القاهرة- تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث لم يعد التصعيد مع الحوثيين شأناً يمنياً أو سعودياً منفرداً، بل تحول إلى جزء من أزمة أوسع تضغط على أمن الملاحة والطاقة في المنطقة. ومع تزامن التهديد المتزايد في البحر الأحمر مع أزمة مضيق هرمز، تكتسب المحادثات السعودية المصرية بعداً يتجاوز ملفات العلاقات الثنائية، ليتصل مباشرة بأمن الممرات البحرية ومصالح الطاقة والتجارة، وخاصة سيطرة الحوثيين على باب المندب.
وتجد الرياض نفسها أمام معادلة أمنية معقدة. فمن جهة، يواصل الحوثيون توسيع نطاق التهديد انطلاقاً من اليمن، بما يضع البحر الأحمر وباب المندب في دائرة المخاطر. ومن جهة أخرى، تفرض أزمة هرمز ضغوطاً على حركة الطاقة القادمة من الخليج، بما يجعل السعودية أمام احتمال تعرض طرقها البحرية الرئيسية لضغوط متزامنة من جهتين.
في هذه الظروف، تصبح القاهرة شريكاً طبيعياً في أي نقاش سعودي حول أمن البحر الأحمر. فمصر، بحكم سيطرتها على قناة السويس وامتلاكها موقعاً استراتيجياً عند المدخل الشمالي للبحر الأحمر، تتأثر مباشرة بأي اضطراب طويل في باب المندب. وكلما طال أمد تهديد الملاحة في جنوب البحر الأحمر، زادت احتمالات تراجع حركة السفن العابرة لقناة السويس، وارتفعت كلفة النقل والطاقة والتأمين، بما ينعكس على الاقتصاد المصري.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الرياض تبحث عن دور عسكري مصري مباشر في مواجهة الحوثيين، وإن كان الأمر غير مستبعد في ساق خيارات تسويع التحالف العربي. لكن الأرجح أن المصلحة السعودية تتمثل في توسيع دائرة التنسيق العربي حول تداعيات التصعيد، خصوصاً أن استمرار الضغط على باب المندب يمكن أن يحول البحر الأحمر إلى جبهة إضافية في حرب إقليمية تتعدد ساحاتها.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر عند وضعها في سياق أزمة هرمز. فالممر الواقع بين إيران وسلطنة عمان يمثل شرياناً أساسياً لتجارة الطاقة، بينما يمثل باب المندب بوابة رئيسية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وإذا تعرض الممران للاضطراب في الوقت نفسه، فإن المنطقة لن تكون أمام أزمتين منفصلتين، وإنما أمام خلل واسع في منظومة النقل البحري والطاقة.
وهنا تلتقي المصالح السعودية والمصرية بصورة مباشرة. فالرياض تحتاج إلى بيئة بحرية أكثر أمناً للحفاظ على قدرتها على تصدير النفط واستيراد السلع والمعدات، بينما تحتاج القاهرة إلى حماية قناة السويس من تداعيات أي تحول طويل في مسارات التجارة العالمية. وفي الحالتين، يصبح احتواء الخطر الحوثي جزءاً من معادلة اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود اليمن.
وقد يدفع هذا الواقع القاهرة إلى لعب دور سياسي أكبر في الأزمة، مستفيدة من علاقاتها العربية وموقعها الجغرافي وخبرتها في ملفات المنطقة، من دون أن يعني ذلك الانخراط في مواجهة مفتوحة. فالمصلحة المصرية تبدو أقرب إلى منع اتساع رقعة الحرب، والحفاظ على حرية الملاحة، وتجنب تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع مستدامة.
أما بالنسبة إلى الرياض، فإن القضية لا تتعلق فقط بحماية الحدود أو المنشآت النفطية. فالتطورات في باب المندب تفرض سؤالاً أوسع حول مستقبل أمن صادراتها. وإذا أصبحت الطرق البحرية عرضة للتهديد في الغرب، في الوقت الذي تتعرض فيه طرق الخليج لضغوط في الشرق، فإن الخيارات البديلة لن تكون سهلة أو مضمونة بالكامل.
وتكشف هذه المعادلة أيضاً حدود الحلول اللوجستية التي تقوم على تغيير مسارات تصدير النفط والتجارة. فالانتقال إلى طرق برية أو خطوط أنابيب بديلة قد يقلل بعض المخاطر، لكنه لا يلغي البيئة الأمنية المضطربة التي يمكن أن تنتقل إليها التهديدات. ولذلك تبدو المعالجة السياسية والأمنية للأزمة أكثر إلحاحاً من مجرد البحث عن طرق بديلة للملاحة والطاقة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة باعتبارها جزءاً من محاولة سعودية لإعادة ترتيب شبكة العلاقات والتحالفات في مواجهة اتساع الحرب. فالقاهرة ليست طرفاً في الصراع مع الحوثيين، لكنها دولة يصعب فصل أمنها الاقتصادي والاستراتيجي عن أمن البحر الأحمر.
ويبقى السؤال هو ما إذا كانت مصر تستطيع أن تتحول من دولة تتلقى كلفة اضطراب الملاحة إلى طرف فاعل في صياغة ترتيبات إقليمية لأمن البحر الأحمر. فكلما اقتربت المخاطر من قناة السويس، أصبحت القاهرة معنية أكثر بالبحث عن مخرج سياسي وأمني يمنع تثبيت معادلة جديدة تجعل الممرات البحرية رهينة للصراعات الإقليمية.
وبذلك لا تبدو زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة مجرد محطة في العلاقات الثنائية، وإنما لقاءً يجري في ظل إعادة رسم خريطة المخاطر حول السعودية ومصر معاً. فبين هرمز وباب المندب، تتقاطع حسابات الأمن والطاقة والتجارة، ويصبح احتواء الحوثيين جزءاً من معركة أوسع لمنع تحول البحر الأحمر إلى الحلقة الجديدة في الحرب الإقليمية.