إياد الجعفري. .. المدنتبدو عبارة “التاريخ يكرر نفسه” مبتذلة بالنسبة للكثيرين، وهم محقون في ذلك إن أُخذت بحرفيتها. فالتاريخ لا يكرر الأحداث بصورة متطابقة، لكن ما يتكرر بالفعل هو المحفّزات والأنماط؛ فيما تختلف السلوكيات الناجمة عن ذلك باختلاف ضوابط العصر. أحد الأمثلة على ذلك، ما نعيشه اليوم من صراع دولي بارد على حجز موطئ قدم في الجغرافيا السورية، في سياق صراع أكبر على طرق الربط بين آسيا وأوروبا.
كانت سوريا موضع صراع دولي للأسباب ذاتها، منذ أكثر من 100 عام. وكان الصراع حينها يتلقى دفعاً من المحفّز ذاته؛ طرق الربط بين آسيا وأوروبا، ويأخذ النمط ذاته: حينما تصعد قوة دولية (ألمانيا قبيل الحرب العالمية الأولى، الصين اليوم)، تتفاقم التوترات مع قوة مهيمنة (بريطانيا قبيل الحرب العالمية الأولى، الولايات المتحدة اليوم). وفيما كان ذلك أحد الأسباب العميقة للحرب العالمية الأولى، يتسبب المحفّز ذاته اليوم بتوترات وحروب جانبية وصراع بارد، من المستبعد أن تتحول لحرب عالمية، بسبب المتغيرات المعاصرة التي تلجم إمكان الحرب المباشرة بين القوى الكبرى (أسلحة الدمار الشامل، المتغيرات التكنولوجية، الترابط الاقتصادي الدولي، تطور فنون التفاوض).
قبيل الحرب العالمية الأولى، مثّل مشروع سكة حديد برلين- بغداد، أحد تمظهرات الصراع الدولي يومها. وكان من المفترض أن يصل إلى الخليج العربي عبر الأراضي السورية، وأن يُربط بخط سكة حديد الحجاز (دمشق- المدينة المنورة)، وأن يُربط كذلك بموانئ شرق المتوسط مثل حيفا وطرابلس. وكان الهدف المعلن، هو اختصار طرق نقل البضائع مع الهند. وهو ما استفز القوة المهيمنة حينها؛ بريطانيا، لأن السكة المزمعة كانت ستسمح لألمانيا بنقل القوات والبضائع برياً وبسرعة، من دون الحاجة للمرور من قناة السويس، التي كانت تحت السيطرة البريطانية ونقطة القوة النوعية البارزة للندن يومها. كذلك استفز المشروع الامبراطورية الروسية، التي خشيت أن يؤدي التغلغل الألماني في الشرق إلى تهديد قدرتها على الوصول إلى المياه الدافئة.
ويمكن اليوم التقاط ملامح صراع بارد يتشابه نمطياً مع تجربة ما قبل الحرب العالمية الأولى. فمن المرتقب أن يشهد الأسبوع المقبل توقيع اتفاقية لإعادة تشغيل خط أنابيب نفط “كركوك- بانياس” في البيت الأبيض بواشنطن، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وبحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. الهدف المباشر للمشروع، الالتفاف على الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز الخاضع لهيمنة إيرانية. أما الهدف الأعمق، استهداف الصعود السياسي والاقتصادي الصيني، عبر سحب ورقة قوة لوجستية من قبضة أبرز حلفاء الصين، إيران؛ وعلى مدى أبعد، تحقيق تفوق لوجستي مسبق على مشروع “الحزام والطريق” الصيني الذي من المفترض أن تمر إحدى تفريعاته عبر إيران- العراق- سوريا، وصولاً إلى المتوسط.
يحظى مشروع “أنابيب كركوك – بانياس” برعاية أميركية حثيثة، وتشارك في تنفيذه شركات أميركية، وهو موضع اهتمام فرنسي كذلك. فإحدى الإعلانات الملفتة خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، الأسبوع الفائت، أن شركة توتال إنرجيز الفرنسية، ستكون أحد الشركاء في المشروع.
وما بين الرعاية الأميركية الحثيثة والاهتمام الفرنسي، تبدّت مزاحمة روسية. إذ تسعى موسكو لتشغيل مركز لوجستي تجاري في طرطوس، وفق ما سرّب مسؤولون سوريون لوكالة “رويترز”. يستهدف المركز مناولة بضائع وسلع روسية وتسهيل نقلها بسلاسة إلى أسواق العراق والأردن، ولاحقاً، دول الخليج. وقد جاء النفي السوري الرسمي للخبر، أشبه بالتأكيد، وأقرب لرسالة سياسية موجهة لواشنطن وباريس، مفادها، الإشارة إلى بدائل سوريا المحتملة على صعيد علاقاتها الخارجية، وتزاحم قوى أخرى على الاستثمار في موقعها اللوجستي. وهو أفضل تعقيب على تصريح الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز”، الذي قال: “من الواضح أن الوضع الأمني (في سوريا) اليوم لا يسمح بعد بالعمل”. فخيارات دمشق ليست محصورة في واشنطن وباريس، خصوصاً في ظل أوراق ابتزاز تستخدمها العاصمتان حيال سوريا في ملفات من قبيل: المقاتلين الأجانب؛ حقوق الأقليات؛ الحريات ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان؛ العلاقة مع إسرائيل؛ والتدخل في لبنان ضد حزب الله وفق المطلب الأميركي.
هذا التنافس الدولي اليوم، مكسب ومغرمٌ لسوريا. وقبل 100 عام كان أحد أسباب حرب كبرى، جرى جانب من وقائعها على التراب السوري، ودفع السوريون (في سوريا الكبرى) أثمانها باهظة، عبر تجربة “السفر برلك”، ومخاض الانسلاخ عن الدولة العثمانية وتقسيم البلاد وإخضاعها للاستعمار الغربي المباشر. كانت إرادة السوريين يومها مستلبة بالكامل. أما اليوم، فأوضاعنا أفضل إلى حد كبير. لكن مسار تطور الأمور يتوقف على كيفية تثقيل أوراق القوة المتاحة للقيادة السورية اليوم. فموازنة العلاقات الخارجية ضرورة لا تقبل نقاشاً. ويجب أن يتم ذلك على خيط رفيع لا يُفقد دمشق مكاسبها في العلاقة مع الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، والتي وصلت إلى مرحلة متقدمة مع قرار ترامب رفع اسم سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب.
أما أهم أوراق القوة التي يجب الانتباه إلى الحاجة لتثقيلها، هي الداخل. فمكاسب السياسة الخارجية لا تذهب إلى خواتيمها القصوى، إن كانت مقيّدة بعلاقة صفرية داخلياً. وكلما اتسع هامش الأريحية في العلاقة بين الحكومة والشارع وقواه السياسية والمدنية، كلما زاد ثقل أوراق القوة السورية، وزاد احتمال تحقيق المكسب لا المغرم، من التزاحم الدولي الراهن على جغرافيتنا؛ لا بمنطق الحرب هذه المرة، بل بمنطق الاستثمار وقاعدة “الكل يربح”.