
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره
الجامعة مؤسسة علمية تهدف إلى توفير التعليم التخصصي الدقيق، بغية إعداد كوادر تمتلك الخبرات والمعارف اللازمة للإسهام في تنمية المجتمع وتطويره، بما يواكب متطلبات العصر وتحدياته، ويتوازى ذلك مع غاية أعلى شأناً، تظلّل التعليم وتضمن جودته والارتقاء به؛ هي تشجيع البحث العلمي والسعي الدائم إلى تطويره من خلال توفير مستلزمات البحوث التجريبية، ودعم المكتبات بالمراجع العلمية الحديثة. ولعل أهم ما يعكس مدى اهتمام الجامعة بالبحث هو منشوراتها، ولا سيما المجلات العلمية المحكَّمة التي تنشرها.
تُعدّ عملية النشر إحدى ركائز تعزيز الجودة والتصنيف العلمي، ووسيلة رئيسية لبيان المستوى العلمي، ودور الجامعة في خدمة المجتمع من خلال نشر ما يسهم في تطوير المعرفة العملية الإنتاجية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية العامة. ولذلك حرصت جامعاتنا على نشر مجلتها المحكَّمة في سلسلة تُعنى بمجالات تخصصية متعددة؛ كما في مجلة جامعة حلب التي تُنشر في عدة أقسام تشمل: العلوم الطبية، الهندسية، الزراعة، الاقتصاد، العلوم الأساسية، الآداب والعلوم الإنسانية، التربوية.
إن المجلة المحكّمة ليست مجلة عادية؛ بل تُعدّ مرجعاً علمياً معرفياً موثوقاً لأن النشر فيها يخضع لإجراءات علمية دقيقة تضمن نشر المعرفة العلمية الرصينة التي تضيف جديداً إلى التخصص، أبرزها التحكيم العلمي السرّي الذي يقوم به مختصان لهما باع في موضوع البحث، وربما ثلاثة، للتحقق من توافر الأصالة والمستوى العلمي المتميز في البحث.
وقد يُرفض نشره، أو يُطلب من الباحث إجراء تعديلات في المنهج أو المضمون تحسّن المستوى العلمي لبحثه. ولذلك فإن أهمية المجلة العلمية المحكّمة لا تُقاس بعدد البحوث التي تنشرها، بل بجودة تلك البحوث، وتأثيرها في مجالها التخصصي العلمي، ومدى انتشارها واستشهاد الباحثين بها بعد ذلك.
تابعت المنشور في سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية لجامعاتنا خلال السنوات المريرة التي مرت بها بلادنا، وانتهت بالخلاص والتحرير، فوجدت أن مظاهر الفساد الذي كان سمة أساسية لمعظم جوانب الحياة في العقود الأخيرة من تاريخنا، قد تسربت إلى البحث العلمي المنشور أيضاً؛ وذلك من خلال نشر أعمال ضعيفة تفتقر إلى قواعد النشر وأصول البحث والمضمون المعرفي، ولكنّها وفرت لأصحابها الحصول على شهادات علمية، أو الترقية في المراتب العلمية على أساس باطل.
إن تلك البحوث تثير الاستغراب والتساؤل عمّن أجاز نشرها؟ من هم أولئك المختصون؟ أشك في أنهم من المختصين، وهذا يعني أن هناك دائرة من الفساد تتجاوز أصحاب البحوث، تستحق البحث عنها. إنها نموذج من الحالات التي كانت تُدار بها شؤون البلاد؛ أعني الاعتماد على “الوساطة” أو “الدعم”، وربما “المال”.
سأعرض ثلاثة أمثلة تقع ضمن إطار تخصصي، وهي منشورة في ثلاث من مجلات جامعاتنا المحكّمة، ومتاحة لمن يرغب في الاطلاع عليها، تؤكد ما سبق، بل تثير السخرية أيضاً. ولا أبتغي من ذلك سوى الدفاع عن العلم وسمعة جامعاتنا العلمية:
المثال الأول بحث بعنوان: “قواعد في اللغة الأكادية”، وهو بحث لمختص في اللغات والآثار القديمة، منشور في 2013، يعرض لمحات عامة عن لغة نمتلك -حتى الآن- أكثر من مئة ألف نص منها، وشاع استخدامها نحو 2500 سنة، في معظم مناطق الشرق القديم. أصغر مبحث لغوي (صرفي، نحوي)، أو وحدة دلالية معجمية فيها تستحق بحثاً مستقلاً، لكن هذا البحث تخيّر قواعد لغوية عامة أوجزها في 17 صفحة، ولا أدري ما الجديد الممكن في مثل هذا التناول!!
ولا أدري كيف يمكن أن نفسر صلة هذا الموضوع بموضوع آخر نشره بشكل مشترك فيما بعد، هذه السنة 2026، عنوانه: “دور استراتيجية قيادة التكلفة في تعزيز القدرة التنافسية (دراسة ميدانية على فنادق الأربع نجوم في مدينة اللاذقية)”، وما صلة هذا ببحث مماثل في جانبه النظري، منشور في جامعة آل البيت بالأردن 2009، وآخر منشور في مجلة دراسات اقتصادية في الجزائر 2020؟؟ ما حقيقة التداخل بين تخصصات الباحث هذه؟
المثال الثاني بحث “اللغة العربية في ضوء اللغات السامية، اللغة العبرية أنموذجاً” وهو بحث لمختص في اللغات السامية وطالب له في مرحلة الماجستير، منشور سنة 2019 يذكرأن في ملخصه أنه “بحث في الروابط اللغوية والتاريخية والجغرافية المشتركة بين الشعوب السامية.. والعلاقة بين اللغتين العربية والعبرية”. نعم؛ هذا كله في 13 صفحة، ليس فيها غير معلومات عامة جداً، وتحت عنوان يوحي بأننا نحتاج إلى اللغة العبرية لتضيء لنا جوانب من العربية!
المثال الثالث “صورة الرجل العربي في المفهوم الصهيوني قبل عام 1948م (قصص موسى سميلانسكي نموذجاً)”، وهو بحث منشور سنة 2022، وقبله بحث مماثل؛ إن لم نقل أنه مطابق، منشور سنة 2019 لباحث آخر في مجلة جامعة أخرى بعنوان: ملامح الشخصية العربية في القصة العبرية القصيرة: مجموعة مختارة من قصص (موشيه سميلانسكي) أنموذجاً. وقبلهما بحث مماثل منشور في مجلة الدراسات العربية الأوراسية في روسيا، باللغة العربية!!
أعتقد أن المراجعة الشاملة الدقيقة ستظهر أمثلة كثيرة على هذا النمط من الفساد العلمي، وهي ضرورة للتصحيح، وكشف المستور. إن “ما بُني على باطل فهو باطل”، ومن الواجب وضع حدّ لمثل هذه التجاوزات التي تسيء إلى سمعة البحث العلمي في جامعاتنا.