ودخلت مجال الحراسة الشخصية، فغاصت في هذا المجال بشغف يبدو واضحاً في حديثها. هي أول حارسة شخصية لسفير في لبنان، وأول حارسة شخصية في السفارة التي تعمل فيها. لا تنكر نصار أن التحديات كانت كثيرة في المراحل الأولى، وواجهت صعوبات مع بعض الأشخاص الذين لم يتقبلوا فكرة أن تعمل امرأة معهم في هذا المجال، لكن الأمور سارت نحو الأفضل لاحقاً واستطاعت أن تثبت نفسها وقدراتها وتؤكد أن المرأة يمكن أن تجمع بين القوة والأنوثة، من دون أن ينتقص ذلك من أنوثتها أبداً، وتقول “ليس شرطاً أساساً أن تكون المرأة التي تدخل هذا المجال رياضية منذ بداياتها”، لكنها هي كانت كذلك، إذ إنها تمارس الرياضات القتالية منذ الطفولة وقد ربحت مرات عدة بطولات في لبنان وعلى مستوى العالم، وقد شاركت مرات عدة في بطولات الرماية. وتضيف أنه “من الطبيعي تكون المرأة التي تختار العمل في هذا المجال في جاهزية بدنية تامة، وتتلقى التدريبات اللازمة لحمل السلاح والتدخل وفق الحاجة وتوفير الحماية، لكن المنافسة مع الرجل أو المقارنة معه ليست مطلوبة وهي لا تحصل. يكفي أن تكون الحارسة الشخصية جاهزة بدنياً ورياضياً، خصوصاً أن دورها هو الحيلولة دون بلوغ مرحلة الاشتباك مع أحد، أو حصول خلاف أو مشكلة وليس انتظار حصولها. حتى إن هذا العمل لا يلزم المرأة بالمبالغة في ممارسة الرياضة، لكن، لا أنكر أن التدريبات التي تلقيتها، لو تلقاها رجل لكان من الممكن أن يكون أقوى بكثير نظراً إلى الاختلاف بين جسم الرجل وجسم المرأة. وهذا ما أكده لي من كان يعدني للحراسة الشخصية في السفارات بالقول إن المرأة والرجل ليسا متماثلين لجهة القدرات، لكن المرأة يمكن أن تعطى هذه الفرصة وتصل إلى مراتب متقدمة في هذا المجال كونها قادرة على ذلك”.
الثقة بالمرأة مطلوبة
صحيح أن النساء اللاتي في هذا المجال لسن كثيرات، ويعلم الكل أن التحدي بالنسبة إلى المرأة لا يقتصر على وصولها إلى هذا المكان، إنما أيضاً على كسب ثقة الرجل ليتقبل فكرة أن تدافع عنه امرأة.
لا تنكر لمى أن من يعملن كحارسات شخصيات قليلات جداً، وقد لا تطلب الحارسة الشخصية في كل الأماكن ولجميع الشخصيات، لكنها مطلوبة في حالات معينة، كما في حال الرغبة بوجود نساء في مهام تتطلب مزيداً من التكتم في الحماية التي تؤمن للشخصية. وفي حالات معينة يكون هناك دمج بين الرجال والنساء في الحراسة الشخصية وفي مرافقة الشخصية وحمايتها، لكن بالنسبة إليها الرجل والمرأة يكملان بعضهما في مجال الحماية الشخصية، ولا يحل أحدهما محل الآخر، فالشاب يمارس دوره في مهام معينة وللمرأة دورها في أخرى. لذلك، في الفترة الأخيرة، بدا واضحاً لها أن ثمة قبولاً لفكرة وجود المرأة في مجال الحراسة الشخصية وقيامها بدور حماية الشخصيات إلى جانب الرجل.
فبعد الصعوبات في البداية، عندما كانت لمى وحدها في هذا المجال، استطاعت أن تثبت قدراتها، ومع تزايد أعداد الحارسات الشخصيات اللاتي تلقين التدريبات ويعملن في هذا المجال، زادت الثقة بالمرأة وبقدرتها على القيام بهذا الدور. “لم تحصل مرة أن عبرت شخصية عن انزعاج من وجودي في مهمة، على العكس لقيت تشجيعاً في كثير من الأحيان وتقبلاً لهذه الفكرة، كذلك لم أواجه مرة رفضاً لقيامي بهذا الدور، لكن ما واجهته من تحديات كان عندما بدأت في مجال الحماية الشخصية في السفارات، كوني الفتاة الأولى التي تقوم بهذا الدور، فكان هناك رفض من قبل بعض الأشخاص في فريق العمل في البداية قبل أن يتقبلوا الفكرة بصورة طبيعية. وفي سفارات معينة حيث أكون المرأة الوحيدة الموجودة بين عشرات الرجال، وجد البعض صعوبة في تقبل فكرة وجودي بينهم، في المقابل، أظهر آخرون ثقة وفخراً بما أقوم به”.
المرأة القوية في مجتمع ذكوري
في الفترة الأخيرة، من الممكن أن تكون أعداد النساء العاملات في مجال الحراسة الشخصية قد زادت إلى حد ما، إلا أنها تبقى قليلة بالمقارنة مع أعداد الرجال الذين هم في هذا المجال، لذلك، على رغم التقدم الذي حققته نساء عملن فيه، وعلى رغم أنهن تمكن من كسر الصورة النمطية، يبقى مشهد المرأة في هذا المجال غير مألوف حتى اليوم، ولن يكون سهلاً إحداث تغيير جذري في مجتمع ذكوري.
وبحسب الاختصاصية في المعالجة النفسية ريما بجاني، كثيراً ما اعتبرت المرأة أقل قدرة من الرجل ذهنياً وجسدياً. واعتبرت أكثر ميلاً إلى العاطفة وأقل قدرة على اتخاذ القرارات بموضوعية، حتى إن ارتفاع معدلات التيستوستيرون ارتبط في الأذهان بزيادة مستويات القوة لدى الرجل، وأضافت “في الواقع، للمرأة قدرات جسدية يمكن أن تنافس فيها الرجل إذا سعت إلى بلوغ مستويات معينة من القوة الجسدية، وكثيرات استطعن أن يحققن ذلك، بغض النظر عن الاختلافات بين الرجل والمرأة بيولوجياً. وما يجب توضيحه هو أن لدى الرجل جانباً أنثوياً كذلك فإنه ثمة جانب ذكوري لدى المرأة، لكن هذا الجانب لا يكون ظاهراً. لذلك، يحافظ الرجل على رجولته وعلى الجانب الذكوري لديه، فيما تحافظ المرأة على أنوثتها وعلى هويتها، لكن أحياناً ثمة ما يدفع المرأة إلى خوض هذا التحدي، وإثبات أنها تتمتع بهذه القدرة على القيام بأي مهنة، وأن تقوم بأي دور ولو كان حكراً على الرجل، فلا ترغب بأن تبقى مهمشة”.
أحياناً من الممكن أن يؤدي المحيط أو البيئة دوراً في دفع المرأة في هذا الاتجاه بسبب ظروف تعيشها في تربيتها ونموها، فقد يكون السبب مثلاً في غياب الأب، وفي إرغام الفتاة على أداء هذا الدور وتحمل مسؤولية العائلة، أو يمكن أن تكون قد ترعرعت في عائلة تعرضت فيها للتحرش الجنسي أو لأي نوع من الاستغلال أو التعنيف، أو يمكن أن تكون أمها قد تعرضت لذلك، مما يقودها في هذا الاتجاه، لكن بحسب بجاني “هذا لا يعني أبداً أن كل امرأة تختار اتجاهاً مماثلاً وتقرر خوض تجربة حراسة الأمن أو الحراسة الشخصية، قد مرت حكماً بهذه الظروف لأنه من الممكن ألا يرتبط اختيارها بأي من العوامل، وأن يكون الأمر مجرد رغبة لديها في خوض هذه التجربة، قد ترغب بأن تثبت نفسها وقوتها بشكل من الأشكال لتعزز ثقتها بنفسها، خصوصاً أنها تعتبر ذلك بمثابة تحد بالنسبة إليها”، وأضافت “كذلك يمكن أن تكون قد أخذت على عاتقها أن تؤدي دور الحماية والدفاع، وإن لم يكن ضرورياً عندها أن تقوم بمهمة الحراسة الشخصية، بل يمكن أن تقوم بمهام عدة تقوم فيها بهذا الدور. بكل بساطة، أيضاً ثمة فتيات يحببن بكل بساطة أن يؤدين هذا الدور وأن يقمن بحماية الآخرين، سواء كانوا رجالاً أو نساء. تقرر عندها الفتاة أن تؤدي دور الحارسة الشخصية لأنها تتمتع بهذه الطاقة، وهي تحب أن تستفيد من القوة التي تتمتع بها وتبرزها مما يعزز ثقتها بنفسها. وتجد نفسها في هذه المهنة تماماً كما يمكن أن تجد أي امرأة نفسها في مهنة أخرى مثل الطب أو الهندسة أو المحاماة أو التعليم. وكونها موجودة في مجتمع يبدو فيه هذا العمل مستغرباً لفتاة، زودها هذا بالقوة والعزم وزادها رغبة بأن تكون في هذا المكان. علماً أن الحماية لا ترتبط حصراً بالقدرات الجسدية، وإن كانت في غاية الأهمية، إنما أيضاً بتلك الذهنية والتخطيط وطريقة الدفاع والاندفاع والميل إلى الدفاع عن الآخر وتخصيص الوقت اللازم للتدريبات ولهذه المهنة، وهي من المزايا التي يمكن أن تتمتع بها المرأة”.
لكن بحسب بجاني “من المهم أن تحافظ المرأة على أنوثتها على رغم القوة التي تتمتع بها، وهنا تكمن نقطة قوتها. ويجب التمييز بين نوعين من الرجال في المجتمع، في النظرة إلى المرأة التي تتحلى بالقوة وتعمل في مجال مماثل. فيعتبر قسم من الرجال أن المرأة تتمتع بقدرات تماماً كالرجل، لكن في المقابل يرفض قسم آخر هذه الفكرة ولا يحبذها ويعتبر المرأة أقل قدرة من الرجل وقد يقف في وجهها لعدم ثقته بقدراتها، مهما أثبتت من جدارة”.
