علي حسين.. جريدة المدىمضينا عقوداً نتحمّل مسؤولية ما جرى من أحداث في الثاني من آب عام 1990 عندما اعتقد صدام حسين أن طريق القدس يمر عبر الكويت، مع أن الحرب لم يعلم بها المواطن العراقي سوى صبيحة اليوم الذي دخلت فيه القوات العراقية إلى الكويت، آنذاك تبارى عدد من الشعراء الشعبيين في التغني بما جرى، وذكرونا بالقصيدة الشهيرة التي ألقاها أحد الشعراء في بداية السبعينيات وهو يخاطب الرئيس العراقي آنذاك أحمد حسن البكر: “باجر بالقدس يخطب أبو هيثم”. وبدلاً من أن يخطب البكر في القدس ظهر صدام يخطب في قاعة الخلد لتبدأ مرحلة اجتثاث كل من لا يؤمن بمعارك المصير.
تذكرت هذه المآسي وأنا أستمع لهذيان شاعر شعبي اسمه ” عبد حسين الحاتمي” ينتمي إلى فصيلة شعراء “أم المعارك”، يريد أن يخوض معركته في الرياض ويصلي فاتحاً في مكة ، في الوقت الذي يتظاهر به آلاف الخريجين للمطالبة بفرصة عمل ، وغياب الخدمات وانتظار رحمة الكهرباء ، فيما الدولة تعجز عن توفير اموال الأدوية وطبع المناهج المدرسية .
على مدى ثلاثة عشر عاماً التي عاش فيها الشعب العراقي مأساة حصار التسعينيات، كان فيها شعراء أم المعارك يتبارون في تمجيد الخراب.
عندما تسمع “هذيان” الشاعر حسين الحاتمي تقول مع نفسك لا جديد يضاف إلى مأساة العراق. الجديد هو اختلاف الأصوات واختلاف الممولين، بالأمس كانت القصائد تكتب من أجل مكرمة السيد الرئيس، الآن تكتب من أجل مكرمة “الماستر كارد”.
قبل أشهر عشنا مع ترند “إعادة احتلال الكويت”، وكان بطل الواقعة النائب السابق وائل عبد اللطيف الذي خرج علينا ليطالب العراقيين بإعادة احتلال الكويت. تخيّل جنابك بعد 23 عاماً من التغيير وخطابات الديمقراطية، والحديث عن مآسي الحروب التي تسبب بها صدام، يخرج علينا نائب سابق يقول وبالحرف الواحد بأن “الولاد أصحاب الستوتات قالوا راح ندخل الكويت نطكطكهم ونرجع”، ولم يكتفِ بذلك، فقد أخبرنا أن شباب البصرة وقفوا على الحدود داخل باصات الكوستر وهم يهوسون: “يا گاع ترابج كافوري”، فيما يقرر عبد الحسين الحاتمي أن ينافس مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو في رسم خريطة جديدة للمنطقة.
تخيّل جنابك ساسة ونواب وشعراء ومحللين سياسيين يتمنون العودة عودة الى عصر المهيب الركن، عصر القائد الملهم، عصر الدكتاتورية .
بعد 23 عاما من التغيير واسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس، يخرج علينا من لا يريدنا ان نغادر زمن معارك المصير، واناشيد الحرب .
لا يريد البعض أن يتعلم من دروس التاريخ، ويدرك أن البلدان لا تُبنى بالخطابات والشعارات الثورية ولا بقصائد شعراء “الماستر كارد”، وإنما تُبنى بالعمل ومكافحة الأمية السياسية والتنمية والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والتخلف والانتهازية.
وأنا أستمع لقصيدة الشاعر عبد الحسين الحاتمي تذكرت العبارة الشهيرة التي كان يطلقها صدام وهو ينفخ دخان سيجارته : “عفية”.