ملخص
قبل 100 عام، فتحت مكة لدبلوماسيتها أبوابها، حين وقّع مؤسس السعودية الحديثة الملك عبدالعزيز عام 1926 مع إمام عسير الحسن الإدريسي أول معاهدة دفاعية بالمفهوم الحديث في تاريخ الدولة السعودية الفتية، كان الهدف ضمّ إقليم متنازع عليه دون الانزلاق لحرب مفتوحة.
لمكة المكرمة، أقدس البقاع لدى المسلمين، قصة مع الدبلوماسية التي تخصها وحدها على مدى العصور.
على أستارها علقت المواثيق والأشعار والعقود، ومن حولها عقد أشهر صلح ورد ذكره في القرآن، قبل أكثر من 1449 عاماً، وهو صلح الحديبية، أبرز المحطات بتاريخ المسلمين، الذي أنهى قتالاً ومهد لدخولها بسلام.
لطالما كانت مكة مركزاً دينياً للعرب قبل بعثة النبي وبعدها.
وحين جاء الإسلام بحرمة القتال فيها، أكسبها رفعة ومكانة، وجعلها مأوى للصلح والتحكيم والأمان.
بالأمس، أوى أقطاب ثلاث دول مسلمة إلى ركن شديد من أركانها، ثم ما إن فرغوا من صلاتهم حتى تعاهدوا في ما بينهم، بشراكة دفاعية غير مسبوقة.
والثلاثة من ورائهم أكثر من 370 مليون نسمة، هم ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف.
يمكننا القول إن ثمة قانوناً غير مكتوب يحكم تاريخ مكة المكرمة السياسي، ذلك التاريخ الذي لا يظهر إلا حين تصدر الرايات حمراً وترد أكثر احمراراً.
حين تبلغ الدول من حولها ذروة اقتتالها، يتيقظ الأشداء لرسم مسار جديد. مسار لا عدو معلناً فيه، لكنه وقائي ورادع لكل المعتدين.
فالمدينة المكرمة، التي تضم البيت الحرام، تعود إلى الواجهة حين تبلغ اللحظات الأقليمية أقسى مراحل توترها.
قبل 100 عام… أولى معاهدات السعودية الجديدة
قبل 100 عام، فتحت مكة لدبلوماسيتها أبوابها، حين وقّع مؤسس السعودية الحديثة الملك عبدالعزيز عام 1926 مع إمام عسير الحسن الإدريسي أول معاهدة دفاعية بالمفهوم الحديث في تاريخ الدولة السعودية الفتية، كان الهدف ضمّ إقليم متنازع عليه دون الانزلاق لحرب مفتوحة.
وكانت تلك من معاهدات البلاد في عصر المؤسس، الذي استطاع في مسيرته توظيف الاتفاقات السياسية لتسوية كثير من الملفات من دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
وبذلك، برزت مكة بوصفها مكاناً للاتفاق السياسي في مملكة لا تزال تتشكل فيها حدودها من البحر إلى البحر.
1981.. مكة في مواجهة الحرب العراقية-الإيرانية
بعد ذلك، بـ55 عاماً، عادت “الدبلوماسية المكية” للواجهة، حين استضافت القمة الإسلامية الثالثة، في يناير (كانون الثاني) 1981، وفي أثنائها كانت الحرب العراقية-الإيرانية الطاحنة في شهرها الرابع، فخرج “بلاغ مكة” داعياً إلى تسوية النزاع ومحذراً من اتساع رقعته.
ففي الفترة من الـ25 إلى الـ28 من يناير 1981، استضافت مكة مؤتمر القمة الإسلامية الثالثة، الذي انعقد تحت عنوان “دورة فلسطين والقدس”، وذلك بعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية.
وأكد “بلاغ مكة” الصادر عن القمة ضرورة تعزيز التضامن الإسلامي، ودعا إلى تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وشدد على دعم استقلال الدول وحرمة أراضيها.
كان المشهد آنذاك يعكس الدور الذي ستحافظ عليه مكة في العقود التالية، مدينة دينية تستضيف اجتماعاً سياسياً عندما يصبح الخلاف الإقليمي مصدر تهديد أوسع للأمن والاستقرار.
قدر مكة حرمة القتال فيها، وفق شريعة المسلمين، وقدرها أن تطفئ لهيب اقتتال البقاع البعيدة، وتئِد الفتن قبل اندلاعها.
وتحوطاً من لهيب النار، جاءت اتفاقية الدفاع المشترك، بين دولة نووية وأخرى ضمن فريق “الناتو”، وثالثة مستضيفة تعد محل استقرار طاقة العالم.
2007.. إيقاف الاقتتال الفلسطيني
وبعد 26 عاماً، استضافت مكة واحدة من أبرز محطات المصالحة الفلسطينية. ففي فبراير (شباط) 2007، جرت برعاية الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز حوارات بين حركتي “فتح” و”حماس” انتهت إلى “اتفاق مكة”، الذي نص على تحريم الدم الفلسطيني واعتماد الحوار وسيلة لحل الخلافات السياسية، إضافة إلى الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية.
وعلى رغم أن الاتفاق لم يصمد أمام تعقيدات الصراع الفلسطيني الداخلي، فإن اختيار مكة حمل دلالة واضحة، إذ استُخدمت حرمة المكان ورمزيته لتوفير مظلة سياسية وأخلاقية لمحاولة وقف اقتتال فلسطيني داخلي كان يهدد بالتحول إلى حرب أهلية.
ثلاث قمم في مكة
ثم لم يمرّ سوى 12 عاماً حتى شهد مايو (أيار) 2019 ما يمكن وصفه بأكثف لحظة سياسية في تاريخ مكة الحديث، ثلاث قمم متتالية خلال أيام، إسلامية ثم خليجية ثم عربية بدعوة طارئة من الملك سلمان بن عبدالعزيز، وكانت بعد هجمات عدة استهدفت سفناً قبالة الإمارات ومحطتي ضخ نفط سعوديتين وسط توتر أميركي-إيراني سابق.
وأتت القمم، بالتوازي مع وثيقة مكة المكرمة الفكرية التي وقّعها أكثر من 1200 عالم مسلم لمواجهة موجة تطرف وإرهاب عالمية.
القمة الثلاثية الدفاعية المشتركة
أما آخر حلقات هذه السلسلة فجاءت بعد سبعة أعوام فقط في 2026 الحالي، حين وُقّعت أمس الجمعة اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان وسط حرب أميركية-إسرائيلية-إيرانية مفتوحة منذ فبراير (شباط) الماضي، وأعنف تصعيد شهدته دول الخليج مباشرة منذ حرب الخليج.
وأكد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أن الاتفاقية “ترسخ إطاراً لشراكة دفاعية طويلة المدى، وتعزز الردع والتنسيق والتكامل لدعم استقرار المنطقة”. وشدد وكيل وزارة الخارجية السعودي رائد قرملي على أنها دفاعية بحتة، وليست موجهة لتشكيل حلف طائفي أو عسكري هجومي، ولا ترتبط بأي طموحات نووية أو سباق تسلح.
وهما القولان اللذان بددا كل تأويل حولها.
الفوارق الزمنية بين الاتفاقات
الفوارق الزمنية بين هذه المحطات، 55 عاماً، ثم 26 عاماً، ثم 12 عاماً، ثم 7 أعوام فقط، ترسم منحنى متسارعاً بوضوح، كأن هشاشة النظام الإقليمي المتصاعدة تختصر تدرجاً المسافة الزمنية الفاصلة بين استدعاء وآخر لهذه المدينة كأداة سياسية، وكأن مكة تحولت بمرور الوقت إلى مقياس ضغط “جيوسياسي” يُستشعر به مستوى الخطر الفعلي في المنطقة.
وما يفسر أهمية النسخة الأخيرة تحديداً هو طبيعة الحرب الراهنة نفسها.
فبينما بقيت مواجهة 1981 محصورة نسبياً بين طرفين، العراق وإيران، واقتصرت توترات 2019 على ضربات محدودة استهدفت البنية التحتية، اتخذ التصعيد الإيراني الحالي منحى مختلفاً جوهرياً باستهدافه المباشر دولاً لم تكن أصلاً طرفاً في الصراع، كدول الخليج الست، وسوريا والأردن.
هذا الاتساع الجغرافي غير المسبوق هو تحديداً ما دفع الرياض إلى صياغة نص دفاعي صريح وملزم، أقرب إلى منطق الدفاع الجماعي المعتمد في حلف “الناتو”.
