المحبة والكراهية نزعتان إنسانيتان متقابلتان، وقد تتداخلان في النفس الإنسانية وتتعايشان بدرجات مختلفة. وقد تناولهما الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا من زاوية مختلفة، فعرّف الحب بأنه “فرح يقترن بفكرة سبب خارجي”، والكراهية بأنها “حزن يقترن بفكرة سبب خارجي”. وفي هذا التصور، لا يكون الحب أو الكراهية مجرّد انفعال عابر، بل يرتبطان بالطريقة التي يدرك بها الإنسان ما يحيط به، وبالأسباب التي ينسب إليها ما يشعر به من فرح أو حزن. وقد تنشأ المحبة من الإحساس بالأمان والثقة والاطمئنان، بينما قد تنشأ الكراهية من الخوف والريبة والقلق وعدم الشعور بالأمان.
مهما يكن، قد تتحوّل الكراهية إلى أداة هدم وتدمير، تدفع صاحبها إلى تحطيم ما حوله أو تشويهه، بينما قد تدفع المحبة إلى البناء والجمال والاحتفاء بالفن. وقد تسهم إحداهما في بناء المدن والدول، بينما قد تسهم الأخرى في تدميرها وإغراقها في دوامات الصراع. ومشكلة الكراهية أنها كثيراً ما تنمو في الظلام، وتختبئ خلف مبرّرات وشعارات يصعب معها إدراك دوافعها الحقيقية. وكثيراً ما يبني أصحابها بينهم وبين الآخرين جدراناً كثيفة من الطمع والكذب والتزوير والغرور.
وحين يتفشّى هذا الطبع بين الناس، ويتحوّل إلى سلوك عام، تبدأ المدن بإطفاء أنوارها بأيدي أبنائها، حتى لو كانت الشمس تشرق عليها في كبد السماء. فالنور لا يغيب بسبب قلة الضوء، بل بسبب العتمة التي تتسلل إلى النفوس والعقول.
فالخراب لا يبدأ من الشوارع ولا من الأرصفة ولا من الأبنية والمرافق العامة، بل يبدأ أولًا في عقل الإنسان. هناك تتشكل بذوره الأولى، ثم ينعكس أثر سواده ودماره على كل ما يحيط بالإنسان. ويحدث ذلك حين تفقد العقول قدرتها على التمييز بين ما ينفعها وما يضرها، وتختلط المصالح بالأوهام، والوقائع بالأهواء.
قد تتحوّل الكراهية إلى أداة هدم وتدمير، تدفع صاحبها إلى تحطيم ما حوله أو تشويهه، بينما قد تدفع المحبة إلى البناء والجمال والاحتفاء بالفن
ليست الكراهية شعوراً عابراً يمر بالنفس ثم ينقضي أثره، بل هي حالة قادرة على إعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى العالم من حوله. فحين تستبد بالنفس، لا تكتفي بإثقال العقل والقلب، وإنما تمتد إلى البصر والبصيرة فتشوّه إدراكهما للأشياء ومعانيها. عندها لا يعود الجمال جمالًا في عين صاحبها، بل يتحول إلى قبح، ولا يعود التواضع والتسامح خُلُقاً رفيعاً، بل يُفسَّر أنه مذلة وضعف. أما الحكمة، بما تحمله من اتزان وعمق، فقد تُقابل بالسخرية أو الاتهام بالجنون، لأنها لا تنسجم مع ما استقرّ في النفس الكارهة من تصوّرات وأحكام.
ولا تقف آثار هذه الحالة عند حدود الفرد، بل قد تتسع لتصبح ظاهرةً جماعية بفعل تأثير أدوات الإعلام، التي تكاد تكون في العصر الحالي عين المجتمع وأذنه، ويُفترض أن تساعده على رؤية الواقع وفهمه، لا على تغييب الحقيقة وتزييفها. فالإعلام حين ينحاز إلى الصراع، ويسعى إلى تأجيجه بدلاً من أن يشرح أسبابه ويخفف من وتيرته، يتحوّل إلى عامل من عوامل إنتاج الكراهية، بدل أن يكون وسيلة للمعرفة والتفاهم والتقارب.
ويمكن لبعض المنابر الإعلامية أن تتحدّث عن العدلة والمحبة والسلام والخير، بينما تسهم، مباشرة أو غير مباشرة، بقصد أو من دونه، في تأجيج الصراعات والفتن بين الجماعات والجماعات، وبين الخصوم والخصوم. فتقدّم طرفاً بوصفه خيراً مطلقاً، وآخر بوصفه شرًا مطلقًا، فتتفشى الكراهية بين الطرفين. وإذا ما تفشت الكراهية وتحولت إلى واقع اجتماعي، عمّت الدسائس والأحقاد وسيوف الغدر، ويخسر الإنسان أي معنى لوجوده، وتتمزق الدول.
من الضروري التفريق بين من يحاول فهم الأسباب المركبة التي أوصلت سورية إلى الواقع المرير القائم ومن يكتفي بتوجيه غضبه نحو أهداف وغايات يختارها مسبقاً
وهنا تكمن خطورة ما تحاول بعض المنابر الإعلامية نشره من كراهية وتضليل؛ فالإنسان لا يرى العالم كاملاً، وإنما يرى جزءاً منه، ثم يبني صورته عنه من خلال ما يسمعه ويشاهده ويقرأه. فإذا تكرّرت أمامه صورة واحدة للواقع، وتكررت معها المفردات ذاتها، والتحليلات نفسها، والاتهامات ذاتها، بدأ يظن أن ما يُعرض عليه هو الواقع كله. وبذلك لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل يصبح، في نظر المتلقي، أشبه بالعين التي يرى بها، والأذن التي يسمع بها. ومثل هذه الرؤية لا تبقى حبيسة الفرد، فالأفكار والمشاعر تنتقل بين الناس وتتفشى وتنتشر. ومع مرور الوقت قد يتكوّن جمهور يتبنى المنظورنفسه، فيصبح التشكيك في الفضائل عادة، والطعن في القيم ولناس منهجاً، والنظر إلى كل مبادرة بنّاءة بعين الريبة والعداء.
ولعل التجربة السورية مثال واضح على الكيفية التي تتشكل بها مشاعر الناس تجاه واقعهم، فقد عاش السوريون عقوداً طويلة مثقلين بأعباء أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية قاسية، وحين اندلعت الثورة السورية، حملت معها آمالاً واسعة لدى قطاعات كبيرة منهم، ورأوا فيها لحظة انعتاق من واقع طال أمده. ومع انتصار ثورتهم وسقوط الطغيان، شعروا أنهم حققوا ما حلموا به، فظهرت مشاهد الفرح في الشوارع والبيوت، وغنّى الناس ورقصوا واحتفلوا، غير أن الكارهين رأوا في ذلك مأتماً، ولم يخفوا هذا منذ اليوم الأول، وهذا طبيعي ما داموا قد خسروا مصالحهم وامتيازاتهم وكراسيهم. وطبيعي أن يطلقوا على خصومهم ما طاب لهم من صفات وأسماء ومعانٍ، وأن يسعوا إلى تشويه أفراحهم ونصرهم. كما أن من الطبيعي، بحكم الواقع وضرورات الحياة اليومية، ألا تدوم لحظات الفرح مهما كانت عظيمة، فالإنسان لا يعيش على الانتصارات والاحتفالات وحدها، بل يحتاج إلى الأمن والعمل والسكن والغذاء والخدمات والاستقرار.
وكلما تحسّنت هذه الشروط في حياة الإنسان السوري، اتسعت مساحة الأمان في نظره، وازداد إحساسه بأن تضحياته كانت ذات معنى، وأصبح أكثر قدرة على حماية فرحته من كل من يحاول النيل منها. أما حين تستمر المعاناة أو تتعثر سبل العيش، فإن الكارهين يتخذون من ذلك حججاً وأدوات ووسائل لتعميم التخويف والإرهاب والكراهية، وقد ينجحون في هذا إلى حد بعيد، فيقدمون صورةً عن الواقع تحجب عن بعضهم رؤية الصورة الكاملة، فلا يعود من يتأثر بهم يرى إلا ما يريدون له أن يراه، وبذلك تسير الأمور وفق ما يتمناه الكارهون.
حين تستمر المعاناة أو تتعثر سبل العيش، يتخذ الكارهون من ذلك حججاً وأدوات ووسائل لتعميم التخويف والإرهاب والكراهية
ومن الضروري هنا التفريق بين من يحاول فهم الأسباب المركبة التي أوصلت سورية إلى الواقع المرير القائم ومن يكتفي بتوجيه غضبه نحو أهداف وغايات يختارها مسبقاً، فالأول قد ينتقد ويعارض ويطالب بالتغيير والتبديل والإصلاح، حرصاً على مكتسبات الثورة وما تحقق من نصر. أما الثاني، فإن الكراهية تدفعه إلى رفض كل ما يتصل بالجهة التي يعارضها، فيتحوّل التواضع والمسامحة، على سبيل المثال، إلى ضعف، والتعقل إلى تردّد، والحكمة إلى جنون، والإنجاز إلى فشل، مهما كانت الوقائع على الأرض.
وأي فشلٍ تقع فيه الجهة التي يعارضها يُعدُّ، في نظره، نصراً ودليلاً على صحة وجهة نظره. وما عدا ذلك فيبقى محل نقد وهدم بحجة الإصلاح وحرية التعبير عن الرأي. إن أي تجربة إنسانية، أو أي دولة خارجة من النزاعات والصراعات والحروب، لا تخلو من الصعوبات والإخفاقات والتحدّيات، وسورية ليست استثناءً. لكن التمييز بين النقد البنّاء والهدم هو ما يمنح المجتمعات فرصة النهوض والاستمرار. وأعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه هو أن يجمع بين وضوح البصر وعدالة الحكم، فلا يعميه الحب عن رؤية الخطأ، ولا تعميه الكراهية عن رؤية الجمال.
فالنفس التي امتلأت بالحب ترى الجمال جمالاً، والحكمة حكمةً، والتواضع والمسامحة رفعةً، والبناء أملًا. أما النفس التي استبدّت بها الكراهية، فإنها كثيرًا ما تعكس ما في داخلها على ما حولها، فتُحمِّل الأشياء من عيوبها ما ليس فيها، وتبصر في المرايا صورتها هي، ثم تظن أنها ترى العالم. وربما أخطر ما يمكن أن تفعله الكراهية في أعماق أصحابها، وفي أعماق غيرهم، أن تقنعهم بأن النور نفسه ليس إلا وهماً، وأن الأمل سذاجة، والبناء خداع، والفرح جريمة، والنصر هزيمة. وحين تنجح في هذا، لا تكون قد انتصرت على خصمها فحسب، بل تكون قد انتصرت على قدرة المجتمع نفسه على التطلع إلى المستقبل.