-
ماهر الجنيدي.. الجمهورية .نت
-
-
1. أرنست رينان (Ernest Renan) (1823 – 1892)، مؤرخ وكاتب فرنسي، اشتهر بتعريفه للقوم وخاض نقاشاً حاداً مع المفكرين الألمان الذين كانوا يرون سكان منطقتي الألزاس واللورين (الفرنسيتين اللتين كانت ألمانيا تحتلهما منذ 1870) ألماناً من حيث العرق؛ فردّ رينان قائلا إن الانتماء إلى قوم ليس مسألة عرق بل مسألة إرادة ووصفه بالاستفتاء اليومي. لا يزال هذا التعريف للقوم يلعب دوراً كبيراً في تصوّر الفرنسيين لشعبهم وهويتهم. لذلك أصبح رينان رمزاً من رموز فرنسا الجمهورية العلمانية القومية وأُطلِق اسمه على كثير من المدارس والمباني العمومية.2. لويس ممفورد (Lewis Mumford) (19 أكتوبر 1895، 26 يناير 1990): مؤرخ وناقد اجتماعي وفيلسوف أميركي متخصّص في دراسة المدن والهندسة المعمارية الحضرية.3. – استطباق المناطق الحضرية (Gentrification)، مُصطلح يشير إلى إحلال الطبقة المتوسطة من المجتمع بطبقة أرقى منها، جرّاء زيادة القيمة الإيجارية للوحدات السكنية بسبب خضوع مناطقها الحضرية لمشروعات تحسين وتطوير حضري.
-
في مناقشته مسألةَ الألزاس واللورين، والنزاعَ الفرنسي الألماني عليهما، كتب المفكر الفرنسي إرنست رينان 1 في نهاية القرن التاسع عشر: «الأمة ليست مجرد قطعة أرض، بل إرادة عيش مشترك، وذكريات مشتركة». لكن كثيراً من الأنظمة المعاصرة تتعامل مع شعوبها كما يتعامل المطوّر العقاري مع الأرض: خرابات قابلة للهدم وإعادة التصميم، لا كياناً حيّاً ذا ذاكرة، وحق، وكرامة. هذه الرؤية العقارية للسياسة، التي أُسميها هنا «العقارية السياسية»، هي نزعة متزايدة لتحويل الدولة إلى مشروع تطوير عقاري ضخم، يختزل المجتمعات إلى أرقام في ميزانيات، والحقوق إلى صفقات، والعدالة إلى واجهات زجاجية براقة.
تتجلى هذه الظاهرة في عدة صور، أبرزها ما يُمكن تسميته «الترامبية السياسية». لقد أظهر دونالد ترامب، منذ حملته الرئاسية، نموذجاً صارخاً لهذا الفكر: فكر المقاول لا رجل الدولة. الدولة عنده شركة، والشعب سوق، والمشكلات الاجتماعية تُحلّ بـ«جدار» أو «صفقة»، وأحياناً بمول تجاري أو مشروع غولف؛ والمشكلات الاستراتيجية تُحلّ بالاستيلاء على مضيق، أو بالسيطرة على جزيرة شبه قطبية.
بيد أنّ هذا التفكير العقاري لم يعُد حكراً على الغرب، بل امتد إلى نخبنا الانتقالية العربية، التي باتت ترى في «الريفييرا» بديلاً عن تقرير المصير، وفي تعميم المولات الاستهلاكية بديلاً عن التنمية المستدامة، وفي الأبراج الشاهقة بديلاً عن المؤسسات الديمقراطية الراسخة.
لكن أنصار هذا التفكير ينسَون، أو يتناسون، أنّ السياسة ليست إسمنتاً وزجاجاً. لا يُمكن اختزال المسألة السورية، أو الليبية، أو اللبنانية، إلى إعادة إعمار على الورق أو مؤتمرات مانحين. قبل أن نبني، يجب أن نسأل: لمن نبني؟ وبأي حق؟ ومن يملك القرار في إعادة تشكيل الدول؟ وكيف نضمن أن العمارات الجديدة لن تُشيّد على ركام البيوت المهدّمة ظلماً، أو على أنقاض المجتمعات المهمّشة، أو فوق جراح لم تلتئم بعد؟
إن ما يحدث اليوم في مناطق النزاع وفي الدول الخارجة من صراعات هو إزاحة كبرى للمسألة الجوهرية: سؤال الحقوق، والعدالة، والسيادة، والتمثيل. فبدلاً من مواجهة هذه الأسئلة، يُروَّج للمقاربة العقارية كمدخل للاستقرار: لنُطلق مشاريع المدن الذكية، ولنستقطب المستثمرين، ولنحسم الجدل حول الساحل بمنتجعات فاخرة، أو نحسمه داخلياً بإغراء الأهالي بحلم «المنازل الحديثة».
لكن هذه ليست حلولاً، بل مراوغات عمرانية تُغطي على غياب الحلول السياسية والاجتماعية الحقيقية.
في كتابه «المدينة في التاريخ»، حذّر لويس ممفورد 2 من تحويل المدن إلى «معسكرات استهلاك»: «حين تُدار المدينة بمنطق السوق فقط، تفقد روحها، وتتحوّل إلى آلة ضخمة تدوس ساكنيها». ويتابع: «إضافة مساراتٍ جديدةٍ إلى الطرق لحل مشكلة الازدحام، يشبه فكَّ حزام الخصر لعلاج السُّمنة». هذا بالضبط ما يحدث حين تُهيمِن «العقارية السياسية» على أجهزة الدولة. فالأبراج اللامعة لا تعوّض عن بناء الثقة، والاستثمار في الواجهات البحرية لا يُغني عن الاستثمار في العدالة، والتصوير الجوي للمدن لا يكشف عن خيبات سكانها وغضبهم وحنينهم إلى الحق المسلوب.
لكن الخطر لا يقتصر على إهمال القضايا الجوهرية، بل يمتد إلى خلق واقع جديد يُعزّز التهميش. ففي كثير من الحالات، تُستخدم مشاريع التطوير العقاري كأداة لإعادة ترسيم الخريطة الديموغرافية، حيث تُهجَّر مجتمعات محلية لصالح مستثمرين أجانب أو نخب محلية، وتُحوَّل الأحياء الشعبية إلى مناطق «فاخرة» لا يستطيع سكانها الأصليون تحمل تكلفتها. هذه العملية، التي تُسمى «الاستطباق»، 3ليست مجرد تغيير عمراني، بل هي إعادة صياغة اجتماعية وسياسية تهدف إلى إسكات الأصوات المهمشة وإعادة كتابة التاريخ.
أضف إلى ذلك أن «العقارية السياسية» غالباً ما تُدار بمنطق الاستعجال. فالمشاريع الكبرى تُعلن بضجيج إعلامي، وتُروَّج بمواعيد نهائية وهمية، لكنها تفتقر إلى الشفافية والمشاركة الشعبية. من يُقرّر أولويات الإعمار؟ ومن يستفيد منها؟ هل هي المجتمعات التي عانت ويلات الحروب والنزاعات، أم هي النخب الحاكمة التي تجد في الأزمات فرصة لتعزيز نفوذها؟
ليس المطلوب من الإدارات الحالية، سواء في سوريا أو غيرها، أن تكون معادية للتنمية أو رافضة للمشاريع العمرانية. لكن المطلوب هو أن تكون هذه المشاريع مبنية على عقد اجتماعي جديد، لا على اتفاقات تمويلية مُبهمة أو تصاميم ثلاثية الأبعاد. يجب أن تكون الدولة حاميةً للناس أولاً، مؤمنةً بأن العمران لا قيمة له إذا لم يعكس إرادة المجتمع ويحترم ذاكرته وتضحياته.
فخّ «العقارية السياسية» ليس مسألة جمالية أو تقنية، بل خطر وجودي على طبيعة الدولة ورسالتها وعلاقتها بمواطنيها؛ فخٌّ قد يتحوّل إلى قنبلة موقوتة إذا ظن صنّاع القرار أن «التطوير» يُغني عن الحل السياسي. فالشاطئ النظيف، والمول المكيّف، والمنطقة الحرة، لن تُنسي الناس أسماء قتلاهم، أو تُغيِّب وجعهم، أو تحلَّ مكان كراماتهم.
السياسة لا تُدار بالجرافات، والمدن لا تُصالح سكانها بالخرائط وحدها. الحل يكمن في الحق والاعتراف، في العدالة والإنصاف، في احترام الحريات وحق التعبير عن الرأي. وإلا، فإن الأبراج التي نرفعها اليوم قد تكون مجرد أنقاض جديدة غداً، لأنها بُنيت على أساس هش: أساس يفتقر إلى العدالة والمشاركة الحقيقية.
إنه فخّ السمسرة… حين يتحول مشروع بناء الدولة إلى مشروع عقاريّ يؤول عاجلاً أم آجلاً إلى السقوط.
-