بتفاوضه مع سلطنة عُمان على صيغة لفتح مضيق هرمز، كسب “حرس الثورة” الإيرانية وقتاً لتأجيل هجمات أميركية جديدة. استبقت القيادة الإيرانية طلبها من دول عربية عدة التوسط مع واشنطن للعودة إلى التفاوض، بتهيئة أذرعها لتحل مكان ورقة “هرمز” الضاغطة على واشنطن والمجتمع الدولي ودول الجوار. تحريك الحوثيين، وميليشيات عراقية وتصعيد “الحزب” حملته على السلطة اللبنانية يأتي بهذا السياق. التسريبات عن توجيه رسائل من بعض التشكيلات العسكرية في بلاد الرافدين، إلى دمشق، بألا تتدخل في لبنان، والأنباء عن استنفار سوري على الحدود مع العراق لها دلالاتها.
أعطى المرشد مجتبى خامنئي تعليماته إلى الأذرع بالتحرّك على وسائل الإعلام، أثناء سير العمليات العسكرية الأميركية ضد بلاده. بات واضحاً أنّ العقل الإيراني الجهنمي يعتمد أسلوب المناوبة بين أوراقها، بهدف تأخير أي تنازلات مطلوبة منها وفق مذكرة التفاهم التي وقعتها مع واشنطن في 26 حزيران الماضي.
المضيق والأذرع بالتناوب
حين يشتدّ الضغط العسكري والحصار البحري عليها بفعل تحكمها بـ”هرمز” تلجأ طهران لليونة في التفاوض، لكنها تستخدم ورقتها الأخرى، أي الأذرع لإشغال القوات الأميركية من جهة ولتكريس تفوّقها على جيرانها في إدارة أمن الخليج وسوق الطاقة من جهة ثانية.
منذ انطلقت الحملة العسكرية الأميركية القاسية ضدّ تعطيلها الملاحة في المضيق في 7 تموز الماضي، عبر قصفها سفن سعودية وقطرية وقبرصية، أخذت طهران تهيئ للبديل. في 20 تموز وجّه المرشد مجتبى خامنئي رسالة قال فيها: “الشعب الإيراني العزيز وجبهة المقاومة يمتلكان للعدو الأميركي دروسا لا تُنسى”… وفي 27 تموز وجه رسالة إلى “الحزب” قال فيها: “لم يبق أمام الأحرار سبيل سوى الجهاد والمقاومة، والثبات على هذا الطريق كفيل بأن يورث المجاهدين في سبيل الحق النصر الإلهي الموعود”.
طبيعي أن يقلق الجانب الإيراني من تكرار دونالد ترامب التلويح بتولي سوريا الجديدة سحب سلاح “الحزب”
الحذر باختبار نيات “الحرس”
استناداً إلى تجارب دول المنطقة مع خطط “الحرس” في العقود الماضية، أدركت المملكة العربية السعودية أنّ أسلوب طهران بتعطيل مسارات التفاوض، وانتزاع اعتراف دولي بهيمنتها على الملاحة البحرية بحكم الأمر الواقع، يتطلب رداً عسكرياً. قصفت الرياض مواقع الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية الموالية لطهران، والتي استهدفت منشآتها النفطية. لم يمنع الردع السعودي السريع طلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يستجيب لرغبة طهران بالتفاوض، وتعليق الضربات العسكرية الجديدة. فتوفير المزيد من الدمار يستحق اختبار النيات الإيرانية.
لكن القيادة الإيرانية، سواء في “الحرس” أم في المؤسسات السياسية، أهدرت على خصومها مهل التفاوض التي نصّت عليها “مذكرة التفاهم”. مرّ 48 يوماً من مهلة الستين يوماً للتفاوض على الاتفاق النهائي الذي يشمل الملف النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية والأذرع… هي المهلة “القابلة للتمديد”، والتي قال المعنيون إنّ المفاوض الإيراني سيجد أساليب للمماطلة من أجل تمديدها وصولاً إلى الانتخابات النصفية الأميركية مطلع تشرين الثاني المقبل، أي بعد قرابة 90 يوماً.
عين “الحرس” على دمشق
لا يعني تفضيل التفاوض لفتح مضيق هرمز، أنّ دول المنطقة ستركن إلى استعداد طهران لبعض الليونة، وإلى التقلبات الأميركية في التعاطي مع بلاد الفرس. بموازاة ذلك كان لافتاً العودة إلى التنسيق البحري الرباعي السعودي- المصري- التركي- الباكستاني في التعاطي مع التحولات الإقليمية المنتظرة.
انتقال “الحرس” إلى تنشيط الأذرع لا يلغي مواطن الضعف الذي أصابها جراء الحروب المتناسلة. تسابق طهران الزمن للحفاظ على أهلية ميليشيات العراق و”الحزب” في لبنان وعلى قدرتها في تعطيل عودة الدولة للإمساك بقرار البلدين. تقاوم طهران قرارات بغداد وبيروت بـ”حصر السلاح” بشتى الوسائل.
وتلجأ طهران إلى الالتفاف على خسارتها سوريا كمعبر لها إلى لبنان حيث جبهة الصدام مع أميركا وإسرائيل، بمواصلة تهريب الأسلحة لمصلحة “الحزب” عبر الأراضي السورية، ومن العراق، إلى البقاع اللبناني.
تهديد لسوريا من بلاد الرافدين؟
طبيعي أن يقلق الجانب الإيراني من تكرار دونالد ترامب التلويح بتولي سوريا الجديدة سحب سلاح “الحزب”. وثمة معطيات حسب قول أوساط سورية فاعلة لـ”أساس”، بأنّ ما أشيع عن انتشار القوات السورية بكثافة على الحدود مع العراق، جاء رداً على تهديدات مفترضة من ميليشيات موالية لإيران باستهداف الأراضي السورية في حال دخل الجيش السوري لبنان لمواجهة “الحزب”. في بيروت يروج قياديون في “الحزب” منذ مدة، بأنّ حلفاءهم وحلفاء إيران في الحكومة العراقية وجّهوا هذه التهديدات لدمشق.
بالمقابل كان ملفتاً قول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بعد اجتماعه بنظيره التركي حقان فيدان أمس في أنقرة، إنّ “سوريا تعمل على استعادة الدولة لإدارتها الحصرية لكل المعابر الحدودية وحصر السلاح بيد الدولة”، مشدداً على أنّ “سوريا الموحدة والخالية من الإرهاب هي الجدار الأمثل للحدود”…كما أكد “العمل الجاد على إنهاء وجود أي سلاح خارج سلطة ومؤسسات الدولة الرسمية”. اعتبر الوزير السوري أنّ حصر السلاح في العراق ولبنان (مضت سنة على اتخاذ قرار الحكومة) مفيد لاستقرار المنطقة.
لا يكتفي “الحرس” بمقاومة سحب سلاح أذرعه في لبنان والعراق بكل الوسائل، بل يمسك بقرار التفاوض بهذا الشأن بيده. في حالة لبنان يبدو خيالياً إجباره “الحزب” على التمسك بالتحاق البلد بـ”مذكرة التفاهم” الإيرانية مع أميركا. بينما بلغ مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية الجولة السابعة، يبقى الهدف الإيراني إبقاء جهوزية “الحزب” وسلاحه في حال احتاج إلى استخدامه مجدداً في حال تجددت الحرب الأميركية على إيران، مهما كانت التضحيات التي تقع على كاهل اللبنانيين.
قاسم يستبق أم طهران تناور؟
أين يقع إعلان الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم الثلاثاء الماضي المستجد عن “ضرورة العلاقة الأخوية والإيجابية والتعاونية بين دولتي لبنان وسوريا… ولا يوجد أي مانع من اللقاء العلني بين حزب الله والقيادة السورية في الوقت الذي يكون مناسباً بتقدير الطرفين”؟
تتحدث أوساط سورية مراقبة عن احتمالين:
– أن يكون جاء استعداد “الحزب” هذا بناء للمعطيات عن وساطة تركية بينه وبين دمشق لفتح صفحة جديدة.
– أن يكون “الحرس” نصح “الحزب” بالمناورة لتأخير احتمال استجابة القيادة الجديدة في سوريا للدعوات الأميركية إلى إدخال قواتها منطقة البقاع الشمالي، في إطار قرار عربي دولي، تشترط دمشق أن يشمل مشاركة قوات عربية في الخطوة.
