ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
إيران هدّدت، والحوثيون نفّذوا، فإندلعت الحرب الإيرانية السعودية، الأولى من نوعها، التي لم تعد تندرج في سياق ما يدور في مياه الخليج العربي من صراع على النفوذ والحدود ومصادر الطاقة. هي أقرب ما تكون الى الحرب العراقية الإيرانية الأولى في ثمانينات القرن الماضي، التي كانت بمثابة حرب عربية فارسية، إستحضر فيها الجانبان ما حفظته كتب التاريخ من كراهيات وأحقاد متبادلة، أطالت أمدَ تلك الحرب حتى اليوم..
لا يجوز ان تصنف الجولة الراهنة من تلك الحرب، التي تدور على الحدود اليمنية السعودية، بإعتبارها محاولة من جانب إيران لفك الحصار عن مضيق هرمز وعن موانئها وصادراتها النفطية، وتحويل دول الخليج العربية الى رهائن في معركتها مع أميركا وإسرائيل، التي كسبتها عملياً، ودفعت الاميركيين نحو البحث عن مخارج من تلك المعركة وحصرت الدور الإسرائيلي في حدود السعي الى تقليص ثمن الإخفاق في تحقيق أهداف تلك الحرب. ومن دون الكثير من المبالغة، يمكن الزعم بأن إيران أخرجت أميركا من منطقة الخليج العربي، أو على الأقل ساهمت في بلورة إقتناعها المسبق بأن الخليج لا يمثل مصلحة حيوية أميركية، ولا بد للدول الخليجية الست من العثور على حلفاء وشركاء آخرين، غير الولايات المتحدة الأميركية.
تلك هي المحصلة الواقعية الوحيدة للحرب التي إنهتها أميركا على إيران، والتي لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعي انه لم يكتب فصلها الختامي بعد، برغم انه يغرق يومياً في مياه مضيق هرمز الضحلة، ويغوص في إشتباكات بحرية تشبه حروب القراصنة في القرون الوسطى، ويعلن كل يوم أنه يترك شؤون الخليج لبلدانه وشعوبه لكي تتدبر أمرها بنفسها، ويتصرف كأنه وسيط نزيه أو رسول سلام بين إيران وجيرانها العرب.. وهو ما كان بمثابة إشارة “حسن نية” أميركية حفّزت طهران على العودة الى سيرتها الأولى، في فرض الهيمنة والجزية والتعويض المالي من الدول الخليجية الست، بما فيها الدول الوسيطة، (التي ظنت أن وساطتها توفر لها مناعة خاصة)، قبل ان تصدر الأمر العلني والمباشر الى الحركة الحوثية للسيطرة على الشواطئ الغربية لليمن، وصولا الى مضيق باب المندب.
هذا السياق، لا يوحي بأن النفط والحصار هما الدافع الاهم. ثمة في السلوك الإيراني ما يوحي بان حرب الخليج الراهنة، بما هي تتمة للحرب الخليجية الأولى، الايرانية العراقية، تمثل جهداً مستعاداً لتحقيق ما عجر عنه الخميني وصدام حسين يومها، عندما كانا يسعيان الى سد الفراغ الأميركي الذي ظهر لهما من زاويتين مختلفتين، وشجّع أحدهما على السعي لتصدير “ثورته” نحو المجال العربي، وحفّز الآخر على التطلع الى توسيع “ثورته” نحو البلدان الخليجية الستة. الآن، ليس هناك شك في أن إيران تسابق الزمن في السعي الى ملء الفراغ الأميركي، من خلال استهداف الدولة الخليجية الأكبر والأقوى، بجيش يمني فعلي، لا تواجهه سوى مكونات شبه عسكرية غير قادرة على صد الهجوم على باب المندب..الذي تنصل منه ترامب، ووعد بالتدخل لمعالجة مشكلته بالنوايا الحسنة والمساعي الحميدة!
يخطىء من يظن أن إيران تخوض هذا السباق على أساس إستطلاعات رأي الناخبين الاميركيين المدعوين الى صناديق الاقتراع في الثالث من تشرين الثاني نوفمبر المقبل، أو على أساس أسعار النفط والسلع في الأسواق الأميركية او العالمية. ما يجري حالياً ، هو طور جديد من حرب المئة عام الخليجية التي اندلعت في ثمانينات القرن الماضي، ولم تتوقف بعد. أما تصفير صادرات النفط للجميع، كما تجاهر طهران، فهو لا يدع مجالا للشك بأن المواجهة ستكون “صفرية”، ليس فيها محرّمات ولا ضوابط ولا قيود.. ولا طبعا فواصل أو مهل زمنية. وقد تكون فرصة مهمة للسعودية لكي تعوض ما فات من إتكالٍ مفرطٍ على النفط وعائداته ودفاعاته الغربية التي ثبت خواؤها، والانتقال بمملكتها من شرعية الأسرة الى شرعية الدين، الى شرعية الدولة التي يحميها جيشٌ جرّارٌ، ما زال مفتقداً في صورة السعودية..القادرة على تحقيق توازنٍ استراتيجيٍ حقيقيٍ مع إيران، لا مع جيشها اليمني الرديف، ومن دون عون خارجي.
بيروت في 13 / 9 / 2026